تمثل الشفافية مرآة صلاح و فساد الحكومات على مدار التاريخ الإنساني ؛ و تعرف بأنها القدرة على تحمل النقد مهما كان ، طالما كان نقداً لوضع موجود بالفعل ، و ليس لوهم لم يجد طريقه للوجود بعد .. فالنقص ملازم للأعمال ، و الكمال نادر ، وهو يبلغ رويداً رويدا بالقدرة على التغلب على النقائص في طريق الحياة على مستوى الأفراد و المؤسسات ، و من هنا تأتي الشفافية كمنصة مهمة لتحقيق ذلك... في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، كان يعجبني في السابق شفافية الحكومة الإسرائيلية ، فهي كانت إذا أرادت أن تستهدف موقعاً مأهولا بالسكان ، كانت تخطر الجهات الفلسطينية بذلك ، و تعطيهم مدى زمني معين ، ثم تنفذ العملية بعد ذلك ، و في المقابل ، فإن حركة حماس الفلسطينية إذا أرادت إستهداف موقع اسرائيلي ، فهي لا تفعل ذلك ! بل تشرع فوراً غير مكترثة بزيد أو عبيد ! في مسعى يبين افتقادها لحس المسيؤلية الأخلاقية والإنسانية على حد سواء ، و في الصراع الذي يجري هذه الأيام ، إزددت احتراماً لحزب الله اللبناني ، لأنه أطلق تحذيرات للمواطنين الإسرائيليين القاطنين بالقرب من الحدود ، فيما يبين الأفق السياسي الواسع لهذا الحزب ، فالحرب ليس نصر و هزيمة فقط ، بل قيم و مثل ... في الحرب الحالية ، ألوم في المقام الأول السياسة الخارجية الإيرانية ، و التي جنحت في السابق و بخاصة في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى زرع فوبيا في عقل الساسة في إسرائيل بأن محو إسرائيل من الخارطة الدولية هو ضمن الأهداف الإستراتيجية و الوطنية لدولة إيران الإسلامية ، هذه الفوبيا هي التي أجبرت دولة إسرائيل على خوض هذه الحرب ، مجبراً أخاك لا بطل ، و لكن الواقع الحالي يبين للعقلاء من المتابعين لسيرورة السياسة الدولية بأن حسمها عسكرياً هو من الصعوبة بمكان ، و أن النتيجة الحتمية من إستمرارها هو في الحقيقة : محو الدولتين معا من الوجود . و السبب هو أن الوضع في إيران لا يشبه من قريب أو بعيد الوضع في ليبيا أو سوريا أو العراق عندما إستطاعت دولة إسرائيل قتل التقانة العسكرية المتطورة في هذه البلاد وقت ميلادها ، فدولة إيران الإسلامية بلغت في مجال التقانة العسكرية مبلغاً عظيماً ، نالت به الإحترام و التبجيل ، و دخل هذه التقانة في المجال العلمي جينات و أجيال المستقبل من شباب إيران ، فصارت عصية على الإجتثاث ، فحتى إذا إستطاع ترامب و من معه القضاء على الموجود و الإحتياطي من هذه التقانة ، فإن الإمكانيات العلمية الوطنية و الموارد المادية الضخمة التي بحوزة إيران قادران على تعويض كل ذلك بسهولة ويسر ، و أن تخطو للأمام أسرع مما كان عليه ، فالإستمرار في الحرب بعد هذه الحقائق ، هو ضرب من التهور من ترامب و نتنياهو ، وهو ضد الشفافية ، و ضد مصالح الدولتين إسرائيل و أمريكا و ضد الإنسانية جمعاء .. في الآونة الأخيرة ، شرع الرئيس سلفاكير ميار ، رئيس حكومة دولة جنوب السودان في شن حملات إعتقالات واسعة لمسؤولين سابقين في حكومته ، بتهم مختلفة ، و لكن أشهرها بالطبع هو تهمة الفساد المالي والإداري ، و هي و إن كانت صحوة متأخرة ، فهي يمكن أن تصب في مراجعة نهج الحكم في هذا البلد الذي خنقه الفساد المالي والاداري على سعة موارده و قدراته ، فالمواطن الجنوبي يشعر حالياً كأن نضال حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان لم يكن من أجله هو بالذات ، بل كان لحاجة أخرى في نفس أولئك المناضلين !؟و الواقع الحالي هو خير دليل على ذلك ، فالبعض من أولئك المناضلين في حساباتهم في الخارج ملايين الدولارات ، و يعيشون في ترف و بحبوحة غير آبهين بمصائر شعبهم ؛ و مؤسسة الدولة فشلت تماماً عن توفير أساسيات الدولة : التعليم ، الصحة ، البند الأول المرتبات و التسيير للعاملين فيها ، و لكن لكل تكتمل عملية الشفافية ، فيجب أن يتبع السيد الرئيس كل ذلك بتوضيح جوانب فشله هو نفسه في إدارة دفة الحكم ، و إرجاع الأمر لحزب الحركة الشعبية لتحرير السودان ليختار من يخلفه ، عندها فقط يمكن للمواطن الجنوبي أن يغفر للسيد الرئيس إخفاقاته على كثرتها و يتذكر شجاعته التي جعلته يلجأ للشفافية في آخر عهده .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة