قيل قديماً إن الصورة أبلغ من ألف كلمة، لكن الحقيقة الأعمق أن الصورة أحياناً تكون أبلغ من مجلدات كاملة. في زمن الحرب السودانية الراهنة، تختزل صورتان متقابلتان مأساة وطن بأكمله، وتكشفان عن خلل تاريخي في مفهوم التضحية والاستحقاق: الأولى من القاهرة، حيث أقامت السفارة السودانية إفطاراً على شرف رئيس الوزراء بحضور الوزراء ورجال الأعمال وأفراد الجالية. والثانية من بورتسودان، حيث أقام حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان "فل مارشال" إفطاراً كان نجومه الحقيقيون جرحى العمليات العسكرية الذين ضحوا بأجسادهم في معركة الدفاع عن الوطن.
في القاهرة، اجتمعت وجوه معتادة في مشهد أنيق، لكنه بدا وكأنه لوحة أحادية اللون لا تعكس الثراء الجهوي والعرقي للسودان. كان المشهد صورة مصغرة لخلل أصاب بنية الدولة منذ الاستقلال، ففي الوقت الذي يحتاج فيه الوطن إلى جهد كل أبنائه للدفاع عنه، يقف هؤلاء على مسافة آمنة من الحرب، يتابعونها من شاشات الفضائيات. يذكرنا هذا بمقولة جان جاك روسو: "الذين يريدون الاستمتاع بثمار الوطن دون أن يشاركوا في أعبائه، هم سبب انهيار الدول".
في الطرف الآخر، وقف جرحى العمليات العسكرية، "أبناء الغلابة" الذين شكلوا عبر التاريخ الخط الأمامي في كل معركة. رجال فقدوا أطرافهم، يحملون ندوب المعارك على أجسادهم. ما يثير الأسى ليس فقط معاناتهم من نقص الرعاية، بل أنهم حين يطالبون بحقوقهم يُقابلون بالاتهامات: "لا تستحقون". وكأن التضحية بالجسد لم تعد ورقة استحقاق في دولة يتقاسم النخبة فيها السلطة والمكاسب. يقول نيتشه: "الذين يضحون بأنفسهم من أجل قضية، لا يطلبون المجد، لكنهم يستحقون أن يُذكر أنهم ضحوا".
هذه الثنائية ليست وليدة اللحظة الراهنة، بل نتاج تراكم تاريخي من الاختلالات في بنية الدولة السودانية. منذ مؤتمر جوبا 1948 ومؤتمر 1965، كان الهدف المعلن إصلاح الخدمة المدنية لتعكس التنوع الجهوي، لكن الواقع كان أكثر قسوة من النصوص. ظلت المؤسسات حكراً على نخبة معينة، والغبن التاريخي يتوارث جيلاً بعد جيل. وكما يشير الكاتب عبده الحاج، فإن "الخلط بين المؤسسة ككيان خدمي وبين السلطة ككيان حاكم مفوض من الشعب، هو ما قاد السودان إلى أزمات متكررة".
ربما تكون قصة جرحى العمليات الذين يتلقون العلاج في القاهرة أكثر المشاهد إيلاماً. ففي مشهد مؤخر، اضطر بعضهم لاقتحام مبنى السفارة بالدقي احتجاجاً على توقف مخصصاتهم. في الوقت الذي يقيم فيه المسؤولون موائد الإفطار الفاخرة في نفس المدينة، يقف الجرحى على الأبواب المغلقة. هنا يبرز السؤال الأخلاقي: كيف نتعامل مع من ضحوا بأجسادهم؟ يقول غاندي: "يُقيَّم المجتمع بمقدار ما يفعله لأفراده الأقل حظاً". وبهذا المعيار، رسبت الدولة السودانية في هذا الامتحان.
السؤال الأعمق: من يملك حق تحديد "من يستحق"؟ هل هم المسؤولون الذين يقسمون المناصب؟ أم النخب التي تتحكم في مفاصل الدولة؟ يقول هابرماس: "العدالة لا تتحقق إلا عندما يكون الذين سيخضعون للقاعدة هم أنفسهم من يشاركون في صياغتها". وهذا ما ينقص التجربة السودانية، فأولئك الذين يضحون في الجبهات هم أبعد الناس عن صناعة القرار.
ما تحتاجه السودان اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للمناصب، بل إعادة تعريف جذرية لمفهوم الاستحقاق. صحيح أن الدولة اليوم تضم معظم المكونات في قمة الهرم، لكن هذه الاستحقاقات لن تحقق التوازن ما لم تصبح المؤسسات مرآة حقيقية تعكس التنوع الجهوي والعرقي. والأهم أن تترجم التضحيات إلى استحقاقات حقيقية. أبناء الغلابة الذين يشكلون الخط الأمامي في الدفاع عن الوطن لا يمكن أن يبقوا خارج دائرة الاستحقاق.
يقول المثل السوداني: "الضَايِقْ لدْغَة الدَبِيب يخاف من مجر الحبل". هذا حال جرحانا اليوم، الذين ذاقوا مرارة الحرب وأصبحوا يخافون من أقل إشارة تدل على عودتهم إلى مربع الإهمال. مفتاح الخروج من هذه الحلقة هو إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان بغض النظر عن موقعه الاجتماعي. فكرامة الجندي الجريح لا تقل عن كرامة المسؤول في حفل إفطار.
نحن في معركة وجود، والمعارك لا تنتصر بمن يتقاسمون الغنائم، بل بمن يضحون بالأرواح. إذا أردنا بناء دولة مستقرة، علينا أن نبدأ من تصحيح المفاهيم: مفهوم التضحية، ومفهوم الاستحقاق، ومفهوم العدالة. نخاطب ضمير الأمة: حان الوقت لتكون الكلمة لمن ضحوا، لا لمن اقتسموا. حان الوقت لتصحيح مسار الاستحقاق، وإعادة الاعتبار لمن هم خط الدفاع الأول عن هذا الوطن.
"أيها الوطن الذي يسعنا جميعاً.. اتسع لمن ضحوا كما اتسعت لمن حكموا".
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة