Post: #1
Title: ميليشيا الجنجويد ليست مؤسسة ولم ولن تصبح كذلك! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 03-15-2026, 08:08 PM
08:08 PM March, 15 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
في عالم السياسة المعاصر، وحين تنقلب المفاهيم وتُختطف المصطلحات من سياقاتها الأكاديمية والعلمية لتُمرغ في وحل التبرير الرخيص، يصبح لزاما على العقل الحر أن يقف بصرامة ليفكك هذه السرديات الزائفة. واحدة من أشد هذه السرديات إثارة للسخرية والاشمئزاز في آن واحد، هي تلك المحاولة البائسة التي تقودها الأذرع الإعلامية والجوقة السياسية الانتهازية لإسباغ صفة المؤسسية على ميليشيا الدعم السريع الجنجويد. إن محاولة إلباس ثوب الدولة وتلبيس مصطلح المؤسسة لعصابة عائلية دموية، ليس سوى استخفاف بالعقول، واعتداء سافر على أبجديات العلوم السياسية والإدارية. عزيزي القارئ.. قبل أن نغوص في مستنقع الجنجويد، دعونا نُنظف عقولنا بماء العلم، ونُعرّف المؤسسية بصفة عامة، لندرك حجم الهوة الشاسعة بين المفهوم العلمي والواقع الميليشياوي العبثي. المؤسسية، هي عملية تجريد الكيان من سطوة الفرد، وتحويله إلى هيكل صلب من القواعد، والقوانين، والأعراف المستقرة التي تحكم السلوك، وتضمن الاستمرارية بغض النظر عن الأشخاص وميولهم، بمعنى أدق، المؤسسية، ليست مبنى فخما مطليا بالزجاج، ولا أسطولا من السيارات ذات الدفع الرباعي المكدسة بالأسلحة، بل هي نسق قيمي وهيكلي يتسم بالاستقلالية المطلقة، حيث يوجد فصل تام وحاسم بين المصلحة الخاصة للفرد أو العائلة، وبين المصلحة العامة للكيان. هذه الاستقلالية تُدعم بتراتبية عقلانية صارمة، يكون فيها صعود الأفراد وهبوطهم مبنيا حصريا على معايير الكفاءة والجدارة، بعيدا كل البعد عن صلة الدم أو روابط القبيلة. إلى جانب ذلك، تتميز المؤسسة الحقيقية بالاستمرارية والخلود التنظيمي، فهي تبقى وتستمر وتعمل وفق لوائحها الصارمة حتى لو هلك مؤسسها أو قادتها البارزون في لحظة واحدة، وتُتوج هذه الخصائص جميعها بمبدأ المساءلة والمحاسبة، حيث يخضع أصغر فرد وأكبر قائد لذات القواعد القانونية بصرامة متناهية، دون أي اعتبار لحصانة دموية أو عرقية تمنع سيف القانون من النزول على رقبة المخطئ. عزيزي القارئ.. عندما نضيق عدسة المجهر لتسليط الضوء على المؤسسية داخل أي تنظيم سياسي أو عسكري، فإن الشروط تصبح أكثر صرامة وتعقيدا. التنظيم السياسي أو العسكري المؤسسي، هو ذلك الذي يمتلك عقيدة وطنية راسخة أو أيديولوجية واضحة المعالم، تتجاوز في جوهرها روابط الدم والانتماءات العشائرية الضيقة. في المؤسسات العسكرية الوطنية الحقيقية مثلا، يستحيل على العقل والمنطق أن يتخيل مشهدا يكون فيه القائد العام، ونائبه، وقائد الاستخبارات، وقائد الإمداد، جميعهم إخوة وأبناء عمومة خرجوا من بطن واحدة أو خيمة واحدة، وفي التنظيم السياسي المؤسسي الرصين، تُتخذ القرارات المصيرية عبر مؤسسات حقيقية، أو مكاتب سياسية منتخبة، أو لجان مركزية تمتلك الصلاحية الكاملة لتصحيح مسار القائد، بل وعزله ومحاسبته إذا حاد عن الطريق المرسوم للكيان. الآن، وبناءا على ما سبق من تأصيل نظري، دعونا نلتفت إلى تلك النكتة السمجة والممجوجة التي تُرددها الجوقة الانتهازية ومقاولو الارتزاق السياسي والإعلامي. هؤلاء الذين يطلون علينا يوميا عبر الشاشات بربطات عنق أنيقة، ومصطلحات معلبة ومكررة، ليحدثونا بوقاحة شديدة عن ما يسمونه بمؤسسة الدعم السريع. إن محاولة تزيين وجه الجنجويد القبيح بمساحيق المؤسسية، تشبه تماما محاولة إقناع الناس بأن عصابات المافيا الإجرامية في أزقة صقلية، هي في الحقيقة جمعيات خيرية ذات مساهمة عامة. إن الأذرع الإعلامية التي تُسوق لهذه الكذبة المفضوحة تعتمد على سياسة التكرار الغوبلزي الفجة، القائمة على مبدأ اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، متناسين بغباء أن الواقع الدموي والمفضوح يفقأ عين كذبتهم كل صباح بجرائم جديدة وانتهاكات لا تخطئها العين. الدعم السريع، ليس مؤسسة ولن يكون، هو إقطاعية دموية مسلحة، هو مشروع تجاري وعسكري هجين، وُلد سفاحا من رحم ميليشيات حرس الحدود، وتغذى وكبر على دماء الأبرياء، وتضخم بشكل سرطاني بأموال الارتزاق الإقليمي وتهريب ثروات البلاد من الذهب. لا توجد لائحة واحدة مكتوبة أو عُرفية داخل هذه الميليشيا تُحترم أو تُطبق إذا تعارضت ولو قليلا مع مزاج القائد الأوحد، أو مع المصلحة الاقتصادية والعسكرية للعائلة الحاكمة لهذا القطيع. الجوهر الحقيقي والوحيد الذي لا يقبل الجدل لميليشيا الدعم السريع، هو أنها تنظيم عائلي بحت، هي عبارة عن عزبة خاصة مملوكة بالكامل لآل دقلو، تُدار بعقلية شيخ القبيلة الذي يمتلك قطيعا من الإبل، مع فارق مأساوي بسيط، هو أن الإبل هنا استُبدلت بسيارات الدفع الرباعي المسلحة والمرتزقة المستجلبين من كل حدب وصوب. لإدراك حجم الكارثة، يكفي أن نعقد مقارنة ذهنية بسيطة بين شكل المؤسسة العسكرية وبين هذه العزبة الميليشياوية. في أي مؤسسة عسكرية محترمة، تُحدد القيادة العليا بناءا على تراكم الأقدمية، والكفاءة الميدانية، والتأهيل العلمي في الأكاديميات العسكرية العليا. أما في ميليشيا الجنجويد، فإن القيادة تُحدد حصريا بالحمض النووي والانتماء الجيني لأسرة دقلو، وبينما يُمثل نائب القائد في المؤسسات ضابطا تدرج بصبر وجدارة عبر هيكل راتب وصارم، نجد أن نائب القائد في الميليشيا هو ببساطة شقيق القائد الأصغر، الذي لا يمتلك أي تأهيل أكاديمي أو عسكري يؤهله لقيادة فصيل، ناهيك عن جيش. وإذا نظرنا إلى العصب المالي، نجد أن مالية المؤسسات الوطنية ترتبط عضويا بخزانة الدولة، وتخضع لرقابة وزارة المالية وسيف المراجع العام، وفي المقابل، تعتمد الميليشيا على حسابات بنكية عائلية غامضة، وشركات تنقيب ذهب مملوكة للأسرة، وشبكات تمويل خارجية مبنية على الارتزاق، وحتى العقيدة القتالية تتناقض تماما، فالمؤسسة تقاتل لحماية الدستور والحدود والتراب الوطني، بينما يقاتل الجنجويد لحماية عرش العائلة، وممارسة النهب الممنهج، وتوسيع رقعة النفوذ القبلي، وتتجلى المهزلة الكبرى في هيكل اتخاذ القرار، الذي يتم في المؤسسات عبر هيئة أركان مشتركة ومجالس عسكرية منضبطة باللوائح، بينما يُختزل في الميليشيا في مجلس عائلي يضم الأخ وابن العم والخال، يجتمعون تحت شجرة أو في خيمة لتقرير مصير كل الناس. كيف يمكن لعاقل أو نصف عاقل أن يطلق وصف مؤسسة على كيان القائد فيه هو الأخ الأكبر، ونائبه هو شقيقه، ومسؤول ماليته هو شقيقهم الثالث، وقادته الميدانيون الموثوقون هم أبناء عمومتهم وأصهارهم؟ إنها حرفيا، مافيا عائلية ارتدت زيا عسكريا بالصدفة التاريخية في لحظة غفلة وطنية. واجهة الزُرقة لا تصنع مؤسسة! نأتي الآن إلى الحجة الأكثر تهافتا، والورقة الأخيرة التي يحاول بها مهندسو الغفلة السياسية ومحامو الشيطان تبرير مؤسسية الجنجويد المزعومة. يخرجون علينا ليقولوا باعتزاز مزيف، إن الدعم السريع لم يعد حكرا على العطاوة أو القبائل العربية، بل بات يضم في صفوفه قيادات وأفرادا من قبائل الزُرقة -القبائل الأفريقية غير العربية في دارفور والسودان كله، معتبرين هذا الاختراق الوهمي دليلا قاطعا على تحول الميليشيا إلى مؤسسة قومية شاملة، وهنا يتجلى الغباء السياسي وقصر النظر في أبهى صوره، إذ إن إقحام بعض الوجوه من قادة الزُرقة، أو استجلاب آلاف المقاتلين من قبائل أخرى ودفع رواتب مجزية لهم، لا يُسمى بأي معيار أكاديمي وسياسي تطورا مؤسسيا، بل يُسمى في علم إدارة العصابات تكتيكا ارتزاقيا استيعابيا. إن كبرى عصابات الجريمة المنظمة وكارتلات المخدرات في كولومبيا أو المكسيك قد تعمد إلى توظيف أفراد من أعراق ومناطق مختلفة لضمان السيطرة الجغرافية أو توسيع شبكة النفوذ، فهل هذا التنوع الإجرامي يجعل من كارتل المخدرات مؤسسة وطنية ديمقراطية؟ علاوة على ذلك، فإنه مهما تضخم عدد أبناء القبائل الأخرى في صفوف الميليشيا، فإن سقف طموحهم التنظيمي يظل محدودا ومحكوما بسقف العائلة. هؤلاء الوافدون لن يتجاوزوا دور أدوات البطش، أو الواجهات الإعلامية المصنوعة للاستهلاك، أو مجرد لحم مدافع يُدفع بهم في الخطوط الأمامية للمعارك لتقليل الخسائر في صفوف العائلة الأساسية. أما القرار الاستراتيجي، والتحكم المطلق في مفاتيح المال، وسر إدارة الذهب، والارتباطات الخارجية الحساسة، والتفاوض السياسي العميق، فهي ملفات محتكرة بالكامل وحصريا لآل دقلو وللدوائر الضيقة جداً من حاضنتهم الاجتماعية المباشرة، والمحرمة على أي وافد مهما بلغ ولاؤه. والحقيقة المرة التي تحاول الجوقة إخفاءها، هي أن قيام ميليشيا الجنجويد باستقطاب بعض الوجوه من قبائل الزُرقة ليس نابعا من إيمان عميق بالتنوع، ولا هو خطوة نحو بناء مؤسسي حقيقي، بل هو تعبير عن عقدة نقص تاريخية ومحاولة يائسة لشراء الذمم، وجهد مفضوح لغسل تاريخ الميليشيا الأسود، الملطخ بدماء تلك القبائل ذاتها في حملات الإبادة الجماعية الأولى والثانية في دارفور. إنهم يشترون ذمم بعض المرتزقة والانتهازيين من تلك المكونات، ليخرجوا على شاشات التلفزة كديكور رخيص يُغطي عورة المشروع العائلي الاستيطاني ويمنحه شرعية زائفة. إن وضع مساحيق التجميل القبلية المتنوعة، ورش العطور القومية على وجه وحش عائلي قبيح، لا يغير من تركيبته الجينية المتعطشة للدماء، بل يجعله في أحسن الأحوال مجرد وحش ملون يسهل خداع السذج به. ************* في الختام، نستطيع القول، إن المعركة الدائرة اليوم ليست مجرد صراع عسكري على الأرض، ولا مجرد تنازع سياسي على السلطة، بل هي معركة مفاهيم قبل أن تكون معركة مواقع، معركة بين من يؤمن بأن الدولة تُبنى على القواعد والقوانين والمؤسسات، وبين من يريد اختزالها في إرادة عائلة وسلاح ميليشيا ودفاتر حسابات خاصة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظة الانهيار الوطني، ليس تمدد السلاح وحده، بل تمدد الكذب المفاهيمي الذي يحاول تطبيع الشذوذ وتحويل الاستثناء الدموي إلى قاعدة، والعصابة إلى مؤسسة، والولاء العائلي إلى مشروع وطني، وعندما تختلط اللغة بالدم، وتُختطف المصطلحات لتبرير الفوضى، يصبح الدفاع عن المعنى نفسه فعلا من أفعال المقاومة. المؤسسة لا تُورّث، ولا تُشترى، ولا تُصبغ بألوان قبلية لتبدو قومية، بل المؤسسة تُبنى على الفصل بين الشخص والمنصب، بين العائلة والدولة، بين القوة والقانون. إن السودان بتاريخه العريق، وتعدده الغني، ووعيه المتجدد أكبر من أن يُختزل في شركة عائلية مسلحة، وأعمق من أن تُعاد صياغته وفق عقلية الغنيمة والارتزاق، لأن الدولة التي يحلم بها السودانيون لن تقوم على بيعة الدم، بل على عقد المواطنة، لن يحرسها سلاح منفلت، بل قانون عادل، ولن يديرها مجلس عائلي مغلق، بل مؤسسات مفتوحة للمساءلة والمحاسبة. قد تستطيع الميليشيات أن تفرض أمرا واقعا لبعض الوقت، وقد ينجح الإعلام المأجور في تشويش الوعي مرحليا، لكن التاريخ، في نهاية المطاف، لا ينحاز إلا للدول التي تحترم منطق الدولة، وكل كيان يقوم على العصبية والاحتكار العائلي مصيره إلى الزوال، مهما تضخم سلاحه أو تضاعفت ثرواته. إن الرهان الحقيقي ليس على تجميل القبح، بل على استعادة المعنى، ليس على إعادة تعريف العصابة، بل على إعادة بناء الدولة، وحين يستعيد الشعب لغته ومفاهيمه، يستعيد معها قدرته على التمييز، وعلى الاختيار، وعلى المحاسبة، وفي النهاية، سيبقى الفارق واضحا بين من يسعى لتأسيس وطن، ومن يسعى لامتلاكه، والأوطان لا تُمتلك، بل تُبنى.
|
|