Post: #1
Title: تفسير النكبة الفلسطينية بين وليد الخالدي وإيلان بابيه كتبه إبراهيم أبو عواد
Author: إبراهيم أبو عواد
Date: 03-11-2026, 09:21 PM
09:21 PM March, 11 2026 سودانيز اون لاين إبراهيم أبو عواد-الأردن مكتبتى رابط مختصر
/ كاتب من الأردن
تُعَدُّ النَّكبة الفِلَسْطينية التي وقعت عام 1948 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ العربي المُعاصر، إذْ أدَّتْ إلى اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم ، وتدمير مئات القُرى ، وتحويل المُجتمع الفلسطيني إلى شعب مُشتَّت بين اللجوء والاحتلال . وقدْ أصبحت النَّكبة مِحْوَرًا أساسيًّا في الدراسات التاريخية والسياسية ، وبرز عدد من الباحثين الذين حاولوا تفسيرها ، وتحليل أسبابها ونتائجها . مِن أبرز هؤلاء الباحثين : المُؤرِّخ الفلسطيني وليد الخالدي ( 1925 _ 2026 ) ، والمُؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه ( وُلد 1954 )، حيث قدَّما تفسيرين مهمين ومتقاربين في بعض الجوانب ، ومُختلفين في جوانب أُخرى لطبيعة النَّكبة الفلسطينية وأسبابها . يُعتبَر وليد الخالدي من أبرز المُؤرِّخين الفلسطينيين الذين دَرَسُوا النكبة دراسة مُوثَّقة تعتمد على الوثائق التاريخية والشهادات الميدانية والخرائط . وهو يَرى أن النكبة لم تكن حادثة عشوائية أوْ نتيجة عرضية للحرب ، بل كانت نتيجة مشروع استعماري استيطاني مُنظَّم سعى إلى إقامة دَولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني . في تفسيره للنكبة ، يؤكِّد الخالدي أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها وضعتْ هدفًا واضحًا يتمثل في السيطرة على الأرض ، وإقامة كِيان سياسي خاص بها ، وهو ما تطلَّب تقليل الوجود العربي إلى الحد الأدنى المُمكن . وقدْ تجسَّد هذا التوجُّه في السياسات التي اتُّبِعت خلال الحرب عام 1948 ، والتي أدَّتْ إلى تهجير السكان الفلسطينيين ، وتدمير قُراهم . ويُركِّز الخالدي في أبحاثه على توثيق القُرى الفلسطينية التي دُمِّرت أوْ أُخْلِيَت خلال النكبة ، مُبَيِّنًا أنَّ ما جرى لم يكن مُجرَّد نزوح طبيعي للسكان بسبب المعارك ، بل كان نتيجة عمليات عسكرية مُنظَّمة استهدفتْ إخراجَ السكان ومنع عَودتهم . كما يُوضِّح أن تدمير القُرى وإعادة توطين مُهاجرين يهود مكانها كان جُزءًا من عملية تغيير ديمغرافي واسعة النطاق . ويَرى الخالدي أيضًا أن القوى الدولية كان لها دَور في صناعة الظروف التي أدَّتْ إلى النكبة ، سواءٌ مِن خِلال السياسات الاستعمارية السابقة ، أوْ مِن خلال المواقف السياسية التي سمحتْ بقيام دولة إسرائيل دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني . وبذلك فإنَّ تفسير الخالدي للنكبة يقوم على ثلاثة عناصر أساسية : 1_ المشروع الصهيوني الاستيطاني . 2_ السياسات العسكرية التي أدَّتْ إلى التهجير . 3_ الدَّور الدولي في تمكين هذا التحوُّل التاريخي . يُعَدُّ إيلان بابيه أحد أبرز المُؤرِّخين الإسرائيليين الذين أعادوا قراءة تاريخ قيام دولة إسرائيل من منظور نَقْدي يعتمد على الوثائق الإسرائيلية نَفْسِها . وقدْ قدَّم بابيه تفسيرًا يَرى فيه أن النكبة لم تكن نتيجة جانبية للحرب ، بل كانت عملية تطهير عِرْقي مُخطَّطة . في تحليله ، يؤكِّد بابيه أن القيادات الصهيونية وضعتْ خُطَّة تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من فِلَسْطين مع أقل عدد مُمكن من السكان العرب . ويُشير إلى أن هذه السياسة تجسَّدتْ في خُطَّة عسكرية هدفتْ إلى احتلال القُرى والمُدن الفلسطينية وطرد سُكانها . ويَرى بابيه أن عمليات الطرد الجَمَاعي التي حدثتْ في العديد من المناطق لم تكن تصرفات فردية لقادة عسكريين ، بل كانت جُزءًا من إستراتيجية متكاملة هدفتْ إلى صناعة واقع ديمغرافي جديد يَسمح بقيام دولة ذات أغلبية يهودية . ويعتمد بابيه في تحليله على وثائق أرشيفية وشهادات تاريخية تُشير إلى أن العديد من القُرى دُمِّرت بعد احتلالها ، وأن سكانها مُنعوا من العودة إليها . كما يؤكِّد أن هذه السياسات استمرَّتْ حتى بعد انتهاء الحرب ، حيث تَمَّ سَنُّ قوانين تمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم . وبذلك يُفَسِّر بابيه النكبة باعتبارها عملية مُنظَّمة لإعادة تشكيل الجُغرافيا السكانية في فلسطين ، وهي عملية يَرى أنها تُمثِّل أحد أشكال التطهير العِرقي في التاريخ الحديث . رغم اختلاف الخلفية الوطنية للمُؤرِّخَيْن : الخالدي وبابيه ، إلا أنَّ هُناك نقاط اتفاق مُهمة بين تفسيريهما للنكبة : 1_ النكبة لم تكن مُجرَّد نتيجة عفوية للحرب ، بل كانت مرتبطة بسياسات وخُطَط هدفتْ إلى تغيير الواقع الديمغرافي في فلسطين . وكِلاهما يؤكِّد أن عمليات التهجير لم تكن حوادث فردية معزولة ، بل كانتْ جُزءًا من نمط عام تكرَّر في مناطق مختلفة . 2_ تدمير القرى الفلسطينية كان عُنصرًا أساسيًّا في تثبيت نتائج الحرب ، ومنع عَودة السكان الأصليين . وإزالةُ القرى أو إعادة استخدامها لأغراض أُخرى ساهمتْ في تغيير معالم الجُغرافيا الفلسطينية . 3_ النكبة شكَّلتْ تحوُّلًا جذريًّا في تاريخ الشعب الفلسطيني ، إذْ أدَّتْ إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني ، وتحويل جُزء كبير من السكان إلى لاجئين . رغم التقاطعات الكبيرة بين تفسيريهما ، إلا أنَّ هناك اختلافات في بعض الجوانب المنهجية والتحليلية : 1_ الخالدي يُركِّز أساسًا على توثيق القُرى المُدمَّرة ، وتحليل البُنية التاريخية للمجتمع الفلسطيني قبل النكبة ، في حين يُركِّز بابيه أكثر على تحليل الوثائق العسكرية والسياسية التي تكشف طبيعة القرارات التي اتخذتها القيادات الصهيونية خلال الحرب . 2_ الخالدي ينطلق من منظور تاريخي فلسطيني يسعى إلى حفظ الذاكرة الوطنية ، وتوثيقِ ما حدث ، بَينما ينطلق بابيه من إطار نَقْدي داخل المجتمع الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تقييم الرواية التاريخية الإسرائيلية . 3_ الخالدي يُركِّز على مفهوم التهجير القَسْري والاقتلاع الجَمَاعي ، في حين أنَّ بابيه يستخدم مصطلح التطهير العِرقي لوصف ما حدث عام 1948 بشكل صريح .
|
|