Post: #1
Title: استاذ عرمان وحدود الواقعية السياسية- هل يكفي عزل الإسلاميين لإنقاذ الجيش؟ كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 03-15-2026, 05:46 AM
05:46 AM March, 15 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
14/3/2026 ، بوسطن
تناقلت الاسافير مايلي عن الأستاذ ياسر عرمان:
(ظللت منذ ٢٠١٩ حتى اليوم أدعو لعدم المطابقة بين الجماعة الاسلامية والقوات المسلحة، مع إدراكي التام بأن هنالك زواج مصلحة بين الجيش والجماعة الإسلامية. لكن من معلومات وحوار وتجربة ملموسة ونقاش عميق مع قادة الجيش في الخدمة والمعاش منذ نيفاشا والفترة الانتقالية ٢٠٠٥-٢٠١١ وبعد ثورة ديسمبر، فإنني على قناعة بأن الجيش أوسع وأكبر من ضيق أحذية الجماعة، رغم أنها جماعة متنفذة وذات وجود داخل الجيش وأجهزة الدولة، لكن هنالك تناقضات. وإذا كانت الجماعة والجيش شيئاً واحداً فلماذا ادخل د. الترابي السجن؟ ولماذا انحاز الجناح الأمني والعسكري داخل الجماعة للجيش؟ فالمجموعة التي تمتطي ظهر الجيش من الإسلاميين لا بد من عزلها، ولا بد من عمل واسع في الداخل والخارج لتحرير الدولة من اختطافها لقطاع الأمن والاقتصاد والإعلام والخدمة المدنية وغيرها، دون أن ندعو لحل الجيش أو تدميره، فهو شعار غير واقعي ويطيل أمد الحرب. من مصلحة الجيش أن يفرز عيشه من عيش الجماعة، فالجيش مؤسسة تابعة للدولة والجماعة تابعة لأعضائها.) انتهي الاقتباس.
ولان الكثير من قادة العمل السياسي يتبنون نفس الرؤية يهمنا الرد عليها: فالمشكلة ليست في "اختطاف" الجيش وحسب يا أستاذ عرمان، بل في بنية الجيش نفسه. تقوم حجة الأستاذ ياسر عرمان على فرضية مفادها أن الجيش السوداني، رغم اختراق الإسلاميين له، يظل في جوهره مؤسسة وطنية قابلة للاسترداد؛ وأن المطلوب هو عزل الإسلاميين عنها لا حلّها. وهذه حجة قد تبدو للوهلة الأولى محتملة ان كنا محافظين طبعا، لكنها في الحقيقة تخلط بين المؤسسة بوصفها جهازًا قانونيًا مجردًا وبين المؤسسة بوصفها تاريخًا فعليًا، وعقيدةً قتالية، وشبكة مصالح، وأداةً لإعادة إنتاج الدولة القديمة. هنا موضع الخلاف الجوهري يا أستاذ عرمان. فالسؤال ليس: هل يوجد داخل الجيش ضباط غير إسلاميين؟ بل السؤال: ما الذي فعله الجيش السوداني، كجهاز تاريخي، بالدولة السودانية وبالمجتمع السوداني؟ وإذا كانت حصيلة هذا التاريخ هي الانقلابات، قمع المدنيين، تعطيل الانتقال الديمقراطي، التماهي مع المشروع الأيديولوجي للدولة المركزية الاسلاموعروبية، والانخراط المتكرر في الجرائم ضد المواطنين، فالمطالبة بحل هذه البنية ليست "شعارًا غير واقعي"، بل استنتاجًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا من سجلّها نفسه. ما وظيفة الجيوش أصلًا؟ وأين فشل الجيش السوداني؟ في أدبيات إصلاح القطاع الأمني والحكم الديمقراطي، وظيفة القوات المسلحة ليست حكم المجتمع، ولا هندسة الهوية، ولا احتكار السياسة، ولا حماية امتيازات طبقة حاكمة، بل الدفاع عن الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية ضمن إطار دستوري، وتحت قيادة مدنية، وبمساءلة قانونية، مع فصل واضح بينها وبين الشرطة والأمن والعمل الحزبي والاقتصادي. DCAF and OECD هذا ليس رأيًا إنشائيًا، بل قاعدة مستقرة في أدبيات حول الحوكمة الديمقراطية للقوات المسلحة. وعلى هذا المعيار بالذات، فشل الجيش السوداني فشلًا بنيويًا. فهو لم يستقر تاريخيًا على مهنية دفاعية تحت سلطة مدنية، بل ظل لاعبًا سياسيًا مباشرًا. قاد انقلاب عبود في نوفمبر 1958 وحلّ الأحزاب وعلّق الحياة العامة، ثم عاد الجيش إلى السلطة في انقلاب مايو 1969، ثم في انقلاب يونيو 1989 الذي دشّن ثلاثين عامًا من حكم البشير المدعوم من الإسلاميين، ثم نفّذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالانتقال المدني. هذا ليس "انحرافًا عرضيًا"، بل نمط متكرر: كلما اقترب السودان من السياسة، أعاد الجيش السودان إلى الثكنة. الأخطر من ذلك أن هذا الجيش، أو البنية العسكرية التي تصدّرت باسمه، لم يكتفِ بالهيمنة السياسية، بل تورّط في العنف ضد المواطنين. واذا تركنا حروبه تجاه المواطنين في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور جانبا، فقد وثّقت هيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية القمع الدموي للمتظاهرين بعد انقلاب 2021، كما وثّقت هيومن رايتس ووتش الهجوم المخطط على اعتصام 3 يونيو 2019 بما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وحتى في الحرب الجارية، وثّقت هيومن رايتس ووتش استخدام القوات المسلحة السودانية قنابل غير موجهة في أحياء سكنية وتجارية في نيالا في فبراير 2025، بما وصفته بهجمات عشوائية ظاهرها جرائم حرب، كما وثقت عدد مت المنظمات ذات المصداقية استخدامه للسلاح الكيماوي. إذن نحن لا نتكلم عن جهاز "لم ينجح بعد" في الإصلاح، بل عن جهاز راكم سجلًا طويلًا من استعمال القوة ضد المجتمع نفسه. هل المشكلة هي الإسلاميون فقط؟ أم الجيش كصيغة تاريخية؟ من الصحيح أن الجيش ليس مطابقًا ميكانيكيًا للحركة الإسلامية؛ فحتى التحالفات السلطوية تعرف التناقضات والصراعات الداخلية. لكن هذه الملاحظة الجزئية لا تُنتج النتيجة التي يريدها الأستاذ عرمان ومن يتبنوا نفس رايه. فعدم التطابق التام لا يعني عدم التكوين البنيوي المشترك. حتى اليوم، تُظهر التقارير الحديثة أن التيار الإسلامي في السودان يرى في دعمه للجيش بوابةً للعودة السياسية، وأن عناصره ساهمت في القتال والتنظيم والتعبئة، فيما تتصاعد مخاوف داخلية وخارجية من تجدد نفوذ الإسلاميين عبر المؤسسة العسكرية. معنى ذلك أن الحديث عن "فرز عيش الجيش من عيش الجماعة" لا يكفي ما دامت البنية التي أتاحت هذا التداخل ما تزال قائمة. المطلوب ليس تنظيف الواجهة، بل تفكيك المطبخ كله. حلّ الجيش ليس هدمًا للدفاع الوطني. الخلط الأكبر في قول "لا ندعو لحل الجيش أو تدميره" هو الخلط بين أمرين مختلفين:
الأول: حلّ البنية التاريخية الفاشلة.
والثاني: ترك البلاد بلا قوة دفاعية. الدعوة إلى حل الجيش السوداني، في معناها الجاد، لا تعني أن تُترك البلاد بلا دفاع، بل تعني تفكيك الجيش القديم بوصفه مؤسسة سياسية-أيديولوجية-اقتصادية فشلت، ثم إعادة تأسيس قوة دفاع وطنية جديدة بعقيدة دستورية ومدنية ومهنية. هذا بالضبط ما تتحدث عنه أدبيات إصلاح القطاع الأمني حين تفرّق بين "إصلاح" بعض المؤسسات وبين "إعادة تأسيس" أو "إعادة إنشاء" قوات مسلحة جديدة تحت رقابة مدنية، وفق قانون جديد، ومهام جديدة، وعقيدة جديدة.
الواقعية ليست في الإبقاء على ما أثبت فشله، بل في الاعتراف بأن بعض المؤسسات تبلغ من العطب ما يجعل ترميمها شكلًا من أشكال إطالة الأزمة. لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: "هل حل الجيش واقعي؟" بل: هل الإبقاء على الجيش القديم، بعد كل هذا السجل، هو الواقعي؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحًا في ضوء التحولات الدولية الراهنة المرتبطة بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية بوصفها منظمة إرهابية في بعض الدوائر السياسية والحقوقية الدولية. فوجود قيادات عسكرية نافذة داخل الجيش تُعرف بانتمائها التنظيمي أو الفكري إلى الحركة الإسلامية يضع الدولة السودانية أمام مأزق استراتيجي خطير، إذ قد يتحول الجيش نفسه—بحكم هذا التداخل البنيوي—إلى رهينة لتداعيات هذا التصنيف، بما يشمله من عزلة دبلوماسية، وعقوبات اقتصادية، وقيود على التعاون العسكري والأمني. في هذه الحالة لا يعود الأمر مجرد جدل نظري حول "إصلاح الجيش"، بل يصبح مسألة تتعلق بمستقبل الدولة السودانية وموقعها في النظام الدولي. فالدول لا تستطيع بناء علاقات طبيعية أو مؤسسات دفاع محترفة إذا كانت بنيتها العسكرية متداخلة مع تنظيمات مصنفة إرهابية أو مشتبه في ارتباطها بالإرهاب. ومن ثم فإن إعادة تأسيس مؤسسة عسكرية وطنية جديدة، مفصولة بوضوح عن البنى الأيديولوجية والتنظيمية للحركة الإسلامية، لا تبدو خيارًا راديكاليًا بقدر ما تبدو شرطًا ضروريًا لإنقاذ الدولة السودانية نفسها من أن تصبح رهينة لهذا الإرث السياسي والتنظيمي.
التاريخ المقارن: نعم، جرى حل جيوش وبناء أخرى التاريخ لا يؤيد الفكرة السودانية المحافظة القائلة إن الجيوش كيانات مقدسة لا تُمس. بعد الحرب العالمية الثانية، حُلّ الجيش الألماني النازي، وأعلنت سلطات الحلفاء إلغاء القوات البرية والبحرية والجوية الألمانية نهائيًا، ثم تأسس لاحقًا جيش جديد في ألمانيا الغربية على مبادئ مختلفة، أهمها الخضوع الصارم للنظام الديمقراطي والقطيعة مع تقاليد "الفيرماخت" النازي. المسألة لم تكن "الإبقاء على الجيش مع عزل النازيين" اشبه بما تقترح، بل الاعتراف بأن المؤسسة القديمة نفسها ملوثة إلى درجة تستوجب الإلغاء وإعادة البناء. وفي جنوب أفريقيا، لم تُبنَ الشرعية الديمقراطية على إبقاء الجيش العنصري كما هو، ثم مطالبة بعض الأفراد بحسن السلوك؛ بل أُنشئت قوات دفاع وطنية جديدة عبر دمج قوى متعددة، مدنية التحررية منها والرسمية، ضمن إطار دستوري جديد، وتحت رقابة سياسية وبرلمانية جديدة. نصّ "الورقة البيضاء للدفاع" بعد 1994 بوضوح على أن الجيش الجديد نشأ من دمج قوى سابقة متعارضة داخل نظام دفاع وطني جديد، لا من تقديس الصيغة القديمة للجيش العنصري. بل إن بعض الدول ذهبت أبعد من ذلك: كوستاريكا ألغت الجيش الدائم في 1949 ونصّ دستورها على حظره كمؤسسة دائمة، وبنما ألغت القوات المسلحة دستوريًا بعد حقبة نورِييغا واستعاضت عنها بقوات أمن عامة. هذه الحالات لا تُنسخ حرفيًا على السودان، لكنها تُسقط الأسطورة القائلة إن أي تفكير جذري في الجيش هو جنون سياسي. لقد فعلت دول ذلك عندما رأت أن العسكر صاروا جزءًا من المرض لا دواءه. لكن هناك درسًا معاكسًا أيضًا: العراق ومن المهم علميًا ألّا نقدّم صورة تبسيطية. فحلّ الجيش ليس ناجحًا آليًا لمجرد صدور قرار به. تجربة العراق في 2003 تُظهر أن الحلّ غير المخطط، غير المرتبط بإطار سياسي وشرعي وانتقالي، قد ينتج فراغًا أمنيًا كارثيًا. فقد أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة أمرها رقم 2 بحل الكيانات العسكرية والأمنية العراقية، مع وعد ببناء "قوة عراقية جديدة". لكن الدراسات اللاحقة عدّت هذا القرار من العوامل التي قوّضت الأمن وساعدت على تعميق الفوضى والتمرد، لأنه لم يقترن بمسار وطني متماسك للدمج والعدالة وإعادة البناء. إذن الدرس ليس أن حل الجيوش خطأ في ذاته، بل أن الحلّ وحده لا يكفي؛ يجب أن يكون جزءًا من مشروع تأسيسي كامل. وهذا مهم جدًا في السياق السوداني: ما ندافع عنه ليس "حلًا عدميًا" للجيش، بل تفكيكًا منظمًا يشمل نزع العقيدة الأيديولوجية، تفكيك الشبكات الاقتصادية، الفرز المهني والقانوني، المحاسبة على الجرائم، الإدماج الانتقالي لمن لم تتلطخ أيديهم، وإنشاء جيش قومي جديد متوازن إقليميًا وإثنيًا وخاضع لسلطة مدنية ودستور بمبادئ فوق دستورية تكفل وتحمي المواطنة.
لماذا تخاف النخب السودانية من القرارات الكبيرة؟ التردد السوداني المزمن أمام قرارات كبرى—حل الجيش القديم، فصل الدين عن الدولة، العدالة التاريخية، إعادة كتابة العقد الاجتماعي—ليس مجرد ضعف إرادة فردي. إنه نتيجة بنية ذهنية وسياسية تكونت طويلًا داخل دولة ما بعد الاستعمار. تكوّنت هذه النخب داخل ثقافة سياسية تعتبر بعض مؤسسات السودان القديم مقدسات فوق النقد: الجيش، "الوحدة" بصيغتها القسرية، العروبة بوصفها معيار الشرعية، والإسلام السياسي بوصفه لغة المجال العام. عندما تواجه هذه النخب سؤالًا جذريًا، فإنها تميل إلى تسكينه لا حله، وإلى الإصلاح الشكلي لا التأسيس الحقيقي. هذا استنتاج تدعمه دراسات عن تشكل الدولة السودانية بعد الاستعمار، وعن اقتران العربية والعروبة والإسلام في ممارسات المدرسة والسياسة والهوية، منذ عقود مبكرة من تاريخ الدولة الوطنية. بمعنى آخر: النخبة السودانية لا تخاف من القرار الكبير لأنه "صعب" فقط، بل لأنه يمس الأساس الرمزي لامتيازها. حل الجيش القديم لا يعني فقط تغيير مؤسسة أمنية؛ بل يعني نزع إحدى الركائز التي حمت المركز وهيمنته. فصل الدين عن الدولة لا يعني فقط تعديلًا دستوريًا؛ بل يعني سحب رأس المال الرمزي الذي استخدمته النخب لتبرير الامتياز. والعدالة التاريخية لا تعني فقط محاكمات وتعويضات؛ بل تعني إعادة ترتيب من يحق له تعريف الوطن نفسه. لذلك ترتعد هذه النخب أمام القرارات التأسيسية، لا لأنّها غير عملية، بل لأنها عادلة أكثر مما تحتمل مصالحها... ولاشنو؟!
التعليم والتربية في السودان: كيف تُنتج الذهنية المحافظة؟ لفهم هذا التردد لا يكفي نقد السياسيين؛ يجب النظر إلى التربية والتعليم. فالدراسات الأكاديمية حول السودان تشير إلى أن المدرسة والجامعة لم تكونا مؤسستين محايدتين، بل شاركتا تاريخيًا في إنتاج مركزية ثقافية ولغوية ودينية، وخصوصًا عبر اقتران العروبة والإسلام بالدولة الوطنية، ثم عبر سياسات الأسلمة والتعريب التي تعمقت في مراحل مختلفة، ومنها فترة عبود في الجنوب، ولاحقًا سياسات البشير في التعليم العالي. هذا ساهم في إنتاج خيال سياسي يرى التعدد تهديدًا، ويرى الدولة المركزية قدرًا، ويرى المؤسسة العسكرية حاميًا للهوية لا مجرد جهاز دفاع. وتشير أبحاث عن الجامعات السودانية أيضًا إلى أن السياسات التعليمية اللاحقة أضعفت الاستقلال الأكاديمي وأعادت تشكيل المجال الجامعي بما يحدّ من قدرته على إنتاج تفكير نقدي حر. وهنا تتضح الحلقة: تعليم غير نقدي، ثقافة عامة تميل إلى الطاعة الرمزية، نخب سياسية تخشى القطيعة، ومؤسسات عسكرية تجد دائمًا من يبرر بقاءها باسم "الواقعية". هكذا تصبح الجرأة الفكرية نادرة، ويغدو المطلوب من الضحايا أن يتكيفوا مع بنية الأزمة بدل أن يطالبوا بتفكيكها! ما مصلحة النخب السياسية في إبقاء الجيش القديم؟ مصلحة النخب السودانية في الإبقاء على ملامح السودان القديم، بما فيها الجيش بصيغته الراهنة أو القريبة من الراهنة، متعددة: أولًا، لأن الجيش القديم ظل تاريخيًا ضامنًا نهائيًا لتوازن الامتيازات في المركز. فعندما تفشل السياسة أو تنتفض الأطراف أو ترتفع مطالب إعادة التأسيس، يكون الجيش هو جهاز الحسم الأخير. الإبقاء عليه يعني إبقاء "حق الفيتو" التاريخي بيد من اعتادوا احتكار تعريف الدولة. ثانيًا، لأن الجيش في السودان ليس مجرد مؤسسة عسكرية؛ بل هو متشابك مع الاقتصاد والإدارة وشبكات النفوذ. وأدبيات الحوكمة الأمنية في السودان نفسها تؤكد أن الإصلاح الأمني لا ينفصل عن الرقابة المدنية والشفافية والتفكيك المؤسسي لشبكات الهيمنة. لهذا تخشى النخب إعادة البناء الحقيقي؛ لأنه يفتح ملفات الميزانيات والامتيازات والولاءات والتمثيل الجهوي والإثني داخل الدولة. ثالثًا، لأن جيشًا جديدًا بعقيدة مواطنة متساوية يعني نهاية الامتياز التاريخي لفكرة أن السودان يُحرس باسم هوية أحادية. جيش المواطنة لا يحرس "دولة العرب والمسلمين" ولا "دولة المركز"، بل يحرس دستورًا ومواطنين متساوين. وهذا تحديدًا ما يجعل مشروع الجيش الجديد مخيفًا للنخب التي ارتبط صعودها ببقاء الغموض حول سؤال: من هو السوداني الكامل؟
الجيش السوداني وامتحان المهنية: لماذا أخفق؟ الجيوش المهنية تُقاس بقدرتها على التخصص الوظيفي، الانضباط الدستوري، النأي عن الحزبية، والامتناع عن توجيه السلاح إلى الشعب إلا في إطار القانون الصارم. لكن الجيش السوداني أخفق في هذه المعايير على نحو متكرر:
فشل في منع نفسه من الانقلاب على السلطة المدنية، وفشل في تحييد نفسه عن المشاريع الأيديولوجية، وفشل في منع تحوله إلى مظلة لمليشيات أو شراكات عنيفة، وفشل في الحفاظ على احتكار منضبط للعنف الشرعي، وفشل في تحويل قوته إلى أمن للمواطن لا إلى خوف منه. وحين يصل الجيش إلى هذه الدرجة من الفشل التراكمي، تصبح إعادة تأسيسه ضرورة مهنية قبل أن تكون مطلبًا ثوريًا.
الخلاصة: الواقعية الحقيقية هي الجرأة التأسيسية إن القول إن الدعوة إلى حل الجيش "غير واقعية" يعكس، في الحالة السودانية، ضيقًا في الخيال السياسي أكثر مما يعكس عمقًا في فهم الدولة. فالواقعية ليست مرادفًا للرضوخ للموروث، ولا لتدوير المؤسسات الفاشلة، ولا لإبقاء أدوات القمع ثم مطالبتها فجأة بأن تصير وطنية. الواقعية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأن السودان ليس في أزمة حكومات فقط، بل في أزمة بنية دولة. والجيش القديم ليس خارج هذه الأزمة؛ بل في قلبها. لذلك فالموقف الأدق ليس "تدمير الجيش"، بل حلّ الجيش السوداني القديم بوصفه بنية تاريخية فاشلة، وتفكيك عقيدته وشبكاته، ثم بناء جيش قومي مهني جديد. جيش لا ينقلب على الدستور، لا يتاجر بالهوية، لا يحمي نخبة ضد شعب، ولا يورّث الحروب من جيل إلى جيل.
هذا ليس تطرفًا. هذا هو الحد الأدنى من العقل السياسي بعد كل هذا الخراب.
وقد قال د. جون قرنق عن مهندسي الخراب هذا: These people are too deformed to be reformed!
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|