منذ وصول نظام الملالي إلى الحكم في إيران عام 1979 بعد الإطاحة بالشاه، رفعوا شعارات كبرى عن العدالة والتحرير ومواجهة الاستكبار، لكن الوقائع التي تكشفت خلال العقود اللاحقة أثبتت أن المشروع الذي قُدّم بوصفه إسلامياً لم يكن سوى مشروع سياسي توسعي يقوم على توظيف الدين لبناء نفوذ إقليمي لا علاقة له بمصالح الشعوب ولا بقيم الإسلام. ففي عام 1980 ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بدأ النظام الإيراني أولى خطواته في تصدير أزماته إلى الخارج عبر التحريض على تعبئة الشيعة في العراق ومحاولة خلق ولاءات عابرة للحدود، وهو ما وثقته دراسات عديدة حول بدايات النفوذ الإيراني في العراق. والسبب الاساسي لإدنلاع حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق، ثم واصل النظام الايراني تمدده إلى لبنان حيث أسهم منذ 1982 في بناء حزب الله كقوة مسلحة موازية للدولة، ثم إلى سوريا عبر تحالفه مع نظام حافظ الأسد، ثم إلى اليمن عبر دعم الحوثيين، وأخيراً إلى السودان حيث سعى إلى إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر. هذه السياسة لم تكن مشروعاً لتحرير الشعوب بل مشروع نفوذ يقوم على دعم جماعات مسلحة وإضعاف الدول الوطنية وتفكيك مؤسساتها، وقد وثقت تقارير بحثية أن إيران منذ 1979 سعت إلى ترسيخ حضورها في العراق ولبنان وسوريا واليمن عبر شبكات عسكرية وأمنية مرتبطة بالحرس الثوري، وهو ما جعل المنطقة تعيش سلسلة من الصراعات الممتدة. وفي الداخل الإيراني كانت النتيجة كارثية، فوفق بيانات البنك المركزي الإيراني كان متوسط النمو الاقتصادي بين 1960 و1979 نحو 9.1% سنوياً، بينما انخفض بعد الثورة إلى 1.9% فقط بين 1979 و2020، أي تراجع بنحو 80% من القدرة التنموية، وتجاوز التضخم 30% لسنوات متتالية، وانهارت العملة بأكثر من 3000% منذ 1979، وارتفعت معدلات الفقر، وهاجر أكثر من أربعة ملايين من الكفاءات. هذه الأرقام تكشف أن الشعب الإيراني كان أول ضحايا المشروع الذي رفع شعار الإسلام بينما أنتج الفقر والقمع والعزلة. وفي السودان وصل الإسلاميون إلى الحكم عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989 أطاح بحكومة ديمقراطية منتخبة وأقام سلطة أيديولوجية مغلقة. خلال العقود الثلاثة التالية انهار الاقتصاد وتفككت المؤسسات وتحول السودان إلى دولة منهكة، فقد خسر ثلث أراضيه بانفصال الجنوب عام 2011، وتراجع الجنيه من 12 جنيهاً للدولار عام 1989 إلى أكثر من ألف جنيه قبل سقوط النظام، وارتفع التضخم إلى مستويات تجاوزت 400%، وتدهورت الخدمات الأساسية، وتفشت البطالة، وانهارت البنية الإنتاجية. وتشير التقديرات إلى مقتل مئات الآلاف في حروب دارفور وجنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق وتشريد الملايين وتدمير مؤسسات الدولة لصالح شبكات الولاء الحزبي. ومع اندلاع الحرب الحالية في أبريل 2023 انفجرت التراكمات التي خلفها حكم الإسلاميين، فقد قُتل أكثر من 250 ألف شخص وأصيب مئات الآلاف ونزح أكثر من 11 مليوناً في أكبر موجة نزوح في العالم اليوم، وانهار الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 37.5% في عام 2023 وحده، وارتفع التضخم إلى 245%، وتراجع الإيراد الضريبي إلى 2% فقط من الناتج المحلي، بينما يواجه 21 مليون سوداني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي ويحتاج 33.7 مليون إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وعندما نقارن التجربتين نجد أن النظامين اعتمدا على توظيف الدين لإنتاج شرعية سياسية لا لإنتاج دولة حديثة، ففي إيران تحول شعار تحرير القدس إلى أداة لتبرير النفوذ الإقليمي عبر دعم فصائل مسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا بينما لم تُطلق رصاصة واحدة لتحرير شبر من فلسطين، وفي السودان تحول المشروع الحضاري إلى غطاء لتمكين شبكات الولاء ونهب الموارد وإقصاء المجتمع وانتهى إلى حرب أهلية مدمرة. ورغم هذه الوقائع يظهر من يحاول تصوير نقد هذه الأنظمة كأنه استهداف للإسلام بينما الحقيقة أن الإسلام لا علاقة له بانهيار الاقتصاد الإيراني ولا بفساد نظام البشير ولا بالقمع ولا بالحروب ولا بتدمير مؤسسات الدولة، وما حدث في إيران والسودان هو فشل سياسي واقتصادي وأخلاقي لأن النظامين قاما على مشروع أيديولوجي مغلق لا على إرادة شعوبهما ولا على مبادئ الحكم الرشيد ولا على قيم الإسلام التي تقوم على العدل والحرية وكرامة الإنسان. وفي أعقاب الهجوم الإسرائيلي الأمريكي الأخير على مواقع داخل إيران اختار النظام الإيراني أن ,يوجه رده ليس نحو الجهات التي استهدفته فعلياً بل نحو دول الخليج عبر إطلاق موجات من الصواريخ والمسيّرات خلال اليومين الماضيين في تصعيد يعكس نمطاً ثابتاً منذ 1979 يقوم على الهروب من مواجهة الخصوم الحقيقيين وصناعة صراع مع الجوار العربي كلما اشتدت الضغوط الداخلية أو الخارجية على النظام. والمفارقة أن إيران التي تتعرض لضربات مباشرة من إسرائيل والولايات المتحدة لا ترد على مصدر الهجوم بل تختار دول الخليج التي لم تشارك في العملية ولم تنطلق منها أي طائرة أو صاروخ، وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا تهاجم إيران دول الخليج بينما الطائرات التي ضربتها لم تقلع من أراضي الخليج؟ ولماذا لا تهاجم تركيا مثلاً وهي عضو في حلف الناتو وتشارك في ترتيبات أمنية لا تتفق مع مصالح طهران؟ الإجابة تكشف طبيعة الحسابات السياسية للنظام فهو يختار ساحات الصراع التي يظن أنها أقل كلفة ويبتعد عن مواجهة القوى التي قد ترد بقوة، ما يفضح أن خطاب المقاومة الذي يرفعه ليس سوى أداة سياسية لا مبدأ ثابتاً. إن ما يقوم به النظام الإيراني اليوم من هجمات على دول الخليج لا يعكس قوة بل يعكس ارتباكاً سياسياً وعجزاً استراتيجياً ويكشف حجم الفشل في إدارة الداخل، فالنظام الذي يرفع شعار الدفاع عن الأمة يوجه سلاحه نحو جيرانه العرب بينما يتجنب مواجهة القوى التي تستهدفه فعلياً. وما يدفعه النظام الإيراني من أثمان اليوم اقتصادياً وسياسياً وأمنياً هو نتيجة مباشرة لسياساته التوسعية وأوهامه الأيديولوجية تماماً كما دفع السودان ثمناً باهظاً لثلاثة عقود من حكم الإسلاميين، وكلا النظامين قدّم وصفة واحدة: توظيف الدين وإضعاف الدولة وخلق صراعات داخلية وتصدير الأزمات إلى الخارج، والنتيجة في البلدين واضحة: خراب اقتصادي وإنهيار إجتماعي وعزلة دولية وتشويه لصورة الإسلام، والشعوب هي التي دفعت الثمن وهي وحدها القادرة على تجاوز هذا الإرث وبناء مستقبل يقوم على الدولة لا على الأيديولوجيا وعلى المواطنة لا على الولاء وعلى العقل لا على الشعارات. كلمة إخيرة موجهة للكيزان القتلة الأشرار من يرزع الريح يحصد العاصفة.
الطيب الزين/ كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة