دكتور عبد الله الطيب وسؤال الوطن: حدود المخيال السياسي في لحظة التأسيس ٢-٢ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 03-04-2026, 08:20 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-28-2026, 10:55 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 231

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
دكتور عبد الله الطيب وسؤال الوطن: حدود المخيال السياسي في لحظة التأسيس ٢-٢ كتبه خالد كودي

    10:55 AM February, 28 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    دكتور عبد الله الطيب وسؤال الوطن: حدود المخيال السياسي في لحظة التأسيس ٢-٢
    الجزء الثاني:
    28/2/2026 خالد كودي، بوسطن
    سابعا: المقارنة بجيل د. عبد الله الطيب من الثوريين الأفارقة والعالميين
    بينما كان د.عبد الله الطيب يطرح ثنائية "الاندماج أو الانفصال" بوصفها أفقًا للحل، كان في الفضاء الإفريقي والعالمي مفكرون وثوريون من تفس جيله يعالجون سؤال الدولة والهوية من منظور مختلف جذريًا: منظور يرى أن الوحدة لا تُبنى على الامتثال، بل على الاعتراف المتبادل وإعادة توزيع السلطة الرمزية والمادية.
    في إفريقيا، دعا كوامي نكروما إلى وحدة إفريقية لا تقوم على استنساخ الدولة الاستعمارية المركزية، بل على تفكيك بنيتها وتحرير الإرادة السياسية من الهيمنة. ورأى أميلكار كابرال أن التحرر الحقيقي يبدأ بتحرير الثقافة، وأن الاعتراف بالخصوصيات المحلية شرط لبناء كيان وطني متماسك. أما ليوبولد سنغور فدافع عن مفهوم "الزنوجة" لا بوصفه انغلاقًا هوياتيًا، بل تأكيدًا لكرامة ثقافية في مواجهة ذوبان قسري داخل معيار خارجي.
    هذه الرؤى الإفريقية لم تفهم الوحدة باعتبارها ذوبانًا في مركز مهيمن، بل باعتبارها تركيبًا خلاقًا للتعدد.
    وفي الفضاء الأمريكي الإفريقي، قدّم (دبليو إي بي دو بويس) تحليلًا مبكرًا لمشكلة "الخط اللوني" بوصفها بنية سلطة تحدد من يُعتبر مواطنًا كاملًا ومن يُدفع إلى الهامش. كما ذهب مالكوم إكس إلى أن الاندماج في بنية غير عادلة لا يحقق الحرية، بل يعيد إنتاج الخضوع بأشكال جديدة. وكتب جيمس بالدوين بعمق أخلاقي أن الأمة التي ترفض مواجهة تاريخها الإقصائي تعيد إنتاجه في كل جيل...
    في آسيا، طرح رابندرانات طاغور نقدًا مبكرًا للقومية الضيقة التي تفرض هوية واحدة على تنوع حضاري واسع، مؤكدًا أن الكرامة الوطنية لا تتحقق عبر القسر الثقافي. أما بي آر أمبيدكار فشدّد على أن الديمقراطية الحقيقية تقوم على الاعتراف المتساوي بالجماعات المهمشة، لا على دعوتها إلى الذوبان في ثقافة الأغلبية...
    وفي أمريكا اللاتينية، دعا باولو فريري إلى تحرير الوعي من "التعليم المصرفي" الذي يفرض معرفة من أعلى، معتبرًا أن التحرر عملية حوارية تشاركية. كما حذّر إدواردو غاليانو من استمرار البنى الاستعمارية داخل الدول المستقلة، حيث تبقى الهامشيات قائمة وإن تغيرت الأعلام...
    في ضوء هذه المقارنات، يتضح الفرق المفاهيمي الجوهري:
هؤلاء المفكرون رأوا أن الدولة ما بعد الاستعمار لا يمكن أن تقوم إلا بإعادة توزيع الاعتراف والسلطة، وببناء وحدة تقوم على التعدد والتفاوض المستمر.
    أما خطاب د. عبد الله الطيب، والكثير من أبناء جيله من نخب السودان، فيقترح وحدة مشروطة بالتطابق؛ أي وحدة لا تُعيد تعريف المركز، بل تطلب من الآخر أن يعيد تعريف نفسه وفقًا له. وبين هذين المنهجين يكمن الفارق بين مشروع تحرري يسعى إلى عقد اجتماعي جديد، ومشروع يحافظ — ولو من داخل خطاب وطني — على منطق المركز الذي ورثه من الدولة الاستعمارية..

    ثامنًا: العنصرية البنيوية وإرث النخبة السودانية المتعلمة
    لا يتضمن خطاب د. عبد الله الطيب ألفاظًا جارحة أو شتائم إثنية مباشرة. غير أن العنصرية في صورتها الحديثة نادرًا ما تأتي فجة أو معلنة؛ فهي غالبًا ما تعمل عبر بنى تصنيفية وافتراضات غير مفحوصة تُنتج التراتبية دون التصريح بها
    العنصرية البنيوية لا تقوم على الإهانة اللفظية، بل على أنماط تفكير من قبيل:
    ١/ تصوير جماعة كاملة باعتبارها كتلة ذات دوافع طامعة" أو "جشعة"
    ٢/ التلميح إلى ميلٍ طبيعي لديها للتمرد أو الاضطراب
    ٣/ اختزال مطالبها السياسية في ابتزاز مالي أو مناورة تكتيكية
    حين تتكرر هذه الافتراضات في خطاب النخبة، تتكوّن صورة ذهنية للآخر بوصفه "مشكلة" في ذاته، أو شريكًا غير موثوق في العقد الوطني. وهكذا تنشأ ثنائية خفية: مركز عقلاني مسؤول، وهامش عاطفي أو مصلحي. هذه ليست كراهية صريحة، لكنها إعادة إنتاج لهرمية ضمنية.
    المفكر الأمريكي مايكل إريك دايسون تناول هذا النمط من الإنكار في السياق الأمريكي، موضحًا أن أخطر أشكال العنصرية ليست تلك التي تعلن عداءها، بل تلك التي تنكر وجودها وتدّعي الحياد بينما تستفيد من بنية امتياز قائمة. فالمشكلة ليست في إعلان "أنا لست عنصريًا"، بل في رفض مساءلة النظام الذي يُعيد إنتاج الفوارق. هذا التحليل يضيء الحالة السودانية بوضوح: فحين يُنكر الخطاب النخبوي وجود تمييز بنيوي، لكنه يرفض في الوقت ذاته إعادة توزيع السلطة أو الاعتراف بالتاريخ غير المتكافئ، فإنه يحافظ على الامتياز دون تسميته.
    الأخطر أن هذا النمط من التفكير لم يكن حالة فردية أو استثناءً عابرًا، بل مثّل — بدرجات مختلفة — الأفق الذهني لجيل كامل من المتعلمين السودانيين في منتصف القرن العشرين. هؤلاء تلقّوا تعليمًا عاليًا في مجالات اللغة والأدب والقانون، لكنهم تشكّلوا داخل دولة مركزية ورثت بنية الاستعمار وتراتبيته الرمزية.
    كثير منهم لم يعتبر نفسه عنصريًا، لأن العنصرية في وعيهم كانت تعني الكراهية الصريحة أو الإهانة المباشرة. أما الشكل الذي مارسه المخيال السياسي فكان مختلفًا: لم يقم على العداء، بل على "المعيارية"؛ أي افتراض أن هوية المركز — ثقافيًا ولغويًا ودينيًا — هي المعيار الطبيعي للوطن، وأن بقية المكونات تُقاس عليها أو تُطلب منها مواءمتها.
    بهذا المعنى، لم تكن المسألة شعورًا بالكراهية، بل اعتقادًا ضمنيًا بأن المركز هو الأصل، وأن الآخرين ينبغي أن يثبتوا أهليتهم للانتماء من خلال الاقتراب منه.
    هذا الإرث الفكري لم يبقَ في نطاق التنظير، بل مهّد لاحقًا لخطابات أكثر وضوحًا في نزعتها الإقصائية، كما تجلّى في خطاب الطيب مصطفى الذي رأى في انفصال الجنوب "حلًا" لمعضلة التنوع، واعتبر التعدد تهديدًا لنقاء الهوية. الفارق بين الخطابين ليس في الجوهر، بل في درجة الإفصاح؛ ما كان ضمنيًا في خطاب نخبة ثقافية أصبح مباشرًا في خطاب سياسي شعبوي. لكن البنية واحدة: تعريف الأمة من مركز واحد، والنظر إلى الاختلاف بوصفه مشكلة ينبغي تقليصها لا واقعًا ينبغي تنظيمه تعاقديًا.
    والمفارقة أن هذا المنطق لم يتوقف بانفصال الجنوب، بل يعاد إنتاجه اليوم بصيغة جديدة. فكلما طُرحت مسألة التمييز الإيجابي، أو العدالة التاريخية، أو إعادة توزيع السلطة والثروة لصالح مناطق عانت من التهميش، ترتفع أصوات تتهم الهامش بـ"خطاب المظلومية"، وتصرّ على أن الديمقراطية تعني مساواة شكلية بين الجميع، دون اعتبار لتراكمات الظلم. وتُستعاد الحجة المتكررة: "الأجيال الحالية غير مسؤولة عن أخطاء الأجيال السابقة."
    غير أن الفلسفة السياسية الحديثة تفكك هذا الطرح. فكما بيّن جون رولز، العدالة تتطلب معالجة اختلالات البداية عبر إعادة ترتيب المؤسسات، لا تثبيتها باسم الحياد. وأكدت نانسي فريزر أن الاعتراف وإعادة التوزيع مترابطان في مواجهة الظلم البنيوي. المسألة ليست ذنبًا شخصيًا، بل مسؤولية جماعية عن إصلاح بنية لا تزال فاعلة.
    هذه الظاهرة ليست سودانية فحسب. ففي أمريكا اللاتينية، صاغت نخب "الكريول" بعد الاستقلال خطابًا قوميًّا أبقى الشعوب الأصيلة على الهامش باسم الوحدة الوطنية. وفي الولايات المتحدة، بُررت سياسات الإقصاء ضد السكان الأصليين باسم "التقدم"، ثم رُفضت سياسات التمييز الإيجابي لاحقًا بحجة أن الماضي انتهى وتم تجاوزه. في كل هذه الحالات، لم تكن اللغة لغة سبّ، بل لغة إصلاح وقانون وتنمية، لكنها قامت على افتراض تفوق معياري.
    وهكذا، فإن العنصرية البنيوية لا تحتاج إلى إعلان عداء؛ يكفي أن يُعرّف الوطن من زاوية واحدة، وأن يُطلب من الآخرين إثبات أهليتهم للانتماء وفق معايير المركز. وعندما تُرفض سياسات الإنصاف باعتبارها "تهديدًا للوحدة"، يُعاد إنتاج الامتياز في ثوب ديمقراطي شكلي!
    في السودان اليوم، يتكرر المشهد: مطالب اللامركزية الحقيقية، والعدالة الانتقالية، وإعادة توزيع الموارد تُواجه بالادعاء أن الجميع متساوون نظريًا. لكن المساواة النظرية لا تلغي عدم المساواة التاريخية؛ بل تؤجل معالجتها.
    الدرس الأعمق هنا أن التعليم العالي والوجاهة الثقافية لا يحصّنان ضد التحيز البنيوي. قد يقع المثقف في فخ إعادة إنتاج الامتياز دون وعي، حين يظن أنه يحمي الوحدة بينما يحافظ على تعريف ضيق للوطن. وهذه هي المفارقة السودانية: أن نخبًا رفيعة التعليم، وهي تدافع عن الدولة، ساهمت — عبر إنكارها لبنية الامتياز — في تكريس خطاب لم يتسع لجميع أبنائه، وما تزال آثاره حاضرة في جدل العدالة والمواطنة حتى اليوم...ولاتزال النخب تنكر.

    تاسعا: البنية الثنائية وإقصاء السياسة
    إن صيغة "إما اندماج صحيح أو انفصال كامل" في خطاب الدكتور عبد الله الطيب لا تعبّر فقط عن موقف سياسي متشدد، بل تكشف عن طريقة تفكير ثنائية تُفرغ السياسة من معناها.
    فالسياسة الحديثة ليست فرض تطابق أو إعلان قطيعة، بل هي إدارة للتعدد عبر التفاوض، وصياغة ترتيبات دستورية، وتقاسم للسلطة والموارد يقوم على الاعتراف المتبادل. وعندما يُحصر الأفق في خيارين حدّيين، تُلغى "المنطقة الثالثة" من الخيال السياسي: منطقة "الفدرالية التعاقدية"، وتقاسم السلطة، والاعتراف اللغوي والثقافي، والعدالة التنموية.
    هذا المنطق يذكّر بتحذير حنة أرندت من أخطر انحرافات العمل السياسي، حين يتحول إلى معادلة وجودية من نوع: "إما معنا أو خارج التاريخ". عندئذٍ يفقد المجال العام طبيعته التعددية، ويتحوّل من فضاء للتفاوض إلى ساحة اختبار للولاء والانتماء

    في حالة د. عبد الله الطيب، وكثيرين من أبناء جيله من النخب المتعلمة، لا يمكن تفسير ضيق الأفق السياسي بوصفه ضعفًا معرفيًا أو قصورًا في التخصص، بل ينبغي فهمه ضمن بنية فكرية أوسع تشكّلت في القرن التاسع عشر، حين هيمنت نظريات التطور الاجتماعي الهرمي التي قسّمت الشعوب إلى "متقدمة" و"بدائية". هذه النظريات لم تكن هامشية؛ بل كانت الأساس المعرفي الذي شرعن الاستعمار الأوروبي، ورسّخ تصورًا يرى بعض الثقافات معيارًا للتقدم، وأخرى في مرتبة "اللحاق"
    هنا تبرز أهمية تفكيك مفهوم "البدائية" كما قام به عالم الأنثروبولوجيا أشلي مونتاغيو. فقد بيّن مونتاغيو، في أعماله حول العرق والإنسان، أن فكرة "البدائية" ليست وصفًا علميًا، بل بناء أيديولوجي نشأ داخل سياق استعماري. لا توجد شعوب بدائية وأخرى متحضرة على سلّم تطوري واحد؛ بل توجد تنوعات ثقافية متكافئة، لكل منها نظامها المعرفي والأخلاقي والرمزي. كما شدّد على أن الفروق البشرية ليست مراتب قيمة، بل اختلافات سياقية، وأن ادعاء التفوق الثقافي هو امتداد لأسطورة بيولوجية لا سند لها.
    غير أن تفكيك مونتاغيو العلمي لم ينعكس بالضرورة على المخيال السياسي للنخب في العالم المستعمَر. فالتعليم الحديث الذي تلقّته هذه النخب كان مشبعًا — حتى حين لم يُصرّح بذلك — بفكرة أن المركز هو موطن الحداثة، وأن الأطراف بحاجة إلى "اللحاق" به. وهكذا انتقل مفهوم "البدائية" من كونه توصيفًا استعماريًا مباشرًا إلى افتراض ضمني: المركز هو معيار الوطنية، والهامش مرحلة ينبغي إدماجها في نموذج جاهز.
    في هذا السياق، يصبح من السهل فهم كيف يتشكّل تفوق ثقافي صامت لا يُعلن نفسه عنصرية، لكنه يعمل كقاعدة غير مفحوصة للتفكير السياسي. فالآخر لا يُقصى عبر خطاب كراهية، بل عبر افتراض أنه لم يبلغ بعد مستوى "النضج" السياسي أو الثقافي الذي يؤهله ليكون شريكًا متكافئًا في صياغة الدولة. وهنا يكمن الامتداد الخفي لفكرة "البدائية" في صورتها الحديثة.
    الأثر الأخطر لهذا المخيال هو العجز عن تصور أن الرؤية التجديدية قد تنبع من الهامش نفسه. في السودان، حين طرح جون قرنق مشروع "السودان الجديد" باعتباره إعادة تأسيس للدولة على قاعدة المواطنة المتساوية والتعدد واللامركزية، لم تُرفض الفكرة فقط بسبب خلافات سياسية وحسب، بل لأن مصدرها لم يكن المركز. كثير من النخب لم تستوعب أن الهامش ليس موضوعًا للإصلاح، بل فاعلًا معرفيًا وسياسيًا قادرًا على إنتاج تصور بديل للوطن.
    إن هذا النمط من التفكير لا يقتصر على الماضي. فما يزال في الخطاب السوداني المعاصر من يرفض الاعتراف بالعدالة التاريخية أو التمييز الإيجابي بحجة أن "الجميع متساوون الآن بعد هتاف الجماهير ياعنصري ومغرور كل البلد دارفور"، متجاهلًا أن المساواة الشكلية لا تلغي تراكمات الامتياز. هنا يتكرر المنطق ذاته: إنكار التراتبية مع الإبقاء على آثارها.
    ما يكشفه تحليل مونتاغيو هو أن التحرر من الاستعمار لا يكتمل بطرد القوة الأجنبية، بل بتفكيك التصنيفات الذهنية التي رتّبت البشر على سلّم قيمة. وإذا لم يُفكك مفهوم "البدائية" في المخيال السياسي السوداني، فإنه يعيد إنتاج نفسه في صورة مركز يعتبر ذاته معيارًا، وهامش يُطلب منه الاندماج..
    من ثمّ، فإن أزمة السودان لم تكن في صراع السلاح وحده، بل في بقاء هذا التصور الهرمي داخل بنية التفكير السياسي. والدولة التي لا ترى في التعدد تكافؤًا حقيقيًا، بل تفاوتًا يحتاج إلى تصحيح من الأعلى، ستظل تعيد إنتاج أزماتها مهما تغيّرت شعاراتها. التحرر الحقيقي يبدأ حين يُعاد تعريف الوطن لا من مركز واحد، بل من تقاطع روافده كافة، على قدم المساواة.

    عاشرا: المفارقة الأخلاقية وإنكار البنية
    حين يصرّح د. عبد الله الطيب بأنه "لن يستطيع أحد اتهامنا بالنزعة الاستعمارية"، فإنه يعبّر عن مفارقة أخلاقية عميقة تكشف جوهر الإشكال. فالمسألة هنا لا تتعلق بالنية الذاتية، بل بالبنية الموضوعية للسلطة. الاستعمار — في تحليلات ما بعد الاستعمار — ليس مجرد إعلان رغبة في السيطرة، بل منظومة علاقات تحدد من يملك حق تعريف الوطن، ومن يُطلب منه الامتثال لشروطه.
    إن اشتراط التخلي عن مطالب الحكم الذاتي أو إعادة توزيع السلطة مقابل "الاستفادة" من الدولة هو شكل من أشكال الاستعمار الداخلي: حيث يُربط الاعتراف بالمواطنة الكاملة بالتطابق مع معيار المركز. قد تُصاغ هذه العلاقة بلغة وطنية، وقد تُغلّف بخطاب النهضة أو الوحدة، لكنها تظل قائمة على تراتبية غير معلنة.
    هذه المفارقة ليست فريدة في السياق السوداني. ففي الولايات المتحدة إبّان حركة الحقوق المدنية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، سارع كثير من السياسيين والمثقفين البيض إلى نفي أي تهمة عنصرية عن أنفسهم، مؤكدين أنهم "ليسوا ضد السود"، بل ضد "الفوضى" أو "التسرع" في التغيير. كان خطابهم يؤكد حسن النية، بينما كانت البنية القانونية والاجتماعية تكرّس التمييز.
    ردّ جيمس بالدوين على هذا النمط من الإنكار بحدة أخلاقية عميقة، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن في مشاعر الأفراد، بل في The Fire Next Timeالنظام الذي ينتفعون منه دون مساءلة. في كتاباته، ولا سيما في
    بيّن أن إنكار العنصرية لا يزيل آثارها، بل يرسّخها؛ لأن النظام يظل قائمًا حتى لو أعلن أفراده براءتهم منه.
    كما واجه مارتن لوثر كينغ جونيور خطاب "الاعتدال الأبيض" الذي يدّعي رفض العنصرية، لكنه يعارض وسائل تفكيكها، مؤكدًا أن أكبر عقبة أمام العدالة ليست المتطرف المعلن، بل المعتدل الذي يفضّل النظام القائم على المساواة الفعلية.
    إن التشابه البنيوي واضح:
في كلتا الحالتين، يُنكر الفاعل صفة الاستعمار أو العنصرية عن نفسه، لكنه لا يعيد النظر في شروط القوة التي تضع الآخر في موقع التابع. وهكذا تتحول البراءة الأخلاقية إلى حجاب يحجب مساءلة البنية.
    في السياق السوداني، تكمن المفارقة في أن النخبة التي تؤكد رفضها للاستعمار قد تعيد — دون وعي — إنتاج منطقه داخل الدولة الوطنية. فالاستعمار ليس فقط احتلال أرض، بل احتكار تعريف الأمة. وحين يُشترط على جماعة ما أن تتخلى عن حقها في المشاركة المتكافئة في صياغة العقد الوطني كي تنال نصيبها من الدولة، فإننا أمام استمرار لعلاقة غير متكافئة، حتى لو رُفعت راية الاستقلال.
    الدرس الذي تكشفه التجارب المقارنة هو أن إنكار التهمة لا يفكك البنية؛ وحده الاعتراف بها وإعادة توزيع السلطة يمكن أن يؤسس لمواطنة متساوية. أما الاكتفاء بنفي "النزعة الاستعمارية" مع الإبقاء على شروط الهيمنة، فهو ما يجعل المفارقة الأخلاقية تتكرر عبر الأجيال.

    خاتمة: بين العبقرية اللغوية وحدود المخيال السياسي
    يبقى د. عبد الله الطيب عليه الرحمة علامة فارقة في تاريخ الدراسات اللغوية والأدبية في السودان والعالم العربي؛ فقد مثّل ذروةً في التحقيق والشرح والتحليل، وأثرى المكتبة العربية بعملٍ علمي رصين. غير أن التفوق في حقلٍ معرفي بعينه لا يضمن اتساع الأفق السياسي. فالمخيال الذي يتكوّن في لحظة تاريخية معينة قد يكون محدودًا بحدود عصره، مهما بلغ صاحبه من النبوغ.
    يكشف خطابه عام 1958 عن مأزقٍ أعمق من مجرد اختلاف في الرأي السياسي؛ إنه مأزق نخبةٍ ما بعد الاستعمار التي ورثت الدولة كما هي، وورثت معها هرمية المركز، وافترضت أن مشروع "الوطن العربي العظيم" يمكن أن يُبنى دون إعادة تعريف جذرية للمواطنة على أساس المساواة الفعلية والتعدد المعترف به. لقد جرى التعامل مع سؤال التنوع بوصفه إشكالًا إداريًا أو تهديدًا سياسيًا، لا بوصفه مادة تأسيسية لإعادة تخيّل الدولة.
    وقد أثبت التاريخ السوداني — بما حمله من حروب أهلية طويلة، وانتهى بانفصال الجنوب — أن منطق "الاندماج القسري أو الانفصال" لا ينتج وحدةً مستقرة، بل يعمّق الشروخ ويحوّل الاختلاف إلى قطيعة. فالوحدة التي تُشترط بالتطابق سرعان ما تتحول إلى نزاع، لأن الاعتراف المؤجل يتحول إلى مقاومة.
    إن قراءة هذا الخطاب اليوم ليست محاكمةً لشخصٍ بعينه، ولا تقليلاً من مكانته العلمية، بل هي محاولة لفهم بنية فكرية أوسع ساهمت — مع عوامل سياسية واقتصادية وعسكرية — في تشكيل المأزق السوداني الحديث. فالأفكار، حين تتكرّس في وعي النخب، تتحول إلى سياسات، والسياسات حين تتجاهل التعدد تتحول إلى صراعات.
    ولذلك فإن السؤال الذي يواجه السودان اليوم لم يعد: "ماذا في الجنوب؟" وقد مضى الجنوب في مساره الخاص، بل: ماذا في مفهومنا نحن للوطن؟
هل هو هوية مكتملة يُطلب من الآخرين الالتحاق بها، أم مشروعٌ مفتوح يُعاد تشكيله عبر الاعتراف المتبادل؟
إن مستقبل السودان لن يُحسم في حدود الجغرافيا وحدها، بل في اتساع المخيال السياسي وقدرته على استيعاب تعدد أهله بوصفه ثراءً لا تهديدًا.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de