النخب تريدنا أن نصوم ونفطر على بصلة كتبه خالد كودي

النخب تريدنا أن نصوم ونفطر على بصلة كتبه خالد كودي


02-25-2026, 11:32 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1772062320&rn=0


Post: #1
Title: النخب تريدنا أن نصوم ونفطر على بصلة كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 02-25-2026, 11:32 PM

11:32 PM February, 25 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





بين وهم أن الحرب بدأت أمس، وإنكار جذورها التاريخية العميقة، وسؤال الخروج الحقيقي منها
25/2/2025 خالد كودي، بوسطن
ليست أخطر ما تمارسه النخب السودانية اليوم أنها تخطئ في التقدير السياسي، بل أنها تُصرّ على تبسيط المأساة إلى حدّ تفريغها من تاريخها، وتجريدها من سياقها البنيوي، ومنع الوعي الجمعي من بلوغ جذورها العميقة. باسم "السلام"، وباسم "الاستقرار"، وباسم "التحول المدني الديمقراطي"، تريدنا هذه النخب أن نصوم ونفطر على بصلة: أن نعيش الكارثة بذاكرة قصيرة، وأن نختزل الحرب في تاريخٍ قريب، وأن نتعامل مع الدمار كحادثٍ مفاجئ وطارئ، لا كنتيجة لمسار طويل من العنف المُأسس والتهميش والاختلال البنيوي!
وفي هذا السياق، تلجأ هذه النخب إلى الهروب المنهجي نحو خطاب "إعادة الإعمار"، لا بوصفه ثمرةً لسلامٍ حقيقي، بل كبديلٍ زائف عن مواجهة الأسئلة الصعبة: لماذا دُمِّر السودان أصلًا؟ وكيف صُنعت هذه الحرب؟ ومن الذي راكم شروطها عبر العقود؟ يتحول الإعمار هنا إلى أداة تسويف سياسي، وإلى محاولة لطمس حقيقة أن للسلام المستدام استحقاقات أخلاقية وتاريخية ودستورية لا يمكن تجاوزها بالإسمنت والتمويل.
ومن الناحية الأخرى، يفتح هذا الخطاب المجال واسعًا لإعادة إنتاج الامتياز والاغتناء، عبر السيطرة على مليارات "إعادة البناء" وتوجيهها إلى شبكات النخب نفسها، في دورة جديدة من الفساد والاحتكار باسم التنمية. فكيف يُعاد البناء في واقع ما تزال فيه الحرب فاعلة، والجبهات مفتوحة، والدولة مفككة، والمجتمع منزوع الأمان في معظم أرجاء البلاد؟ إن الحديث عن إعمار بلا سلام تأسيسي ليس سوى وهمٍ منظم، يموّه الأزمة، ويعيد إنتاجها، ويحوّل الخراب من مأساة وطنية إلى فرصة استثمار سياسي واقتصادي للنخب القديمة.

أولًا: حين تُختزل الحرب في 15 ديسمبر
كثير من الخطاب السائد يتعامل بإصرار مع الحرب كما لو أنها بدأت فجأة في 15 ديسمبر، وكأن السودان كان قبلها دولة طبيعية اختلّ توازنها فجأة. هذا إنكار تاريخي لا يفسر شيئًا، بل يهرب من السؤال الأصعب: لماذا ظلّ السودان—منذ الاستقلال—يُنتج الحروب بوتيرة ثابتة؟
الحرب لم تبدأ في ديسمبر، ولا في أبريل. الحرب بدأت حين تأسست الدولة على الاحتكار: احتكار السلطة، والهوية، والثروة، والسلاح. بدأت حين صيغت "الدولة الوطنية" بلا عقد اجتماعي، وبلا مواطنة متساوية، وبلا اعتراف بالتعدد. بدأت حين تحوّل الجيش إلى فاعل سياسي منذ 1958، وحين صارت السياسة طريقًا إلى الثكنة، وصارت الثكنة طريقًا إلى الحكم.
دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، وقبلعم الجنوب—هذه ليست هوامش زمنية، بل مراكز مبكرة للحقيقة. الجديد هذه المرة ليس الحرب، بل أن الحرب وصلت إلى وسط وشمال السودان، وأن ما كان يُرى قديمًا "صراع أطراف" صار تجربة معيشة للجميع.

ثانيًا: تجربة الوسط والشمال والحرب… حين تتبدّد الأساطير
للمرة الأولى في التاريخ السوداني الحديث، يعيش قطاع واسع من سكان الوسط والشمال تجربة الحرب الشاملة بكل أبعادها المادية والنفسية والاجتماعية: اللجؤ والنزوح القسري، انهيار منظومات الأمان، فقدان الممتلكات، تفكك الروابط الاجتماعية، والخوف اليومي من الموت والعوز. وقد كشفت هذه التجربة—على قسوتها—هشاشة أسطورة "الدولة الحامية"، وزيف الاعتقاد بأن العنف يمكن احتواؤه في الأطراف أو عزله جغرافيًا دون أن يرتدّ على المركز.
غير أنّ هذه الصدمة الوجودية، بدل أن تتحول إلى لحظة وعي تاريخي جماعي، تُواجَه لدى قطاعات واسعة من النخب بمحاولة احتوائها داخل قوالب فكرية قديمة، من قبيل: "العودة إلى مسار ثورة ديسمبر"، أو "استعادة التحول المدني الديمقراطي على نموذج مارس وأبريل وديسمبر"، وكأن مسار التاريخ قابل للاستئناف من النقطة التي توقف عندها، وكأن الدخول في حرب شاملة يعادل الخروج منها إداريًا أو سياسيًا!
ويكشف هذا المنطق عن قصور عميق في فهم طبيعة التحولات التي تُحدثها الحروب في بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد والوعي. فالحرب لا تُدمّر البنية التحتية فحسب، بل تُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، وتُنتج اقتصادًا موازياً، وتُرسّخ ثقافات عنف، وتُضعف الثقة العامة، وتُغيّر موازين القوة داخل المجتمع. ومن ثمّ، فإن التعامل معها بمنطق "الاستعادة" بدل "إعادة التأسيس" لا يُعدّ سذاجة سياسية فحسب، بل مخاطرة أخلاقية ومادية جسيمة.
فالدرس الأخلاقي للحرب يتمثل في ضرورة الاعتراف بمسؤولية الدولة والنخب عن صناعة شروط العنف، لا الاكتفاء بدور الضحية المتأخر. أما الدرس المادي الموضوعي، فيكمن في إدراك أن المجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها وشرعيتها وقيمها، لا إلى ترميم شكلي لمسارات سابقة ثبت عجزها. ومن دون استيعاب هذين الدرسين، تتحول الدعوة إلى "العودة" إلى آلية إنكار جماعي، تُمهّد—عن قصد أو غير قصد—لدورات عنف جديدة أكثر قسوة وتعقيدًا.

ثالثًا: وهم العودة… حين يصبح الماضي ملجأً للعجز
الدعوة إلى "العودة إلى ما قبل الحرب" ليست موقفًا محايدًا ولا خيارًا عمليًا، بل تعبير صريح عن عجز في الخيال السياسي. فعندما تعجز النخب عن تصور أفق جديد يتناسب مع حجم الدمار والانهيار، تلجأ إلى الماضي بوصفه ملاذًا رمزيًا؛ لا لأنه قابل فعليًا للاستعادة، بل لأنه يبدو أقل خطورة من مواجهة واقع جديد يتطلب قرارات جذرية ومؤلمة.
غير أن التاريخ يؤكد أن الحروب الكبرى لا تُغلق بإعادة تشغيل ما سبقها. فالدخول في الحرب يغيّر المجتمعات والدول والوعي العام تغييرًا عميقًا، ويجعل العودة إلى النقطة السابقة مستحيلة سياسيًا وماديًا. لذلك فإن الخروج الحقيقي من الحرب لا يكون استئنافًا إداريًا لمسار تعطّل، بل لحظة قطيعة تاريخية يُعاد فيها تعريف الدولة، وتُبنى شرعية جديدة، ويُصاغ عقد اجتماعي مختلف يعالج الأسباب التي قادت إلى الحرب أصلًا.
في أوروبا، لم تُنهِ الحرب العالمية الثانية بمجرد إعادة تشغيل جمهوريات ما قبل 1939. لقد أدركت المجتمعات الأوروبية أن الفاشية لم تكن حادثًا طارئًا، بل نتاج أزمات بنيوية في الاقتصاد والسياسة والهوية. لذلك جاءت مرحلة ما بعد الحرب بإعادة تأسيس عميقة: دستور ألماني جديد يقيّد السلطة التنفيذية ويحصّن الحقوق، دولة رفاه اجتماعي تُعيد توزيع الثروة، منظومة أوروبية للتكامل تتجاوز منطق الدولة القومية المتصارعة. لم يكن الحل "عودة" إلى الماضي، بل قفزة تأسيسية إلى نموذج جديد للدولة والسيادة.
وفي جنوب أفريقيا، لم تنتهِ حقبة الأبارتهايد بإصلاحات إجرائية أو بتدوير النخبة البيضاء داخل نظام معدل. كان الحل عقدًا اجتماعيًا جديدًا، ودستورًا يؤسس للمواطنة المتساوية، ولجنة حقيقة ومصالحة تعترف بالجرح بدل دفنه. لم يكن الهدف استعادة ما قبل الصراع، بل تفكيك بنيته الأخلاقية والقانونية وإعادة تعريف الدولة على أساس المساواة.
أما في رواندا، فلم تُغلق صفحة الإبادة الجماعية بإعادة تشغيل النظام السابق أو الاكتفاء بانتخابات شكلية. جرى تفكيك خطاب الكراهية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق مسارات عدالة مجتمعية وقضائية، وصياغة رؤية وطنية جديدة تعيد تعريف الهوية والانتماء. لقد فُهم أن العودة إلى ما قبل 1994 كانت تعني إعادة إنتاج شروط المجزرة.
وفي الولايات المتحدة، لم يُلغَ الرق بمجرد إعلان سياسي، بل تبعته تعديلات دستورية جوهرية (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر)، وصراع طويل لإعادة تعريف المواطنة والحقوق المدنية. ومع ذلك، فإن الفشل في تفكيك البنى العنصرية بالكامل أدى إلى قرن إضافي من التمييز المؤسسي، ما يؤكد أن الإصلاح الشكلي لا يقتلع الجذور.
هذه الأمثلة لا تُستدعى للمقارنة البلاغية، بل لتوضيح قاعدة تاريخية: المجتمعات التي تخرج من الحروب الكبرى تحتاج إلى إعادة تأسيس عميقة، لا إلى استعادة إجرائية.
أما في السودان، فإن بعض النخب تدعونا إلى إعادة تدوير الوصفة نفسها التي أثبتت عجزها: انتقال شكلي داخل بنية الدولة القديمة، انتخابات متعجلة بلا ضمانات تأسيسية، مصالحة بلا عدالة تاريخية، وإعمار بلا مساءلة سياسية أو تفكيك للعنف البنيوي. هذا ليس مشروع خروج من الحرب، بل إدارة مؤقتة لنتائجها. إنه الصوم والفطور على بصلة بعينه: تحمّل الألم، ثم الاكتفاء بأقل القليل، دون معالجة السبب الذي صنع الألم أصلاً.
فالعودة إلى الماضي، في سياق كهذا، ليست حنينًا بريئًا، بل إعادة إنتاج للكارثة. والخروج الحقيقي من الحرب لا يكون باستدعاء نموذج سابق فشل، بل بجرأة التأسيس على أسس جديدة: دولة تُعاد صياغتها، وشرعية تُعاد تعريفها، وعدالة تُؤسَّس لا تُؤجَّل.

رابعًا: الإعمار قبل الفهم… استعجال الخرسانة وتأجيل الحقيقة
من أكثر الشعارات رواجًا اليوم: “إعادة الإعمار”. لكن الإعمار—من دون فهم أسباب الدمار—ليس إلا إعادة إنتاج للهشاشة. الخرسانة لا تعالج العطب السياسي، ولا تُرمّم العقد الاجتماعي.
التاريخ يُعلّمنا أن الإعمار الناجح يسبقه تفكيك للأسباب: لماذا انهارت الدولة؟ كيف أُنتج العنف؟ من استفاد من الحرب؟ ما طبيعة الاقتصاد الذي غذّاها؟ دون هذه الأسئلة، يصبح الإعمار مجرد سباق شركات فوق ركام لم يُحاسَب عليه أحد.

خامسًا: تحوّل طبيعة الحرب… من نزاع عسكري إلى تشكّل كتلة تاريخية ضد التهميش
صحيح أن حرب ديسمبر اندلعت في ظاهرها كمواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، غير أن هذا التوصيف الأولي لم يعد كافيًا لفهم ما آلت إليه الحرب. فالصراعات المسلحة، كما تُظهر دراسات النزاع المقارن، قد تبدأ غالبًا بصدامات بين تشكيلات عسكرية، لكنها تتطور—إذا كانت جذورها بنيوية—إلى صراعات على تعريف الدولة نفسها. وهذا هو ما حدث في السودان
لقد تحوّلت الحرب من تنازع على السلطة إلى صراع أعمق على معنى الدولة وشرعيتها واحتكارها للعنف. ولم يعد المشهد مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين، بل امتدادًا تاريخيًا لسلسلة حروب خاضها المهمّشون في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، وغيرها من الأقاليم التي حملت السلاح لأسباب متشابهة في جوهرها: التهميش البنيوي، احتكار المركز للسلطة والثروة، غياب المواطنة المتساوية، وغياب العدالة.
تاريخيًا، لم تكن حروب المهمّشين حروبًا متفرقة بلا رابط، بل تعبيرات متعددة عن أزمة واحدة: أزمة الدولة المركزية التي أُنشئت بعد الاستعمار ولم تُعاد صياغتها على أساس التعدد والمساواة. ولذلك، فإن أسباب حمل السلاح في الأطراف—رغم اختلاف السياقات الجغرافية—كانت متشابهة في بنيتها: الإقصاء السياسي، الحرمان التنموي، العنصرية المضمرة، وتسييس المؤسسة العسكرية لصالح نخبة محددة.
ما نشهده اليوم هو تبلور تلك الأسباب المتراكمة في لحظة انفجار شامل، حيث لم يعد الصراع محصورًا في "أطراف بعيدة"، بل امتدّ إلى قلب الدولة. بهذا المعنى، تحوّلت الحرب الراهنة إلى لحظة إعادة تجميع تاريخي للقوى التي تشترك في تجربة التهميش، وأصبحت أقرب إلى تشكّل ما يمكن تسميته—بلغة غرامشي—بـكتلة تاريخية جديدة، تتجاوز الانقسامات الجهوية والقبلية، وتتوحّد حول إدراك مشترك لطبيعة الأزمة البنيوية.
فالكتلة التاريخية، في معناها النظري، لا تقوم على التحالف العسكري فحسب، بل على وعي مشترك بالأسباب العميقة للأزمة، وعلى مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تعريف الدولة والشرعية. وفي هذا الإطار، لم تعد الحرب مجرد صراع على من يحكم، بل صراعًا على كيفية الحكم، وعلى طبيعة الدولة التي يُراد لها أن تقوم: هل تبقى دولة مركزية عسكرية تعيد إنتاج الامتياز، أم تتحول إلى دولة ديمقراطية لامركزية تعترف بتعددها وتُعيد توزيع السلطة والثروة؟
من لا يرى هذا التحول البنيوي يظل أسير توصيف أمني تقليدي، يتعامل مع الحرب كاشتباك بين فاعلين مسلحين يمكن تفكيكه إداريًا. لكن الواقع أكثر تعقيدًا: نحن أمام صراع تاريخي متراكم، تتقاطع فيه مطالب العدالة والمواطنة والاعتراف، وتتشكل فيه تدريجيًا كتلة تاريخية تطالب بإعادة تأسيس الدولة من جذورها. وأي مقاربة سياسية لا تنطلق من هذا الفهم ستظل تفاوض على سطح الأزمة، بينما جذورها أعمق بكثير.

سادسًا: قراءة السودان الجديد — تفسير "تأسيس" لطبيعة الحرب
من منظور مشروع السودان الجديد وتحالف "تأسيس"، لا تُفهم الحرب بوصفها انحرافًا عارضًا عن مسار دولة "سليمة" تعرّضت لخلل مؤقت، بل تُفهم بوصفها إحدى آليات استمرار الدولة القديمة حين تعجز عن إنتاج شرعية سياسية وأخلاقية جديدة. فالدولة التي قامت تاريخيًا على التمييز، وعسكرة المجال العام، واحتكار السلطة والثروة، وإقصاء أغلبية المجتمع، لا تميل—عندما تهتز—إلى الإصلاح الذاتي، بل إلى إعادة إنتاج العنف وتفجير المجتمع من الداخل حفاظًا على امتيازاتها.
بهذا المعنى، الحرب ليست فشلًا طارئًا في إدارة الخلاف، بل نتيجة منطقية لبنية دولة مأزومة استخدمت السلاح بدل السياسة، والقهر بدل العقد الاجتماعي، والتعبئة بدل المشاركة. ولذلك، لا يكفي وقف إطلاق النار، ولا تكفي التسويات الإجرائية، ولا إعادة ترتيب موازين القوة داخل الإطار القائم. المطلوب هو تفكيك البنية التي أنتجت الحرب وشرعنتها، وفي مقدمتها:
- مؤسسة عسكرية فوق السياسة والدستور،
- مواطنة مشروطة بالهوية والجهة والولاء،
- مركز يحتكر القرار والموارد ويُهمّش الأقاليم،
- منظومة عدالة مؤجّلة أو انتقائية تُبقي الجراح مفتوحة
من دون تفكيك هذه الأسس، ستظل كل تسوية مؤقتة، وكل سلام هشًّا، وكل انتقال معرضًا للانفجار.

سابعًا: لا مخرج بلا وعي الجذور… ولا سلام مع إنكار الأسئلة
لا مخرج حقيقي للسودان من أزمته التاريخية دون وعي عميق وجماعي بالأسئلة التأسيسية التي ظلت مؤجّلة لعقود، وفي مقدمتها:
- لماذا اندلعت الحروب أصلًا؟
- ما طبيعة الدولة التي تُنتج العنف باستمرار؟
- لماذا تتكرر دورات الانهيار رغم تعدد الاتفاقات؟
- من يستفيد من بقاء هذه البنية كما هي؟
الهروب من هذه الأسئلة—بحجة "الواقعية السياسية"، أو الخوف من الانقسام، أو الحرص على "الاستقرار"—لا يمثل حيادًا، بل انحيازًا موضوعيًا لاستمرار الأزمة. كما أن إنكار هذه الأسئلة أو القفز فوقها لا يعني زوالها، بل يعني تراكمها في العمق، إلى أن تنفجر في شكل حروب أشد قسوة وتعقيدًا.
وفي هذا السياق، تلعب قطاعات من النخب دورًا سلبيًا مزدوجًا: فهي لا تكتفي بتجاهل هذه الأسئلة، بل تسعى إلى تشويش الوعي بها، وإغراق النقاش العام في قضايا ثانوية، وتسويق حلول سطحية، وتصوير الطرح الجذري بوصفه "مغامرة" أو "تهديدًا للوحدة". وبذلك تحاول القفز فوق لحظة التأسيس التاريخية، حفاظًا على امتيازاتها ومواقعها داخل بنية دولة ثبت فشلها.
إن مشروع السودان الجديد لا يهرب من هذه الأسئلة، بل يجعلها نقطة الانطلاق لأي حل. فهو يدرك أن السلام لا يُبنى على الإنكار، وأن الوحدة لا تُصان بالقمع، وأن الاستقرار لا يتحقق بتدوير الأزمة، بل بتفكيك جذورها وإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمواطنة والمساواة والكرامة الإنسانية.

خاتمة: السودان الجديد… أفق الخروج الحقيقي من دوّامة الحروب
إن الخروج من الحروب لا يتحقق بالحنين إلى الماضي، ولا بترميم نظام منهار، ولا بترويج وعود سهلة تُسكّن الألم ولا تعالجه. الخروج الحقيقي يبدأ فقط حين نمتلك الشجاعة الفكرية والأخلاقية للاعتراف بأن الدولة القديمة—في بنيتها ومنطقها ووظائفها—قد فشلت، وأن الاستمرار في تدويرها يعني إعادة إنتاج المأساة بصيغ جديدة.
السودان القادر على كسر دورة الحروب هو سودان يُعاد تأسيسه على أسس واضحة لا لبس فيها:
- سودان علماني يحيّد الدين عن الصراع على السلطة، ويصون التعدد الديني والثقافي،
- ديمقراطي في مضمونه وممارساته، لا في شعاراته فقط،
- لامركزي فعليًا، يعيد توزيع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم بعدالة،
- تحكمه سلطة مدنية كاملة، وتُخضع المؤسسة العسكرية للدستور والمساءلة،
- تقوم فيه عدالة تاريخية شاملة لا انتقائية، تعترف بالضحايا وتُنهي الإفلات من العقاب،
- وتتحقق فيه وحدة طوعية تقوم على الرضا والمساواة، لا على القهر والإكراه.
وما عدا ذلك، ليس مشروع خروج من الحرب، بل إدارة مؤقتة لنتائجها، واستراحة قصيرة قبل انفجار جديد. إنه إعادة إنتاج للوهم نفسه الذي تُصرّ النخب على تسويقه للناس: صبر طويل، وتضحيات جسيمة، ثم فطور على بصلة. أما مشروع السودان الجديد، فهو وحده الطريق الذي يستبدل هذا الوهم بأفق تأسيسي حقيقي، يضع حدًا لدورات الخراب، ويفتح باب المستقبل على أساس العدالة والكرامة والمواطنة.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)