السودان بين الرباعية المنقسمة وإرادة الشعب المُغيَّبة: مآلات الصراع وخيارات الحل كتبه عمر سيد أحمد

السودان بين الرباعية المنقسمة وإرادة الشعب المُغيَّبة: مآلات الصراع وخيارات الحل كتبه عمر سيد أحمد


02-28-2026, 03:22 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1772248955&rn=0


Post: #1
Title: السودان بين الرباعية المنقسمة وإرادة الشعب المُغيَّبة: مآلات الصراع وخيارات الحل كتبه عمر سيد أحمد
Author: عمر سيد احمد محمد
Date: 02-28-2026, 03:22 AM

03:22 AM February, 27 2026

سودانيز اون لاين
عمر سيد احمد محمد-دبي
مكتبتى
رابط مختصر



السودان بين الرباعية المنقسمة وإرادة الشعب المُغيَّبة


[email protected]
فبراير 2026
 
حرب داخلية تتحول إلى صراع محاور
منذ اندلاع الصراع المسلح في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، دخل السودان واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث. ما بدأ كنزاع على السلطة تمدّد إلى حرب شاملة: نزوح بملايين، تدمير للبنية التحتية، وانهيار للخدمات الأساسية. وفي قلب هذه الكارثة، لا تتحرك القوى الإقليمية والدولية بوصفها وسطاء محايدين، بل بوصفها أطرافًا تتنازع على رسم مستقبل السودان—بينما تتراجع إرادة الشعب السوداني، التي صنعت ثورة ديسمبر، إلى الهامش.
هذه الورقة تدمج بين مقاربتين: الأولى تُحلّل انقسام "الرباعية" ومحدودية الوساطة، والثانية تُفكك محاور الإقليم وتناقضاتها وخيارات الحل الممكنة—مع إدراج التطورات الأخيرة المرتبطة بتحوّل الدعم الخارجي إلى انخراط عملياتي مباشر عبر حرب المسيّرات، وما يُفهم منه كاصطفاف جديد (مصري–سعودي–تركي) في لحظة تتغير فيها هندسة الحرب.
 
المشهد الحالي: الكلفة يدفعها المجتمع… والقرار يُصاغ خارجه
المأساة الإنسانية في السودان ليست "نتيجة جانبية" للحرب، بل هي جوهرها السياسي: تفكيك المجتمع، ضرب المدن، وتوليد اقتصاد حرب يبتلع الدولة. ومع تفكك مركز السلطة وازدواج الشرعيات، يصبح الخارج أكثر قدرة على التأثير من الداخل—لا لأنه أقوى أخلاقيًا، بل لأنه يملك أدوات المال والسلاح والضغط الدبلوماسي.
المفارقة القاسية هنا أن الشعب الذي دفع أثمانًا باهظة لإسقاط نظام الإسلامويين في ديسمبر 2018/2019، يجد نفسه أمام مسارات تفاوض تتعامل معه كـ"تفصيل"، بينما تُعاد هندسة السلطة على أساس "من يملك السلاح"، و"من يدعم من".
 
الرباعية المنقسمة: وساطة بلا مركز ثقل
ظهر إطار "الرباعية" (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، بريطانيا) كمرجعية ضغط/وساطة. لكن عمليًا، لم تعد الرباعية رباعية متماسكة، بل مساحة اختلافات حادة حول سؤال واحد: ما شكل الدولة السودانية بعد الحرب؟
• هل الأولوية لوقف الحرب بأي صيغة ولو أعادت إنتاج تحالف العسكر والإسلامويين؟
• أم لوقف الحرب ضمن مسار انتقال مدني واضح يمنع ارتداد النظام القديم؟
هذا الانقسام لا يضعف الوساطة فقط، بل يفتح الباب لسياسات "إدارة الصراع" بدل "حله"، ويُشجع أطراف الداخل على إطالة الحرب انتظارًا لتبدل موازين الخارج.
 
المحور المصري–السعودي: براغماتية معلنة… وهيمنة كامنة
أ) الرهان على البرهان و"الاعتدال" المزعوم
تتبنى مصر والسعودية خطابًا يصف نفسه بالواقعية: استبعاد الإسلامويين بالكامل—بحسب هذا الخطاب—غير واقعي وقد يقود لعدم استقرار طويل. وتقدم القاهرة البرهان بوصفه "شريكًا" يمكن عبر تثبيت سلطته أن "يتخلص تدريجيًا" من العناصر المتشددة، مع الإبقاء على تيار "معتدل" داخل ائتلاف أوسع.
لكن هذا المنطق، في القراءة السودانية التي صنعت الثورة، لا يجيب عن سؤال الشرعية: أي تسوية تعيد جزءًا من المنظومة التي ثار عليها الناس تُنتج حربًا مؤجلة لا دولة.
ب) كشف طبقات الدور المصري: من دعم سياسي إلى شراكة في الحرب
هنا يبرز جوهر النقد: المشكلة ليست فقط في خطاب "البراغماتية"، بل في حقيقة الدور المصري كما تراه قطاعات واسعة من السودانيين: مصر ليست وسيطًا، بل طرفًا يسعى لإبقاء السودان ضعيفًا، تديره نخبة عسكرية–إسلاموية محاصرة شعبيًا ومعتمدة على الخارج، لأنها—بحكم عزلتها—أكثر قابلية لتقديم التنازلات.
وفق هذا المنظور، "كابوس" القاهرة ليس الفوضى، بل الاستقرار الديمقراطي: حكومة مدنية ذات شرعية شعبية ستعيد فتح ملفات السيادة والموارد (المياه، الحدود، الذهب، الاقتصاد)، وتطالب بعلاقات ندية لا تبعية.
 
تطور نوعي: حرب المسيّرات ودلالة "الدخول الفعلي"
ضمن هذا السياق، جاءت التطورات الأخيرة لتمنح السرد السياسي "مفصلًا" جديدًا: انتقال الدعم إلى مستوى عملياتي مباشر. إذ تتحدث تقارير وتحقيقات دولية عن استخدام مسيّرات تركية تُدار/تُطلق من داخل مصر لتنفيذ ضربات داخل السودان، بما يعني عمليًا أن الحرب لم تعد داخلية ذات امتدادات إقليمية، بل أصبحت (جزئيًا) ساحة عمليات عابرة للحدود.
حين تتحول أراضي دولة مجاورة إلى منصات تشغيل عسكري، نكون أمام لحظة تدويل فعلي للحرب، لا على مستوى الخطاب، بل على مستوى الجغرافيا والسلاح.
 
الاصطفاف السعودي–المصري–التركي–القطري: مصالح مخفية وراء خطاب الاستقرار
هذا الاصطفاف لا يُفهم بقراءة أسبابه المعلنة فحسب—أمن الحدود، البحر الأحمر، التوازن الإقليمي—بل بالبحث في ما تخشى كل دولة خسارته في حال نجح السودان في تحقيق تحوّل مدني ديمقراطي حقيقي:
مصر لا تخشى الفوضى بقدر ما تخشى الاستقرار الديمقراطي: حكومة مدنية ذات سيادة ستُغلق الباب أمام التدخل في الشأن الداخلي السوداني، وستُعيد فتح ملفات نهب الموارد، والتمدد الجغرافي في حلايب وشلاتين، وفرض شروط غير متكافئة على مياه النيل. النظام العسكري المؤدلج الضعيف والمعزول شعبيًا هو أكثر قابلية للخضوع من دولة تملك شرعية شعبية.
السعودية لا تدعم الجيش السوداني انطلاقًا من مبدأ "الاستقرار" المجرد، بل لأنها تخشى النموذج: دولة مدنية ديمقراطية في محيطها الإقليمي تُقوّض الشرعية الدينية التي تستند إليها في الداخل. ولهذا تجد الرياض نفسها تدعم الأنظمة العسكرية حتى حين تكون مخترقة بتيارات الإسلام السياسي—فالأولوية هي إجهاض النموذج الديمقراطي لا محاربة الإسلامويين.
تركيا هي الداعم الأول والأكثر عقيدةً للتنظيم الإسلامي السوداني، وهي التي تحتفظ بشبكة علاقات عميقة مع حركة الإسلام السياسي في السودان التي تختطف قرار المؤسسة العسكرية من الداخل. دعمها عبر المسيّرات—التي تُموّل فواتيرها قطر وفق ما تشير إليه التقارير—ليس مجرد حساب تقني أو تكتيكي، بل استثمار في بقاء المنظومة التي تعتبرها امتدادًا لمشروعها الإقليمي.
قطر تُكمل الصورة بتمويل السلاح التركي، محافظةً على دورها التقليدي في دعم تيارات الإسلام السياسي في المنطقة—وهو دور لا تتخلى عنه رغم تحولات المشهد الخليجي.
الجامع بين هذه الأطراف ليس تحالف قيم، بل خشية مشتركة من سابقة: سودان مستقر، ذو سيادة، تحكمه إرادة شعبية—هذا النموذج أخطر على كل منهم من الحرب ذاتها.

 
الموقف الإماراتي: رفض مطلق لعودة الإسلامويين
على الجانب الآخر، تتمسك الإمارات بموقف نقيض: الإسلام السياسي تهديد جوهري للاستقرار والتنمية. وتُجادل أبوظبي بأن البرهان ليس بديلًا للإسلامويين بل واجهة لهم أو جزء من شبكاتهم، وأن "رهان التخلص التدريجي" وهم سياسي.
هذا يفسر لماذا تفضّل الإمارات مسارات لا تعيد الإسلامويين ولو تطلبت ترتيبات صعبة، ولماذا تُقرأ علاقتها مع الدعم السريع في هذا الإطار—مع الإقرار بأن سجل الانتهاكات لا يسقط من الحسابات، لكنه لا يلغي منطق الاصطفافات.
 
القوى الإقليمية الأخرى: حرب بالوكالة تتغذى من الانقسام
الفكرة المركزية هنا ليست تعداد الدول، بل أن السودان يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة: كل محور يعرّف "الاستقرار" على مقاس مصالحه، ويعيد إنتاج أدواته عبر السلاح والمال والإعلام.
 
الموقف الأمريكي: تردد بين إنقاذ عاجل وخوف استراتيجي
واشنطن عالقة بين اتجاهين:
• براغماتي إنساني/أمني: وقف القتال وإغاثة الناس حتى لو عبر تسويات "ناقصة".
• مبدئي سياسي: رفض إعادة الإسلامويين ودعم انتقال مدني حقيقي.
ويزداد المأزق مع تناقض الحلفاء (مصر والإمارات مثلًا). ومع غياب كتلة مدنية موحدة ذات وزن، يصبح القرار الأمريكي أقرب لإدارة الأزمة لا حسم مسارها.
 
القوى المدنية السودانية: الانقسام المدمر وإهدار الشرعية
أخطر ما في المشهد ليس فقط انقسام الخارج، بل تشرذم الداخل المدني: تحالفات متعددة، رؤى متباعدة، وخطابات لا تنتج حدًا أدنى جامعًا. وهذا يمنح العسكر والقوى الخارجية فرصة تشكيل المستقبل دون شريك مدني قوي.
النتيجة العملية: إرادة الشعب التي أسقطت النظام تُستبدل بتمثيلات "ضعيفة/مجزأة" لا تستطيع فرض شروط السلام أو حماية الانتقال.
 
تفكيك أوهام "الحل السهل": البرهان ليس بديلًا… و"الاعتدال" فخ
في قلب هذا التحليل، ثلاث حجج حاسمة:
1. البرهان جزء عضوي من منظومة الإسلامويين بحكم التاريخ والشبكات والمصالح.
2. وهم التخلص التدريجي يتجاهل تغلغل الشبكات داخل الدولة والاقتصاد.
3. وهم الإسلامويين المعتدلين يصطدم بتجربة السودان وذاكرة الثورة: الناس لا يرون "اعتدالًا" في منظومة حكمت بالقمع والفساد ثلاثين عامًا.
الخلاصة: أي تسوية تعيد الإسلامويين—ولو عبر "فتحة صغيرة"—ستنتج مقاومة، وتشعل حربًا مؤجلة.
 
سيناريوهات الحل: بين وصفة الأزمة وخارطة طريق الخروج
السيناريو المصري–السعودي: "استقرار" يعيد إنتاج الحرب
وقف نار هش + حكم انتقالي بقيادة البرهان + واجهة مدنية شكلية + تمثيل "معتدل" للإسلامويين. هذا سيناريو يصطدم برفض مسلح وسياسي وشعبي، وبالتالي يعيد الحرب بشكل أو بآخر.
السيناريو الإماراتي: أصح سياسيًا… أصعب تنفيذًا
استبعاد الإسلامويين بالكامل + سلطة مدنية حقيقية أو انتقال قصير محدد الصلاحيات. تحدياته: مقاومة المحور الآخر، الحاجة لضغط دولي، وضمانات أمنية حقيقية.
السيناريو الأمثل: خارطة طريق شاملة ومتدرجة
تتضمن خمس حزم متكاملة:
وقف حرب قابل للتحقق: وقف شامل + مراقبة + انسحاب من المدن + ممرات إنسانية.
حكومة انتقالية مستقلة: تكنوقراط بلا عسكر وبلا إسلامويين + مجلس تشريعي انتقالي + سقف زمني صارم.
إصلاح أمني حقيقي: إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة + تفكيك الأجهزة الموازية + دمج/تسريح/إعادة إدماج.
عدالة انتقالية: محاسبة عادلة وشفافة + استرداد الأموال + إنصاف الضحايا.
بناء ديمقراطي مستدام: دستور يحمي الحريات ويمنع توظيف الدين سياسيًا + ضمانات ضد الانقلاب + انتخابات تحت رقابة.
 
خاتمة: مركز الحل هو السودان… لا غرف الوساطة
الصراع في السودان ليس حربًا بين جيش وميليشيا فقط، بل صراع بين مشروعين لمستقبل الدولة: مشروع مدني ديمقراطي يطالب بالشرعية والعدالة والسيادة، ومشروع عسكري–إسلاموي يسعى لإعادة إنتاج الاستبداد بوجه جديد—تدعمه محاور إقليمية وفق مصالحها.
كلما انقسمت الرباعية، تمددت المحاور. وكلما انقسم المدنيون، صعدت الحرب كحل وحيد. ولذلك فإن استعادة "إرادة الشعب" ليست شعارًا أخلاقيًا، بل شرط سياسي وتقني لإنهاء الحرب: كتلة مدنية موحدة، برنامج حد أدنى، وإطار تفاوض يضع السيادة فوق الوصاية.

عمر سيد أحمد | فبراير 2026 |