Post: #1
Title: ثقافة الفقر في رسالة علي محمود لمادبو كتبه د.أمل الكردفاني
Author: أمل الكردفاني
Date: 02-25-2026, 11:25 PM
11:25 PM February, 25 2026 سودانيز اون لاين أمل الكردفاني-القاهرة-مصر مكتبتى رابط مختصر
كما أسلفنا فإن ثقافة الفقر هي التي شكلت هوية الإدارة والحكم في السودان، إذ أن الفقر -وهو عيب كبير جداً- لا ينفك يبث كل سلبياته داخل النفس البشرية، فلو كان الفقر رجلاً لقتلته. كنت عندما أدخل إلى المحكمة، أعرف مباشرة إن كان القاضي عابر من بيئة الفقر، أم ترعرع في أسرة برجوازية متمدينة، إذ أن الهمجية والمدنية لا يلتقيان، القاضي الذي كان يشتم الفتاة وهو يأمر الشرطي بجلدها لا شك أنه قادم من بيئة الفقر، بيئة العنف، بيئة شح الموارد، وبالتالي بيئة الصراع عليها، بيئة مقت للأغنياء والحسد، والألفاظ السوقية، التي تنتقل مع الفرد مهما ترقى في الدراسة أو حتى شغل منصباً. بل أن ثقافة الفقر تنعكس مباشرة على قراراته التي لا تتأسس على العلم والمصلحة العامة بقدر ما تتأسس على التعنت وصلف مستجدي النعم. لا يمكنني أبداً أن أخفي سروري بمقال علي محمود، الذي استخدم فيه ألفاظاً تفتقر للحس الأدبي، بل اتسمت بلغة خشنة، تفتقر لأدب الطبقة الوسطى المتمدينة، وأقول بأنني سررت برسالته هذه لأنني قبلها ببضعة أسابيع كنت قد كتبت عن مأساة السودان وذلك لأن سبب هذه المأساة الأساسي هو حكم طبقة البلوريتاريا الوضيعة، التي تنتقل فجأة من الفقر إلى النعيم، فتكون إدارتها للدولة أقل بكثير من إدارة زريبة فحم. دعنا نراجع أول قرار اتخذه علي عثمان محمد طه، كان أول قرار له هو إزالة حديقة الحيوان، ليس لتحقيق المصلحة العامة بل لكي ينسف ماضيه حين كان والده خفيراً فيها. وعلى العكس تماماً فعمر البشير الذي كان يعمل حلاب لبن لأبقار اليهودي كافوري، وحتى يتجاوز ماضيه قام بتحويل منطقة كافوري لمنطقة الأغنياء، وكان هذا قراراً ذكياً فهو لم يمحُ ماضيه بل حول الذاكرة الجماعية-ومن ثم الموقف النفسي الجماعي- من التصور السلبي لتلك المنطقة إلى تصور إيجابي. وإذا تعمقنا أكثر سنجد أن أول قرار اتخذه معتمد الخرطوم المدعو اللواء أبو شنب هو منع بائعات الشاي الفقيرات من بيع الشاي في الشوارع بحجة قبحهن، رغم أن ابو شنب من فلاحي القرير، كان أهله يتغوطون في الخلاء إلى وقت قريب وهم يحملون أباريقهم للتطهر وقطع الجمار بالحجر (اي الاستنجاء من البول). مأساة السودان لم تتوقف على هؤلاء ولا على علي محمود، لقد نشأت منذ الاستقلال، حين تسيد الأمر أبناء الفقراء، وهم لا يملكون حساسية تجاه (معنى الدولة)؛ لذلك لم يكن غريباً على عبود أن يهدم الآثار التاريخية بمنطقة حلفا القديمة ويغرق كنوزاً أثرية لا تقدر بثمن من أجل استرضاء مصر. ففي ثقافة الفقر لا يمكن لهذا البائس أن يقيم التاريخ والفنون والآداب والتراث تقييم الطبقات البرجوازية. إنه إنسان بائس غارق في صراعه مع شح الموارد، ولأن المجتمعات الفقيرة يندر فيها التعليم، ومن ثم فإن من يتعلم يصبح قبلة مقدسة عند أهله الأميين، فهو يشعر بالاستعلاء والأهمية، لذلك تكون كل قراراته غير مستندة على شيء سوى التعنت. لذلك كلما قرأت سطراً مما كتبه علي محمود؛ وجدت إثباتاً عملياً على صحة نظريتي حول مشكلة اسناد مهام إدارة الدولة إلى القادمين من بيئات فقيرة. عندما يقول وزير سابق واصفا مادبو (بالبليد) فهذا يعكس مباشرة العقلية التي كانت تدير الدولة، ناهيك عن التناقضات التي ازدحم بها رد علي محمود والتي لا تهمني ها هنا لأن معرض حديثي هو مشكلة تأثير ثقافة الفقر على إدارة الدولة. ولا أقصد بذلك أن على الدولة ألا تعين أبناء الفقراء في مناصب أو وظائف عليا، وإنما أقصد أن الدولة يجب أن تفعل ذلك ولكن بعد جيل أو جيلين. فمثلاً بعد أن انتقل علي محمود من بيئة الفقر فأصبح موظفاً عادياً، فإن أبناءه سيكونون قد تربوا في وضع أعلى مما تربى فيه والدهم وبالتالي يمكن تعيين أبناء علي محمود في مناصب أعلى. في مصر مثلاً لا يمكن تعيين ابن بواب قاضياً أو وكيل نيابة، بل على ابن البواب هذا أن يعمل محامياً وبالتالي لا تنتقل ثقافة الفقر إلى أبنائه، وحينها يمكن تعيين أبنائه في النيابة أو القضاء. فالمسألة لا تعني حرمان الفقراء بشكل تعسفي أو طبقي، وإنما للصالح العام، فنحن لا نريد وزراء لغتهم لغة وضيعة، بل أبناء ناس تعرفهم بسيماهم وبأسلوب حديثهم الراقي. أتذكر عندما قام القحاطة بتشكيل حكومتهم، وقرأت اسم أكرم كرونا كوزير للصحة قلت لأصدقائي: هذا الوزير أول من سيتم ركله بالشلوت. وعندما سألوني عن السبب قلت لهم بأن أكرم هذا من أسرة برجوازية محترمة ومتمدينة وبالتالي فهو لن يتحمل خوض الصراعات مع القادمين من ثقافة الفقر. وبالفعل تحققت توقعاتي، وتكالب وزراء البروليتاريا عليه تكالب الذئاب على الحمل الوديع، فأعطوه بالشلوت، وخرج لا بواكي عليه. لا يمكننا أن نغفل ذلك الشعور بالمقت الذي كان يقطر من مقال علي محمود الذي شتم فيه الوليد مادبو، شتمه وهو يقدح فيه الغنى والصيت الذي تربى داخله الوليد ما دبو، قدح في تربية الوليد مادبو في بيت العز، قدح عدم معاناة الوليد كما عانى هو في الأكل والشرب والتعليم، وعقله الباطن يزين له بؤسه تزييناً مضللاً ومخاتلاً، فلا يمكن أبداً أن تتساوى ثقافة الفقر الحقودة مع ثقافة الغني المطمئنة.
|
|