ديمقراطية نُخب الخيبة: من المركز إلى الهامش.. الكل 'نخبة' والكل فاشل! كتبه عبدالغني بريش فيوف

ديمقراطية نُخب الخيبة: من المركز إلى الهامش.. الكل 'نخبة' والكل فاشل! كتبه عبدالغني بريش فيوف


02-27-2026, 05:54 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1772214849&rn=0


Post: #1
Title: ديمقراطية نُخب الخيبة: من المركز إلى الهامش.. الكل 'نخبة' والكل فاشل! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 02-27-2026, 05:54 PM

05:54 PM February, 27 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





تعيش الساحة السياسية السودانية اليوم فصلاً من فصول الملهاة المأساوية، حيث تحول الفضاء العام إلى سوق عكاظ للهجاء المتبادل بين فئات يُفترض أنها تمثل العقل المفكر لشعوبها.
إن الظاهرة الأكثر إثارة للدهشة، ليست في حجم الفشل الوطني الماثل، بل في تلك الحالة من الانفصام السياسي التي تمارسها النخب السودانية، حيث ينبري النخبوي، أكاديميا كان أو سياسيا أو صحفيا أو ولخ، لكتابة معلقات مطولة يشرح فيها خيبة النخبة، متحدثا بلسان الواعظ المتجرد، وكأنه لم يكن يوما جزءاً من آليات صناعة هذا الخراب، أو مستفيدا من عطايا الأنظمة، أو منظرا لمشاريع أوردت البلاد موارد الهلاك والدمار.
إننا أمام حالة من التدليس الوجودي، حيث يتم استخدام النقد لا كوسيلة للإصلاح، بل كدرع واقي يحمي الكاتب من سهام المسؤولية التاريخية.
هذا المقال عزيزي القارئ، ليس مجرد رصد لظاهرة، بل هو محاكمة فكرية لهذا السلوك المتذاكي الذي يضلل الرأي العام ويزيف الوعي الجمعي.
أولاً: سيكولوجية الإسقاط وتبرئة الذات النخبوية..
لماذا يصر النخبوي السوداني على انتقاد النخب بضمير الغائب؟
الإجابة تكمن في سيكولوجية الهروب من الذمة السياسية، وإن تصوير الفشل كفعل جماعي يخص الآخرين، يسمح للفرد بالاحتفاظ بمكانته الأخلاقية أمام جمهوره، بينما هو في الواقع يمارس عملية إسقاط لكل إخفاقاته الشخصية والتنظيمية على هذا الكيان المبهم المسمى النخبة.
هذا التدليس المتعمد، يهدف إلى خلق مسافة وهمية بين الذات الكاتبة وبين الواقع المأزوم، فالمثقف الذي صمت عن انتهاكات رفاقه في الحزب أو التنظيم، أو الذي برر الانقلابات العسكرية تحت دعاوي التصحيح، أو الذي عجز عن إنتاج ورقة اقتصادية واحدة تخرج المواطن من عنق الزجاجة، يجد في ذم النخبة وسيلة سهلة للتطهر، إنها عملية غسيل سمعة سياسية تتم عبر الحبر والورق، بدلا من الاعتراف والاعتذار.
ثانياً: شمولية الإخفاق وأكذوبة استثناء الأقاليم..
من أكبر الأضاليل التي تروج لها النخب السودانية في مقالاتها، هي محاولة جغرفة الفشل، أي تصويره كمنتج حصري لنخبة المركز أو الشمال النيلي، إذ ان الحقيقة التي يتغافلون عنها عمدا، هي أن الإخفاق السوداني، هو إخفاق عابر للأقاليم والتيارات:
1/ نخب الهوامش ابتداءاً، بالغرب، الشرق، والجنوب، هي التي مارست الاستثمار في المظلومية، وانتقدوا نخب الخرطوم لعقود، لكن ما إن وصلوا إلى كراسي السلطة عبر الاتفاقيات أو المحاصصات، حتى تحولوا إلى نسخ مشوهة من النخب التي كانوا ينتقدونها، حيث مارسوا المحسوبية، وانغمسوا في صراعات السلطة، وتركوا قواعدهم الشعبية تواجه مصيرها تحت القصف والجوع.
2/ نخب المركز، وهي التي أدمنت الأبوية السياسية، واعتقدت أن السودان يبدأ من حدود الخرطوم وينتهي عندها، وعجزت عن ابتكار عقد اجتماعي يستوعب التنوع، فظلت تدور حتى اليوم في حلقة مفرغة من الطائفية المحدثة أو الأيديولوجيا المستوردة.
3/ نخب البزة العسكرية، وهي التي توهمت أن الانضباط العسكري يمكن أن يكون بديلا للمشروع السياسي، فحولوا الدولة إلى ثكنة كبرى، والاقتصاد إلى إقطاعيات خاصة، ثم انبروا هم أيضا ينتقدون السياسيين الفاشلين وكأنهم لم يكونوا الحكام الفعليين للبلاد لأكثر من خمسة عقود.
ثالثاً: القصور المعرفي وتعريف النخبة المبتسر..
يكمن جزء من الأزمة في السودان، أن النخبة السودانية لا تفهم معنى النخبة وظيفياً، في الأدبيات السياسية الرصينة، إذ أن النخبة، هي الفئة التي تضطلع بمسؤولية التوجيه المعنوي والمادي للمجتمع، وحين تكتفي هذه النخبة بالتوصيف بدلاً من التغيير، فإنها تتحول إلى عبء على الدولة وشعبها.
**************
النخبة الأكاديمية: وهي التي تحولت مقالاتها إلى تمارين ذهنية معقدة لا تلامس حياة المواطن البسيط، وانشغلت بتصفية الحسابات الشخصية والأكاديمية داخل أسوار الجامعات أو على صفحات الصحف والساحات المفتوحة.
النخبة الحزبية: وهي التي حولت الأحزاب إلى ممالك خاصة يشيخ فيها القائد ولا يتغير، وينتقدون الديكتاتورية في السلطة بينما يمارسونها في أبشع صورها داخل أروقة أحزابهم.
إن انتقاد النخبة للنخبة دون تقديم بدائل هيكلية، هو قمة القصور المعرفي، بل إنه اعتراف بالعجز يرتدي ثوب الحكمة.
رابعاً: النخبة والمال والتحالف غير المقدس..
لا يمكن قراءة أزمة النخبة السودانية وتدليسها دون التطرق إلى الأساس الاقتصادي لهذا السلوك، حيث نشأت في السودان نخبة طفيلية تعيش على ريع الدولة أو ريع المنظمات الدولية، وهؤلاء يكتبون مقالات حادة ومنتقدة للواقع، لكنهم في ذات الوقت يحرصون على عدم المساس ببنية المصالح التي تضمن لهم حياة النخبة.
هذا التناقض الطبقي، يجعل من مقالاتهم مجرد ظاهرة صوتية، فهم ينتقدون الفقر والانهيار الاقتصادي بلغة ثورية، بينما يمارسون حياتهم في أبراج عاجية بعيدة كل البعد عن معاناة المواطن الذي يدعون تمثيله، وهذا التضليل المتعمد يهدف إلى إبقاء الوضع كما هو، مع تغيير الوجوه" فقط، دون المساس بالجوهر الاستغلالي.
خامساً: ثقافة المقال كأداة للتضليل السياسي..
تحولت المقالات السياسية في السودان من أدوات للتنوير إلى أدوات لصناعة التيه، إذ ان النخبة التي تكتب لتنتقد النخبة، تمارس ما يمكن تسميته بالتخدير اللغوي.
يستخدمون لغة معقدة، ومصطلحات فضفاضة، مثل، الدولة العميقة، الهبوط الناعم، الجبهة العريضة، الكتلة التأريخية، لتغطية غياب البرنامج الحقيقي.
عندما يقرأ المواطن مقالا لنخبوي يهاجم النخبة، يشعر بنوع من التنفيس العاطفي، وهذا هو المطلوب بالضبط، امتصاص غضب الجماهير وتحويله من فعل ثوري لتغيير النخبة إلى قناعة بعدم جدوى أي نخبة، مما يؤدي في النهاية إلى اليأس العام الذي يخدم الأنظمة القمعية.
سادساً: غياب النقد الذاتي وحضور الهجاء الجماعي..
هناك فرق شاسع بين النقد الذاتي الذي يمارسه المثقف الشجاع، وبين الهجاء الجماعي الذي تمارسه النخبة السودانية حالياً.
النقد الذاتي يتطلب اعترافاً بالخطأ: أنا كحزبي أخطأت حين تحالفت مع العسكر، أو أنا كصحفي أخطأت حين روجت لهذا الوهم، وهكذا، أما الهجاء الجماعي فهو فعل جبان.
هذه التعميمات التي تمارسها النخب، هي قمة التدليس، لأنها تعفي الفرد من مراجعة مواقفه الشخصية، إنها عملية تعويم للمسؤولية تجعل من المجرم والضحية سواء، وتضيع معها الحقائق التاريخية التي يجب أن تُبنى عليها أي عملية محاسبة مستقبلية.
سابعاً: النخبة وصناعة الحروب العبثية..
إن ما نعيشه اليوم من تمزق وطني وحروب دامية هو النتيجة المنطقية لممارسات هذه النخب، ومن السخرية بمكان أن نرى بعض مهندسي هذه الحروب، أو المحرضين عليها، يكتبون اليوم مقالات ينتقدون فيها فشل النخبة في منع الحرب!
هذا التناقض الصارخ، يكشف عن عطب أخلاقي عميق، فالنخبة التي عجزت عن إدارة التنوع، والتي فضلت الحلول العسكرية على التوافقات السياسية، والتي حرضت القبائل ضد بعضها البعض، هي ذاتها التي تجلس اليوم في العواصم الخارجية لتكتب عن ضياع الوطن بسبب فشل النخبة، إنهم لا ينتقدون أنفسهم، بل ينتقدون النسخة التي لم تنجح في تأمين مصالحهم.
ثامناً: القصور في فهم الدولة وفن الممكن..
النخبة السودانية، في معظم إنتاجها الكتابي، تعاني من رومانسية ثورية أو جمود أيديولوجي، إنهم ينتقدون النخب الأخرى لأنها لم تحقق المدينة الفاضلة التي في خيالهم، بينما هم عاجزون عن ممارسة فن الممكن.
التدليس هنا يكمن في إيهام الرأي العام بأن المشكلة هي في الأشخاص فقط، بينما الأزمة الحقيقية هي في العقل السياسي الذي أنتج هؤلاء الأشخاص، إذ إن انتقاد النخبة للنخبة دون نقد المنظومات الفكرية التي تخرج منها هذه النخب هو مجرد حرث في البحر.
تاسعاً: نحو ثورة فكرية لكسر دائرة التدليس..
لكي نخرج من هذه الدائرة المفرغة، يجب على المجتمع السوداني، وعلى جيل الشباب تحديداً، أن يتوقف عن الانبهار بالمقالات النخبوية التي تنتقد النخب، يجب أن نسأل كل كاتب:
1/ أين كنت حين اتُخذ هذا القرار الكارثي؟
2/ ما هو موقعك التنظيمي والفكري من الفشل الذي تصفه؟
3/ لماذا تتحدث بصيغة هم، بينما التاريخ يقول إنك كنت معهم؟
إن كسر دائرة التضليل المتعمد، يبدأ من تسمية الأشياء بمسمياتها، النخبة السودانية ليست قدراً لا يمكن تغييره، بل هي نظام مصالح يجب تفكيكه واستبداله بنخبة وطنية حقيقية تؤمن بالمسؤولية والمحاسبة.
إنّ أزمة النخبة السودانية، ليست حادثة عابرة في كتاب التاريخ، بل هي فصل مستمر في رواية وطنٍ لم يُكتب له أن يتصالح مع ذاته بعد، لأن من تولّوا زمام التوجيه الفكري والسياسي انشغلوا بتبرير مواقعهم أكثر من انشغالهم بإنقاذ وطنهم.
*************
هذه النخبة التي ملأت الدنيا ضجيجا عن الحرية والديمقراطية والتغيير، كانت في جوهر تكوينها تُعيد إنتاج أنماط السلطة التي تدّعي معارضتها، وظلّت تتبدّل أدوارها بين الحاكم والناقد دون أن تتبدّل منظوماتها الذهنية، ومن هنا يمكن القول إن المأزق لم يعد يكمن في نظام سياسي واحد، بل في العقل النخبوِي ذاته، الذي لم يتعلّم بعد أن النقد بلا فعل مسؤول يتحول إلى ترف أخلاقي يُبقي كل شيء في مكانه.
لقد آن لهذا الوطن أن يتحرر من سطوة الخِطاب النخبوي الذي يُزيّن الفشل بلغة بارعة ويحيله إلى قدر تاريخي، وأن يسائل الذين احترفوا مديح الذات ثم بكاء الوطن في مقالاتهم اليومية، عن ماذا أنجزتمن أيُّ مشروع قدمتم، وأيُّ ضمير استيقظ فيكم بعد أن صمتم عن أعوام الخراب؟
إنّ شجاعة المراجعة لا تُقاس بما يُكتب من هجاء للآخرين، بل بما يُقال عن الذات في لحظة المواجهة مع الحقيقة، وحين يتعرّى الكاتب أو السياسي من حصانته البلاغية ليقول بصدق، نعم، كنتُ جزءا من الكارثة.
تلك هي البداية الصحيحة لأي نهضة فكرية أو سياسية، وهي الخطوة التي لم تجرؤ عليها النخب السودانية بعد.
لقد جُرِّبَت كل المسميات: حكومات مدنية، وانقلابات عسكرية، وتحالفات ثورية، وانشقاقات حزبية، ومؤتمرات سلام لا تُحصى، لكنّ الجوهر ظلّ واحدا: نخبة مغلقة تدور حول ذاتها، لا تؤمن إلا بذاتها، وتتعامل مع الشعب كجمهور خاضع لبلاغتها لا كشريك في الوعي والقرار.
إنها نخبة تمارس السياسة كطقس لغوي، وتستبدل الفعل بالبيان، والواقع بالرمز، حتى صار الخطابُ الوطني اليوم أقرب إلى مرثية جماعية منه إلى مشروع للتحول.
ولعلّ أقسى ما يمكن أن يُقال عن النخب السودانية، أنها فقدت قدرتها على الإحساس باللحظة التاريخية، فبينما تنفجر البلاد حربًا بعد أخرى، وتتهاوى مدنها في الفقر والنزوح، ما تزال النخبة مشغولة بمعاركها القديمة: من الأفضل، من الأصدق، من الأكثر وطنية؟
كل طرفٍ فيهم يريد أن يخرج من ركام التاريخ نظيفا، حتى لو غرق الوطن بأكمله في الطين، وهنا يكمن جوهر التدليس المشار إليه في المقال، وهو، تبرئة الذات بإدانة الكُل، والاختباء وراء "نحن" الغامضة كي لا يقال أنا.
إنّ تحرير السودان من هذه اللعنة لن يتحقق بإبدال نخبة بنخبة، ولا بإعادة تدوير ذات الوجوه بأسماء جديدة، بل بثورة فكرية حقيقية تُعيد تعريف معنى النخب نفسه، لا بوصفها طبقة متميزة بالعلم أو بالخطابة، بل بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مكانة اجتماعية، فالنخبة الحقّة هي التي تربط الفكرة بالفعل، والمبدأ بالموقف، وتعرف أنها تُحاسَب قبل أن تُكرَّم، وحين يدرك المثقف أو السياسي أنه خادمٌ لفكرة العدالة لا سيِّدٌ على الشعب، عندها فقط يمكن أن يبدأ البناء من جديد.
لكن هذا التحول لن يحدث من تلقاء ذاته، ولا بمجرد الوعظ الوطني، إنه يتطلب ضغطا شعبيا واعيا يضع الجميع أمام مرآة الحقيقة، فالشعوب التي تكتفي بالتصفيق لخطابات النخب تظلّ رهينةً لها، بينما تلك التي تُسائل وتُحاسب هي التي تخلق نخبتها من رحم التجربة، لا من عاج الصحف والمنافي.
إنّ جيل الشباب السوداني وهو الذي ذاق طعم الثورة والخذلان معا، هو المؤهل لقيادة هذا الوعي الجديد، شرط أن يتحرر من عقدة الانبهار بالأسماء الكبيرة، وأن يدرك أن صنع التاريخ لا يكون بالتلقي، بل بالمبادرة، وعليه، فإنّ مستقبل السودان لن يُصاغ بيد من كتبوا عن الخيبة، بل بيد من امتلكوا شجاعة تحويلها إلى درس، والمستقبل ينتمي إلى من يربط بين الحلم والمسؤولية، بين الحرية والانضباط، بين النقد والمحاسبة.
أما النخب التي أدمَنَت الرقص على الجراح، وتلاعبت بمفاهيم الثورة والديمقراطية لتبرير بقائها في المشهد، فقد آن لها أن تغادر، لا لأن أحدا يكرهها، بل لأن البلاد لم تعد تحتملها، فلتكن هذه الخاتمة دعوة لا للبكاء على الوطن، بل لتجديد معنى المواطنة نفسها، دعوة إلى ثورة في الوعي قبل أي ثورة في الشوارع، فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المقالات التي تشتم النخب، بل إلى أجيال تؤمن أن النهضة تبدأ من نقد الذات والعمل الصامت من أجل الإنسان، فحين يتصالح الضمير مع الحقيقة، وتسقط آخر أقنعة الادعاء، سيتكشف أن الخلاص لم يكن بعيدا يوما، بل كان ينتظر فقط من يمتلك شجاعة النظر في المرآة والبدء من الصفر.