Post: #1
Title: ماذا بعد التصنيف وتفكيك الإسلام السياسي في السودان كتبه مها الهادي طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 03-10-2026, 09:32 PM
09:32 PM March, 10 2026 سودانيز اون لاين مها الهادي طبيق-Sudan مكتبتى رابط مختصر
توقيت إعلان وزارة الخارجية الأمريكية الأخير بشأن تصنيف الحركة الإسلامية كتنظيم إرهابي موجة واسعة من النقاش . فالسودان تم ادراجه على قوائم الإرهاب الأمريكية . منذ عام 1993 ، وتعرض لعقوبات اقتصادية وقيود مالية وتجارية واسعة ، استمرت لعقود وشملت مجالات متعددة من الاقتصاد والتكنولوجيا وحتى بعض المعدات ذات الاستخدام الطبي أو المزدوج .لذلك فإن الإعلان الجديد يفتح سؤالًا مشروعًا ، ما الذي تغيّر الآن حتى يعود ملف الإرهاب إلى الواجهة بهذه القوة ؟
إذا كانت الحركة الإسلامية في السودان قد ارتبط اسمها منذ التسعينيات بملفات حساسة مثل استضافة أسامة بن لادن ، أو الاتهامات المتعلقة بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عام 1995 ، فإن هذه الوقائع معروفة منذ عقود ، واشنطن نفسها تعاملت مع النظام السوداني لاحقًا في إطار تعاون أمني واستخباراتي في ملفات مكافحة الإرهاب ، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر ، كما شهدت العلاقات بين الخرطوم وواشنطن مراحل متناقضة ، عقوبات وضغوط سياسية في التسعينيات ، وتعاون أمني محدود بعد 2001 . أضف إلي ذلك رفع جزئي للعقوبات عام 2017 . وإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 2020 بمساعدة سعودية وإسرائيلية بسبب التباعد من إيران وإغلاق السفارة الإيرانية في السودان .
هذا المسار المتقلب يوضح أن ملف الإرهاب هو أداة ضمن إدارة المصالح والتوازنات الدولية والتي تنسجم مع لحظة التحول الداخلي وثورة الشعب في ديسمبر 2019 التي أزاحت حكم الاخوان من السلطة . لكن فهم القرار الأمريكي لا يكتمل دون النظر إلى جانب التحولات العميقة التي يشهدها السودان سواء داخليًا أو التطورات الإقليمية بما في ذلك الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران . فالبلاد تمر بمرحلة إعادة تشكيل للنظام السياسي بعد عقود من هيمنة الإسلام السياسي الذي حكم السودان منذ انقلاب عام 1989. هذه الهيمنة كانت منظومة متكاملة للسيطرة على الدولة شملت اختراق مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية ، وشبكة اقتصادية واسعة مرتبطة بالتنظيم الأيديولوجي . وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة لصالح الولاءات الحزبية ، وخطاب أيديولوجي ديني يبرر السلطة .لهذا السبب لم يكن سقوط نظام عمر البشير عام 2019 كافيًا لإنهاء نفوذ الحركة الإسلامية، لأن بنية السلطة التي أنشأتها بقيت متغلغلة داخل مؤسسات الدولة .
ظهور تحالف التأسيس يجعل المراقب ينظر الي هذه القوة العسكرية والسياسية الناشئة ضمن مسار وأدوات التفكيك لمنظومة التيار الإسلامي .في هذا السياق يبرز لهذا التحالف كمحاولة لإعادة صياغة المعادلة السياسية في السودان لتفكيك منظومة الإسلام السياسي التي سيطرت على الدولة لعقود . هذه العملية تتطلب ثلاث خطوات استراتيجية ، تفكيك الشبكات التنظيمية داخل الدولة أي إنهاء نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية ، وتفكيك الاقتصاد السياسي للحركة الإسلامية وهو اقتصاد تشكل عبر شركات وشبكات مالية توسعت خلال سنوات الحكم ، وعادة تعريف طبيعة الدولة بالانتقال من دولة أيديولوجية إلى دولة مدنية تستوعب التنوع العرقي والثقافي في السودان .
أما التحدي الحقيقي هو ما بعد التفكيك ، بالنظر إلى التجارب التاريخية تشير إلى أن تفكيك الأنظمة الأيديولوجية لا يؤدي تلقائيًا إلى بناء دولة مستقرة . ما لم تبرز قوى موازية لملئ الفراغ وحتى لا يستغل النظام القديم هذا الفراغ للعودة مجددا الحكم . وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأهم هل يمتلك مشروع التأسيس رؤية مؤسسية لبناء الدولة بعد تفكيك الإسلام السياسي ، نجاح هذا المشروع يتطلب برنامج واضح يشمل إعادة بناء الجيش كمؤسسة وطنية غير أيديولوجية ، وإصلاح الاقتصاد المنهك ، وإعادة بناء الإدارة المدنية للدولة ، ثم إطلاق عملية عدالة انتقالية تعالج إرث الحروب والانتهاكات .
في هذا السياق يصبح التصنيف الأمريكي جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا . فملف الإرهاب في السياسة الدولية غالبًا ما يتحول إلى أداة ضغط تستخدمها القوى الكبرى في لحظات إعادة ترتيب النفوذ . وهذا ما يفسر القلق المشروع لدى كثير من السودانيين من أن تتحول مثل هذه القرارات إلى مدخل لتدخلات أعمق في الشأن الداخلي ، خاصة في بلد غني بالموارد الطبيعية ويقع في موقع جيوسياسي بالغ الحساسية بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل .لكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار أن السودان يمر بمرحلة تحول داخلي حقيقي يسعى إلى إنهاء إرث الإسلام السياسي وبناء معادلة سياسية جديدة .
اليوم السودان يقف عند تقاطع مسارين تاريخيين ، الأول هو تفكيك منظومة الإسلام السياسي التي حكمت البلاد لثلاثة عقود ، والثاني هو إعادة تشكيل علاقته بالنظام الدولي في ظل صراع المصالح الإقليمية والدولية . فنجاح السودان في عبور هذه المرحلة يتحدد بقدرة السودانيين أنفسهم على تحويل لحظة الصراع إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمؤسسات والمواطنة . لأن الدول تُبنى بالبديل القادر على إدارة المستقبل .
مها الهادي طبيق 10 مارس 2026
[email protected]
|
|