في زمن الوجع السوداني، حيث تئن الخرطوم تحت وطأة حرب لا تشبه الحروب، تمتد أيادي الغير لترسم على جسد الوطن الواحد ملامح صراع لا يعرف للجيرة معنى، ولا للأخوة طعماً. ليس أخطر على الأمة من أن تجد جارها، الذي يشاركها النيل والحدود والتاريخ، يقف في صف من يحترقون وطناً، لا في صف من يحترقون من أجل الوطن. هكذا يتجلى السؤال الجوهري: كيف يمكن لجسدين جغرافيين تشابكا في النسيج نفسه على مدى آلاف السنين أن يتحولا إلى خصمين، ليس على حدود الأرض فحسب، بل على حدود الوجود ذاته؟
الصراع في السودان، ذلك البلد الذي يتسع لأحلام أبنائه ولا يتسع لدمائهم، لم يعد شأناً داخلياً خالصاً، بل تحول إلى مسرح مفتوح للتدخلات الإقليمية التي تزيد الجرح عمقاً، وتجعل من اتفاق الجوار هشاشة لا تصمد أمام رياح المصالح. وفي هذا السياق، تبرز إثيوبيا كطرف فاعل في معادلة الحرب السودانية، ليس فقط عبر المواقف الدبلوماسية، بل من خلال دعم لوجستي وعسكري مباشر لقوات الدعم السريع، ما يضع الأمن القومي للبلدين على كف عفريت. إنها لحظة وجودية بامتياز، حيث يختبر كل طرف معنى السيادة والجيرة والمسؤولية الأخلاقية.
ما كشفته تقارير وكالة "رويترز" في فبراير 2026 لم يكن مجرد خبر عابر في زحمة الأخبار، بل كان وثيقة اتهام بكل ما تحمله الكلمة من معنى. معسكر تدريب "حي مينجي" في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، على بعد 101 كيلومتر فقط من سد النهضة، لم يعد سراً. صور الأقمار الصناعية التي رصدت أكثر من 640 خيمة عسكرية، والبرقيات الدبلوماسية التي أكدت أن رئيس الاستخبارات الإثيوبية الجنرال "جيتاتشو جودينا" يشرف شخصياً على المشروع، كلها أدلة على أن أديس أبابا اختارت أن تكون طرفاً في الصراع، لا وسيطاً له. هنا تتجلى مأساة الجغرافيا: أن تتحول الأرض التي كانت يوماً جسراً للقاء والتجارة والهجرة، إلى منصة انطلاق للعدوان على الجار. أليست الحدود مجرد خطوط وهمية في وعينا الجمعي؟ أم أنها صارت جرحاً مفتوحاً يسيل في اتجاهين؟
هذا المعسكر، الذي استوعب في يناير 2026 نحو 4300 مقاتل من الدعم السريع، ويسعى لاستيعاب 10 آلاف آخرين، لم يأت من فراغ. سبقه تطوير مطار أصوصا ليشمل حظائر طائرات ومحطات تحكم أرضية لدعم الطائرات المسيرة، تلك الطائرات التي أكدت الحكومة السودانية في بيانها الصادر في 3 مارس 2026 أنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية لاستهداف مواقع داخل السودان، في "عدوان صريح وانتهاك سافر للسيادة". إنها فلسفة القوة التي تبحث عن شرعنتها خارج حدود الأخلاق، وكأن السيطرة على الأرض تبرر اغتيال روح الجيرة. لكن السؤال الأعمق: هل يمكن لأي قوة أن تصمد طويلاً إذا بنيت على أنقاض الثقة بين الشعوب؟
الأخطر من ذلك، أن هذا المعسكر لم يقتصر على تدريب عناصر الدعم السريع فحسب، بل ضم أيضاً مرتزقة من جنسيات مختلفة، ومقاتلين من الحركة الشعبية - شمال (جناح عبد العزيز الحلو)، التي أعلنت تحالفها مع الدعم السريع. هكذا تتحول الأرض الإثيوبية إلى بؤرة لتجميع كل الفصائل المعادية للدولة السودانية، وكأن أديس أبابا تريد تصدير عدم استقرارها إلى جارتها، أو تريد بناء جدار من الفوضى يحميها من شرور الداخل. في هذا المشهد المأساوي، يصبح مفهوم الدولة ذاته مهدداً بالانهيار، إذ تتحول الحدود إلى مرشحات تسمح بمرور الموت وتمنع مرور الحياة.
لا يمكن فهم هذا التدخل الإثيوبي بمعزل عن شبكة المصالح المعقدة التي تربط قادة الدعم السريع بعواصم إقليمية ودولية. فقبل اندلاع الحرب، كان قائد قوات الدعم السريع "محمد حمدان دقلو" (حميدتي) قد بنى إمبراطورية مالية تمتد من السودان إلى إثيوبيا وكينيا وجنوب أفريقيا. في إثيوبيا تحديداً، بدأت استثمارات عائلة دقلو تتوسع بشكل لافت، خاصة من خلال "محمد القوني" الذي أقام مشاريع في قطاعات متعددة. الأهم من ذلك، ما كشفته تقارير عن تدريب عدد من طياري الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، في إطار حرب الطائرات المسيرة التي أصبحت سمة أساسية لهذا الصراع. إنها مفارقة العولمة: كيف يمكن للذهب السوداني أن يتحول إلى وقود لحرب تدمر السودان نفسه؟ كيف للاقتصاد أن يصبح سلاحاً فتاكاً حين تختلط المصالح بالدماء؟
ولم تقتصر شبكة الدعم على إثيوبيا وحدها، بل امتدت لتشمل أطرافاً إقليميين آخرين، حيث كشفت برقيات دبلوماسية عن دور إماراتي في تمويل هذا المعسكر وتجهيزه عبر شركة "جوريكا جروب"، في دورة اقتصادية عجيبة: ذهب سوداني يسيطر عليه الدعم السريع يُباع في أسواق دبي، لتعود عائداته تمويلاً لمعسكرات تدريب على الأراضي الإثيوبية، تقاتل الجيش السوداني. هنا يبدو العالم وكأنه قرية صغيرة تدور فيها رحى الموت في صمت، بينما تضيء شاشات البورصات بأرباح الحروب. أليس هذا هو الوجه الأكثر قتامة للحداثة: أن تتحول حياة البشر إلى أرقام في دفاتر حسابات لا تبالي بالوجع؟
الغريب في الموقف الإثيوبي أنه يأتي من دولة تعاني من تصدع في نسيجها الاجتماعي والسياسي، خاصة في الشمال حيث النزاعات العرقية والإثنية لم تهدأ بعد. أديس أبابا، التي تواجه تحديات داخلية وجودية، تختار أن تلعب بورقة الفوضى خارج حدودها، وكأنها تبحث عن متنفس لضغوطها الداخلية في بث سمومها عبر الحدود. لقد اعتمدت إثيوبيا تاريخياً ما يمكن تسميته "استراتيجية المنطقة الرمادية"، حيث تعلن في المحافل الدولية تمسكها بالوساطة والحلول السلمية، بينما تمارس على الأرض سياسة مختلفة تماماً. سياسة تقوم على استخدام الجهات الفاعلة غير الحكومية كأدوات ضغط جيوسياسي، دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة. إنها حرب بالوكالة، ولكن وكيلها هنا ليس فرداً أو جماعة، بل دولة بكامل مؤسساتها.
لكن السؤال الفلسفي الأعمق: هل يمكن لدولة تعاني من التصدع الداخلي أن تبني أمنها على دعم الفوضى في جوارها؟ أليس الأمن الحقيقي أشبه بمرآة تعكس ما في الداخل؟ إن إثيوبيا التي تغذي الصراع في السودان تغذي في الحقيقة الصراع الكامن في أعماقها، لأن الفوضى لا تعرف حدوداً، تماماً كالنار التي تلتهم كل ما يقترب منها. قد تعتقد أديس أبابا أنها تبني جداراً يحميها، لكنها في الحقيقة تبني جداراً من اللهب سيعكس حرارتها إليها عاجلاً أم آجلاً.
في مقابل هذا التصعيد الإثيوبي، تقف الحكومة السودانية أمام اختبار صعب. فبينما تمتلك أدوات يمكن أن تؤثر بعمق في الأمن القومي الإثيوبي، خاصة بالنظر إلى الهشاشة الداخلية التي تعاني منها إثيوبيا، إلا أن الخيار السوداني ظل حتى الآن يراهن على الحوار والتفاهم، لا على التصعيد والمواجهة. لم تستخدم الخرطوم ورقة المعارضة الإثيوبية ضد نظام آبي أحمد، رغم أن هذه الورقة قد تكون مؤثرة لو أرادت الحكومة السودانية أن تلعب اللعبة ذاتها. هذا الخيار الأخلاقي يعكس رؤية استراتيجية عميقة مفادها أن الفوضى لا تطفئ فوضى، وأن دعم أطراف المعارضة في الدول المجاورة لن يجلب سلاماً، بل سيؤسس لبؤر صراع جديدة قد يصعب إغلاقها.
السودان الذي يعرف جيداً معنى التفكك الداخلي، ويدرك أن التماسك الوطني أثمن من أي مكسب آني، يوجه رسالة واضحة للقيادة الإثيوبية: القوة القهرية لن تصمد طويلاً، ولن تحقق أمناً حقيقياً لأي من الجانبين. ما يحتاجه البلدان هو إعادة النظر في مفهوم الأمن القومي ذاته، ليصبح أمن مشتركاً لا أمن على حساب الآخر. هنا نلمس حكمة عميقة: أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على تدمير الآخر، بل في القدرة على بناء علاقة لا تجعل من تدمير الآخر ضرورة لبقائك.
في النهاية، يظل السؤال المطروح: إلى متى ستظل إثيوبيا ساحة لانطلاق الفتن إلى السودان؟ وإلى متى ستظل الخرطوم تتعامل بحكمة لا يستفزها التجريح اليومي لسيادتها؟ الأمن القومي ليس لعبة محصلتها صفر، حيث ما يكسبه طرف يخسره الآخر. الأمن الحقيقي في عالم مترابط هو أمن مشترك، أو لا أمن لأحد. ما تحتاجه الحدود السودانية الإثيوبية ليس مزيداً من المعسكرات السرية والطائرات المسيرة، بل حواراً صادقاً يعترف بأن مصير البلدين مرتبط، وأن أي نار تشتعل هنا أو هناك ستمتد لتأكل الأخضر واليابس.
إثيوبيا التي تحتاج إلى الاستقرار في الداخل، وإلى تفاهمات عادلة حول الحدود وسد النهضة، يجب أن تدرك أن دعم المليشيات وتوفير الغطاء اللوجستي لقوات الدعم السريع هو بمثابة زرع ألغام في طريق المستقبل. مستقبل لا يمكن أن يكون آمناً لجيل قادم إن لم يتعلم قادة اليوم أن الجيرة الحقيقية تبدأ حيث تنتهي أوهام القوة، وتبدأ مسؤولية العيش المشترك. إنها دعوة للتفكر في معنى الوجود المشترك على أرض واحدة، حيث لا يمكن لجسد أن ينعم بالسلام إذا كان جاره ينزف. لأن الحدود في النهاية ليست سوى امتداد لوعينا الجمعي: إن كنا نرى فيها جروحاً تفصلنا عن الآخر، فستبقى جراحاً تنزف إلى الأبد. وإن استطعنا أن نراها جسوراً تصلنا به، فقد نصنع من الجغرافيا لوحة فسيفساء تضيء دروب الأجيال القادمة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة