بين الابتزاز الجيوسياسي والنزيف الداخلي _ حدود المقامرة الإيرانية كتبه محمد هاشم محمد الحسن

بين الابتزاز الجيوسياسي والنزيف الداخلي _ حدود المقامرة الإيرانية كتبه محمد هاشم محمد الحسن


03-04-2026, 03:04 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1772593475&rn=0


Post: #1
Title: بين الابتزاز الجيوسياسي والنزيف الداخلي _ حدود المقامرة الإيرانية كتبه محمد هاشم محمد الحسن
Author: محمد هاشم محمد الحسن
Date: 03-04-2026, 03:04 AM

03:04 AM March, 03 2026

سودانيز اون لاين
محمد هاشم محمد الحسن-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





في مشهد يعيد رسم خارطة المخاطر في الشرق الأوسط، تتصاعد وتيرة الضغوط الاقتصادية العالمية مدفوعة باستراتيجية إيرانية تعتمد تسييس الطاقة كأداة ضغط قصوى. ومع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة لتتجاوز حاجز ثلاثة دولارات للجالون، وقفز مؤشرات الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة ثلاثين بالمئة، يتقدم سؤال جوهري إلى الواجهةوهو، هل تنجح طهران في ليّ ذراع القوى الكبرى، أم أنها تفتح على نفسها مسار استنزاف طويل يتجاوز قدرتها على الاحتمال؟.

بقراءة متأنية لحركة الأسواق، يبدو أن تسعير مخاطر الحرب بات يتم بسرعة قياسية، حيث ترتفع علاوة المخاطر الجيوسياسية فور كل تصعيد ميداني. وهنا تحديدًا تراهن طهران على أن الصدمة التضخمية المحتملة لن تبقى شأناً إقليمياً، بل ستتحول إلى ضغط داخلي على الحكومات الغربية، يدفعها إلى البحث عن مخرج سياسي سريع يخفف كلفة المواجهة.

غير أن الهجمات الإيرانية الممنهجة على شبكات الطاقة وخطوط الملاحة الدولية في الخليج لا يمكن قراءتها كتحرك عسكري منفصل، بل كترجمة عملية لعقيدة تقوم على تدويل الأزمة. فرفع كلفة المعيشة على المواطن الغربي، وإثارة قلق المستثمر الدولي، ليسا هدفين جانبيين، بل جزء من استراتيجية تسعى إلى نقل ساحة المعركة من الميدان العسكري إلى فضاء الاقتصاد العالمي. ووفق هذا المنطق، يصبح الاستقرار الدولي نفسه ورقة تفاوض غير مباشرة.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الرهان الإيراني على سلاح الطاقة وحده، بل يمتد إلى بنية القرار العسكري ذاته. إذ تعتمد طهران نمط القيادة الموزعة وعقيدة الدفاع الفسيفسائي اللامركزية، مانحة الوحدات الميدانية والميليشيات الموالية تفويضاً واسعاً للتحرك ضمن أطر توجيهية عامة.

هذا الأسلوب يضمن استمرارية العمليات حتى في حال استهداف هرم القيادة، لكنه في الوقت ذاته يعكس إدراكاً مبكراً لاحتمال تعرض المركز لضربة قاصمة. وهنا تكمن المفارقة، إذ إن ما يبدو مرونة تكتيكية قد يُفهم أيضاً كمؤشر على هشاشة كامنة.

ومع اتساع هامش التحرك الميداني، تتزايد احتمالات الخطأ الحسابي. فغياب التنسيق الدقيق في بيئة إقليمية مشحونة قد يشعل مواجهة أوسع من نطاق السيطرة، ويدفع القوى الكبرى إلى تجاوز تبايناتها التقليدية لصياغة استجابة أكثر صرامة. وفي لحظة كهذه، قد تتحول سياسة الضغط إلى عامل توحيد لخصوم متفرقين بدلاً من أن تكون أداة لتفريقهم.

رغم ما تحمله هذه الاستراتيجية من جرأة ظاهرية، فإنها تعكس في عمقها حالة انسداد استراتيجي، فالنظام يبدو وكأنه يراهن على توسيع دائرة الاضطراب لخلق توازن ردع جديد. غير أن الضغط الاقتصادي سيف ذو حدين، إذ قد يحقق تأثيراً سياسياً مرحلياً، لكنه في المقابل يضع الاقتصاد الإيراني نفسه أمام اختبار قاسٍ في ظل موارد محدودة وبنية داخلية مثقلة بالعقوبات والاختلالات.

إن استهداف أمن الطاقة العالمي قد يدفع القوى المتنافسة تاريخياً إلى تنسيق جهودها لحماية سلاسل التوريد وتأمين الممرات الحيوية، ما يعني أن طهران قد تجد نفسها في مواجهة بيئة دولية أقل انقساماً وأكثر ميلاً للحسم. وعندها يصبح النزيف الداخلي أكثر خطورة من الضغوط الخارجية التي سعت إلى صناعتها.

لم تعد المواجهة الراهنة اختباراً للترسانات العسكرية فحسب، بل تحولت إلى معركة إدارة مخاطر على مستوى النظام الدولي. وبين الابتزاز الجيوسياسي ومحاولة فرض التفاوض تحت الضغط، تبدو المقامرة الإيرانية عالية السقف. غير أن تجارب السياسة الدولية تشير إلى أن الأطراف التي تراهن على الفوضى كسلاح أخير قد تكسب وقتاً، لكنها نادراً ما تضمن نتائج مستدامة.

في النهاية، تبقى حدود هذه المقامرة مرهونة بقدرة النظام على تحمل كلفتها قبل خصومه. فإذا كان الهدف هو إجبار الآخرين على التراجع عبر تعميم الألم، فإن السؤال الأعمق يظل قائماًوهو من سيتحمل الألم أولاً، ومن يملك نفساً أطول في مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم توازنات الإقليم بأكمله؟