في صدفة كريهة وجدت نفسي مع بعض الأشخاص أزور جمال الوالي عندما توفيت والدته. ويجب أن اؤكد بكل نرجسية أن انحرافي عن مشواري الأساسي كان لسبب خارج إرادتي وكانت زيارتي لجمال الوالي محض صدفة لكنخا صدفة كشفت لي عن عالم مختلف كان يختبئ في أكاذيب الأسطورة السودانية. هكذا دلفنا إلى منزل جمال الوالي، وكانت جماهير (رجال الأعمال) تحتشد في صالة الاستقبال بقصره المنيف. وبعد ساعات من الانتظار الممل، حيث لم يقدم فيه للمعزين كوب ماء واحد، أقول بعد ساعات، هبط إلينا جمال الوالي من عليائه، هبط من السلم بخطوات بطيئة ونظرات ناعسة وكان شعره مغسولاً ولامعا وخصلاته ملفوفة فوق بعضها، فصمتت جموع (رجال الاعمال)، ورفع جمال الوالي يده ربع رفعة، ومد أربعة أصابع فقط كان يلمس بها أيدي المعزين دون أن يتخلى عن نظرته الناعسة، ليس هذا فحسب، بل دون حتى أن ينطق بكلمة واحدة أثناء تملق (رجال الأعمال) له، فبعض الذين لا معرفة لهم بكرة القدم بدأوا يشيدون بانتصارات المريخ بعد أن تسنم جمال الوالي لإدارته (رغم أن المريخ لم يفز بأي بطولة في ذلك الوقت) وبعضهم أقسم بأنه يصلح أن يكون رئيساً للوزراء. وكاد بعضهم أن يلقي على مسامعه قصيدة مدح كما كان يفعل شعراء الدولة العباسية مع أمراء المؤمنين. ومع ذلك فالرجل ظل مطبقاً لسانه في فمه حتى غادرنا القصر. كان ذلك أمراً محيراً بالنسبة لي، فرجال الأعمال هؤلاء هم مليونيرات (بالدولار) فلماذا يتملقون الرجل كل هذا التملق السخيف؟ في واقعة أخرى، التقيت ومعي رجل أعمال (مليونير أيضاً) بمليونير آخر، ولاحظت التملق الشديد الذي يقوم به الأول، وحين سألت بعض المطلعين على خبايا الأمور، اكتشفت أن المليونير الأول كان يحتاج لإثنين مليون دولار فقام الثاني بمنحها له دون أن يطالبه بها مرة أخرى فاكتشفت أن هناك تراتبية مالية بين هؤلاء المليونيرات تجعل كل أدنى خاضعاً للأعلى خضوعاً كلبياً. ولاحظت في وقائع كثيرة، أن هذه الكلبية ليست مقتصرة على الأغنياء، فهناك أيضاً عبيد المنازل، وعبيد المنازل هؤلاء سيكولوجيتهم غريبة ومضحكة جداً. ففي اوروبا وأمريكان -أيام العبودية المباشرة- كان عبيد المنازل يمارسون اضطهاداً شديداً لعبيد الحقول، ذلك لأنهم كانوا لصيقين بأسيادهم، ولذلك فقد تقمصوا دور السيد بكافة معاييره التقيمية للسلوك والاتيكيت. لكن، بالرغم من ذلك، كانت العقوبات التي يتعرضون لها أشد قسوة من تلك العقوبات التي يتعرض لها عبيد الحقول. لذلك فإن الحالة الكلبية، ليست مقصورة على فئة دون أخرى، بل هي ظاهرة شديدة الانتشار. وعلى عكس الكلبيةالفلسفية والتي تدعو الى احتقار الدعة وتدعو إلى عدم الاهتمام بالحياة، فإن هناك الكلبية النفسية وهي مرض يصيب الانسان يجعله يعتبر نفسه كلباً لسيده. وخاضعاً له خضوعاً مطلقاً. وهذه الحالة الكلبية سنجدها كثيراً عند البشر ولكن بدرجات مختلفة، وقد ترتبت على وجودها آثار قانونية واقتصادية كبيرة. وفي السابق؛ اي حوالى ٢٥٠٠ قبل الميلاد نشأت قواعد اللي (Li) في الصين، والتي كان مضمونها هو خضوع الأدنى للأعلى، وقام كونفيشوس بتقنينها لتشمل الخضوع العام. لذلك تم رفع سمعة كونفيشوس إلى السماء وأصبح شخصية مقدسة في الثقافة الصينية بفصل تملقه. (يتبع بحسب المزاج)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة