سألني الكثير من الناس بدهشة عن كيفية توقعاتي لنشوب الحرب قبل وقوعها بفترة. وكنت لا أجد إجابة واضحة ومحددة، لأن المسألة لم تكن تتعلق بالسياسة كما قد يتصور البعض، بل كانت تتعلق بإنهيار أخلاقي شامل للشعب. هذا الإنهيار فاق حد تصور أسوأ الأبالسة والشياطين منذ أن خلق الله الأرض وما عليها وحتى يومنا هذا. لم ينحصر الإنهيار في فساد التنظيم القابض على السلطة بل انحدر إلى القاعدة من الشعب، حيث انتهى عصر "العيب" تماماً، وانتاب الشعب هوس جمع المال، بأي طريقة بغض النظر عن أخلاقية أو عدم أخلاقيتها، ليصل الأمر إلى أن بعض دور اللقطاء تبيع الأطفال للجنس، وأُنشئت سينمات صغيرة مخصصة لممارسة الدعارة، وانتشرت انتشاراً واسعا وبشكل مذهل تجارة المخدرات، وتشكلت عشرات المافيات التي تسيطر على تجارة الأعضاء ومافيات عديدة أخرى للبترول والدواء والخبز والدولار. أصبحت كل المؤسسات العدلية شديدة الفساد، وانتشرت التكتلات العنصرية داخل مؤسسات الدولة، انقسم الشعب إلى طبقة من أقلية تمتلك المليارات من الدولارات (مليار حقيقي وليس مجازي) وطبقة غالبة مسحوقة تموت من الجوع والمرض. انهارت الجسور والطرق بسبب فساد العطاءات الحكومية، أصبحت الوظائف والمناصب الحكومية توزع بحسب العرق واللون، والانتماء للتنظيم الحاكم أو لحركة مسلحة، وأصاب البشر هلع شديد جعلهم لا يميزون بين الخير والشر، ولا يميزون بين الله والشيطان. وكنت أراقب كل ذلك عن كثب، باحثاً عن ومضة أمل، لكن لا شيء كان يظهر في الأفق. حينها سألت الله ما سأله النبي حبقوق عن نهاية كل هذا البؤس، ورأيت الإجابة في ذات السفر: (فها أنا ذا مقيم الكلدانيين؛ الأمة المُرة الفاحمة السالكة في رحاب الأرض لتمتلك مساكن ليست لها، هي هائلة ومخوفة. من قبل نفسها يخرج حكمها وجلالها، وخيلها أسرع من النمور، وأحدُّ من ذئاب المساء، وفرسانها ينتشرون، وفرسانها يأتون من بعيد، ويطيرون كالنسر المسرع إلى الأكل، يأتون كلهم للظلم. منظر وجوههم إلى قدام، ويجمعون سبياً كالرمل). فنبوءة حبقوق وغيرها من النبوءت لا تخرج عن القاعدة العامة الواردة في القرآن الكريم في سورة الإسراء: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تديرا). وهذه القاعدة منبثقة من أساس جوهري بني عليه النظام الكوني وهو التوازن في كل شيء، حيث يعالج الكون نفسه عند اختلال الميزان: قال تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان) [الرحمن-٧]. لذلك رأيت كل ما حدث في الأفق وكانوا يرونه بعيداً ونراه قريباً. لذلك أنذرناهم ولكنهم كانوا لا يحبون المنذرين، وبذلنا لهم النصح فلم يستبينوه حتى اليوم. فلا زالوا رغم كل ما حاق بهم، يصمون آذانهم، ويميلون إلى البغي والعدوان ميلاً عظيما. لذلك فمجمل القول، أن هذه الحرب ليست تمالؤاً خارجيا، بل غضب من الله تعالى وعقاب وعذاب، كنت أقرأه فقط في قصص الغابرين، لكنني رأيته رأي العين، لبحق الله الحق بكلماته، ويثبت حكمه على الظالمين. اللهم لا تعدنا إلى سُباطة مرة أخرى، وباعد بيننا وبينها بعد السماء عن الأرض، وأبدلنا بلداً خيراً نها واجعلنا من الوارثين والحمد لله رب العالمين.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة