Post: #1
Title: دبلوماسية الارتهان.. هل أصبحت القاهرة الرئة الوحيدة لتنفس حكومة كامل إدريس؟ كتبه عبدالغني بريش فيو
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 03-01-2026, 05:26 PM
05:26 PM March, 01 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
في دهاليز السياسة الدولية، تُبنى هيبة الدول على قدرة قياداتها على المناورة وتوزيع مراكز الثقل بين عواصم القرار العالمي، إلا أن المشهد السوداني الراهن، وتحديداً، تحركات رئيس مجلس الوزراء الانتقالي كامل إدريس، بات يثير من علامات الاستفهام ما يتجاوز بروتوكولات التعاون الثنائي ليصل إلى جوهر السيادة والكرامة الوطنية، إذ بينما تشتعل الأزمات في الداخل السوداني، نجد أن بوصلة رئاسة الوزراء قد تعطلت عند إحداثيات القاهرة، في زيارات تكررت بوتيرة أفقدت المراقبين القدرة على حصرها، مما يطرح سؤالا وجوديا ومؤلما، وهو، هل أصبحت القاهرة، هي النافذة الوحيدة المتبقية لحكومة إدريس بعد أن أُصدت في وجهها أبواب العواصم المؤثرة شرقً وغربا؟ إن المشهد الذي نكاد نراه كل بضعة أيام كما تصفه الوقائع بوصول كامل إدريس إلى العاصمة المصرية، يعكس حالة من الارتهان المكاني غير المسبوق في تاريخ السياسة السودانية الحديثة. الدبلوماسية الرصينة تقتضي تنويع الحلفاء وتعدد المسارات، ولكن حين تقتصر رحلات رأس الجهاز التنفيذي على مسار واحد لا يتغير، الخرطوم – القاهرة، فإن ذلك لا يمكن تفسيره إلا بكونه انعكاسا لعزلة دولية خانقة، أو ارتماءا كاملا في أحضان الأجندة المصرية على حساب التوازن الإقليمي واستقلال القرار الوطني. لقد قيل قديما، من يهن، يسهل الهوان عليه، ويبدو أن هذا القول بات ينطبق بأسى على سلوك الحكومة الانتقالية الحالية، فرئيس الوزراء الذي لا يجد ترحيبا أو صدى إلا في محطة واحدة، يضع دولته في موقف المستجدي للشرعية، ويحول الزيارات الرسمية من أدوات لانتزاع المكاسب القومية إلى مجرد رحلات روتينية لتلقي الدعم السياسي مقابل تنازلات ضمنية. إن تكرار الزيارات بهذه الوتيرة لا يعبر عن قوة العلاقات بقدر ما يعبر عن ضيق الخيارات وفشل الجهاز الدبلوماسي في فتح آفاق جديدة مع مراكز القوى الدولية في واشنطن أو بروكسل أو حتى العواصم الأفريقية والعربية الفاعلة. في البيان الرسمي الصادر عقب لقاء كامل إدريس بنظيره المصري مصطفى مدبولي في 26 فبراير 2026، وردت عبارات التقدير للرعاية التي تقدمها مصر للجالية السودانية، وهنا تبرز الفجوة الأخلاقية والسياسية الصارخة التي لا يمكن تجاوزها أو القبول بها، إذ كيف يمكن لرئيس وزراء أن يقدم آيات الشكر لدولة على رعايتها لمواطنيه، في وقت تضج فيه التقارير الحقوقية وصرخات الاستغاثة من السودانيين المقيمين في الأراضي المصرية؟ إن الواقع الميداني يتحدث عن لغة مغايرة تماما للغة البيانات المنمقة، حيث يواجه السودانيون، بمن فيهم حملة بطاقات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وأصحاب الإقامات القانونية، حملات تضييق ممنهجة وسوء معاملة لا تفرق بين طالب علم أو فارّ من لهيب الحرب. إن هذه المفارقة تضع الحكومة السودانية في موقف المتواطئ بالصمت، فالمواطن السوداني يرى رئيس وزرائه يبتسم في القصر الرئاسي بالقاهرة، بينما هو يعاني من تعقيدات الإجراءات الأمنية، وارتفاع رسوم الإقامات بشكل تعجيزي، والنظرة الدونية التي باتت تروج لها بعض الأوساط الإعلامية والاجتماعية هناك. إن شكر الدولة المصرية في ظل هذا الواقع يمثل إهانة مضاعفة لكرامة المواطن الذي يشعر بأن حكومته قد تخلت عنه مقابل حماية كراسي السلطة. تضمن الاجتماع الأخير، نقاشات حول مساهمة الجانب المصري في إعادة إعمار السودان، ونقل تجربة المدينة الإدارية الجديدة للسودان، وهنا يجب التوقف مليا عند دلالات هذا الطرح، فالسودان في وضعه الراهن يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني نابع من توافق داخلي، وليس إلى استنساخ نماذج عمرانية خرسانية أثارت جدلا واسعا في مصر نفسها حول جدواها الاقتصادية وتكلفتها الباهظة. إن الحديث عن فريق عمل مشترك للإعمار وملتقى للأعمال، يثير التوجس من تحويل السودان إلى سوق خلفية للشركات المصرية التي تبحث عن مخرج لأزماتها، بدلا من بناء شراكة حقيقية تخدم مصلحة الشعب السوداني. إن بناء عاصمة إدارية جديدة على غرار النموذج المصري في ظل أزمة سيادة وطنية واقتصاد منهار، يبدو وكأنه محاولة للهروب من الواقع السوداني المأزوم نحو فقاعات عمرانية لا تخدم سوى طبقة معينة، وتزيد من ارتهان القرار الاقتصادي السوداني للجارة الشمالية. الأمن المائي: الدفاع عن الحقوق أم الالتزام بالإملاءات؟ في ملف مياه النيل، جاء تأكيد كامل إدريس على الالتزام باتفاقية 1959 والقانون الدولي، ليعيد إلى الأذهان التساؤلات حول مدى استقلالية الموقف السوداني، فبينما تعيش المنطقة تحولات جيوسياسية كبرى في ملف المياه، يظهر السودان في هذه اللقاءات وكأنه تابع للموقف المصري بامتياز، دون مراعاة للمصالح السودانية الصرفة التي قد تقتضي أحياناً مقاربات مختلفة. إن الرفض المعلن للإجراءات الأحادية، هو خطاب موجه بالأساس ضد دول المنبع، ولكن حين يصدر من القاهرة بهذا الشكل المتكرر، فإنه يوحي بأن السودان قد تنازل عن دوره كوسيط أو كلاعب مستقل يوازن بين مصالحه مع دول الحوض ومصالحه مع مصر. إن الأمن المائي السوداني، هو قضية حياة أو موت، ولا ينبغي أن يكون ورقة مقايضة في صفقات الدعم السياسي للحكومة الانتقالية. عزيزي القارئ.. إن رئيس الوزراء الذي يحترم سيادة قرار دولته، لا يزور دولة واحدة بهذا العدد المفرط من الزيارات وفي فترات زمنية متقاربة جداً، إذ ان هذا السلوك يبعث برسائل سلبية للداخل والخارج على حد سواء: 1/ للشعب السوداني: بأن حكومتهم تفتقر للمبادرة الوطنية وتعتمد كليا على الرئة المصرية للتنفس سياسيا. 2/ للمجتمع الدولي: بأن كامل إدريس، هو رجل القاهرة في السودان، مما يضعف من وزنه الدبلوماسي في العواصم الأخرى التي تفضل التعامل مع الأصيل لا مع التابع. إن هيبة المنصب تقتضي أن تكون الزيارات الخارجية حدثا سياسيا ذا قيمة مضافة، وليس مجرد روتين يعبر عن حالة من التوهان السياسي، حيث ان الحكومة التي تفشل في تأمين دعوة رسمية واحدة لزيارة عواصم صنع القرار العالمي، وتكتفي بالذهاب والإياب بين الخرطوم والقاهرة، هي حكومة تكرس عزلتها بنفسها. هل أغلقت العواصم أبوابها فعلاً؟ السؤال الذي يطرحه الشارع السوداني اليوم بمرارة، هو، لماذا لا نرى كامل إدريس في واشنطن لمناقشة رفع العقوبات أو دعم التحول الديمقراطي؟ لماذا لا يزور بروكسل لتفعيل الشراكات الأوروبية، ولماذا غابت العواصم الخليجية الأفريقية، المؤثرة عن جدول رحلاته؟ الإجابة المزعجة، هي أن هذه الدول ربما لم تعد ترى في السلطة الانتقالية الحالية شريكا موثوقا أو قادرا على تمثيل تطلعات الشعب السوداني، مما أدى إلى انحسار الخيارات الدبلوماسية في البوابة المصرية فقط، ومصر بدورها، تستغل هذه العزلة لتعزيز نفوذها وتمرير أجندتها، مستفيدة من حاجة حكومة إدريس الماسة لأي غطاء إقليمي يقيها شر الانهيار أو السقوط من حسابات المجتمع الدولي. ******** إن أخطر ما في هذا المشهد، ليس في كثافة الزيارات ولا في بروتوكولات الصور التذكارية، بل في الرسائل الضمنية التي تتسلل إلى الوعي الجمعي للسودانيين جيلاً بعد جيل، فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد أو بما تحظى به من دعم إقليمي، بل بما ترسخه في وجدان شعوبها من شعور بالعزة والندية والقدرة على الفعل المستقل، وحين يتكرّس الانطباع بأن القرار الوطني يُصاغ خارج حدوده، أو يُعاد ترتيبه وفق إيقاع عاصمة واحدة، فإن الضرر يتجاوز السياسة إلى بنية الدولة النفسية ومعناها الرمزي. إن العلاقة بين الخرطوم والقاهرة علاقة تاريخ وجغرافيا ومصالح متشابكة، ولا عاقل يدعو إلى القطيعة أو إلى إدارة الظهر لمصر أو لغيرها من العواصم المؤثرة، لكن الفارق شاسع بين الشراكة والارتهان، بين التنسيق والتبعية، بين الاحترام المتبادل والاعتماد الأحادي الذي يفقد الدولة قدرتها على المناورة، فالشراكات القوية تُبنى على توازن المصالح، لا على اختلالها، وعلى وضوح الأولويات الوطنية، لا على البحث عن مظلة سياسية مؤقتة. السودان اليوم لا يحتاج إلى دبلوماسية انفعال أو رد فعل، بل إلى دبلوماسية مبادرة تعيد تعريف موقعه في الإقليم والعالم، يحتاج إلى خطاب خارجي يعكس إرادة داخلية متماسكة، وإلى رؤية استراتيجية تنطلق من سؤال جوهري، وهو، ماذا يريد السودان لنفسه خلال العقد القادم؟ هل يريد أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أم جسراً للتكامل والتعاون المتوازن، هل يسعى إلى استعادة دوره كفاعل في محيطه الأفريقي والعربي، أم يكتفي بدور المتلقي للسياسات والقرارات؟ إن استعادة التوازن لا تعني بالضرورة القفز إلى عواصم بعيدة بحثا عن صور جديدة، بل تعني أولا إعادة ترتيب البيت الداخلي، وترميم الشرعية السياسية عبر توافق وطني حقيقي يمنح أي تحرك خارجي سندا شعبيا صلبا، فالعالم لا يحترم إلا الدول التي تحترم نفسها أولاً، ولا يمنح ثقته إلا لمن يملك تفويضا واضحا من شعبه، ومن دون هذا الأساس، ستظل أي جولات خارجية، مهما تنوعت وجهاتها، مجرد محاولات لتجميل واقع مأزوم. وفي ملف مياه النيل، كما في ملف إعادة الإعمار، كما في قضية السودانيين في الخارج، المطلوب ليس خطابات تطمينية ولا عبارات مجاملة، بل مواقف مدروسة تنطلق من تعريف دقيق للمصلحة الوطنية السودانية، فالأمن المائي لا يُدار بالعاطفة، ولا يُختزل في الاصطفاف خلف طرف ضد آخر، بل يُبنى على قراءة علمية وقانونية تضع السودان في موقع الندّ لا الظل، وإعادة الإعمار ليست مناسبة لتصدير نماذج جاهزة، بل فرصة لبناء نموذج سوداني يستجيب لخصوصية المجتمع والاقتصاد والموارد. لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تربط مصيرها بخيار واحد، سرعان ما تجد نفسها أسيرة لتقلباته، أما الدول التي تنوّع تحالفاتها وتبقي أبوابها مفتوحة على احتمالات متعددة، فإنها تحمي نفسها من الابتزاز السياسي ومن ضيق الأفق الاستراتيجي، والسودان، بثقله الجغرافي وموقعه الحيوي وموارده الطبيعية، ليس دولة هامشية حتى تقبل بدور الهامش، ولا بلدا عاجزا حتى يرضى لنفسه بالارتهان. إن الرسالة التي ينبغي أن تلتقطها الحكومة الانتقالية، هي أن الكرامة الوطنية ليست ترفا خطابيا، بل شرطاً لبقاء الدولة نفسها، وأن المواطن السوداني، الذي صبر على أزمات متلاحقة وحروب وانهيارات، لم يفعل ذلك ليجد نفسه في نهاية المطاف شاهدا على تقلص هامش القرار الوطني، فالشعوب قد تتحمل الضيق الاقتصادي، لكنها لا تتسامح طويلاً مع شعور الإهانة أو التبعية. ويبقى السؤال معلقاً أمام رئيس الوزراء وحكومته، وهو، هل ستكون هذه المرحلة جسراً لاستعادة التوازن والندية، أم محطة أخرى في مسار التآكل البطيء للسيادة؟ الإجابة حتما، لا تُكتب في البيانات المشتركة، ولا تُقاس بعدد الزيارات، بل تتجلى في قدرة الخرطوم على أن تقول نعم حين تقتضي مصلحتها ذلك، وأن تقول لا حين يكون الصمت أو المجاملة ثمنهما باهظا. السودان أكبر من أن يُختزل في خط طيران واحد، وأوسع من أن يُحاصر بين بوابتين، وإذا كان بناء الدولة يبدأ من الداخل، فإن حماية سيادتها تبدأ من قرار شجاع يعيد الاعتبار لمفهوم الاستقلال في معناه العملي، لا الشعاري، وعندها فقط، لن تكون القاهرة أو غيرها رئة يتنفس بها السودان، بل شريكاً يتنفس معه، في فضاء إقليمي رحب، تحكمه المصالح المتوازنة والاحترام المتبادل. أما غير ذلك، فلن يكون سوى دوران في الحلقة ذاتها، حتى يكتب التاريخ فصلا جديدا عنوانه، كيف أضاعت النخب فرصة استعادة وطن كان يستحق أن يكون سيد قراره، لا تابعا في ظل الآخرين.
|
|