Post: #1
Title: آية استوقفتني في قراءتي اليوم كتبه علي الكنزي
Author: علي الكنزي
Date: 02-25-2026, 03:04 AM
03:04 AM February, 24 2026 سودانيز اون لاين علي الكنزي-الخرطوم - السودان مكتبتى رابط مختصر
بسم الله الرحمن الرحيم من رسائل النور والظلام علي الكنزي [email protected] بسم الله الرحمن الرحيم من رسائل النور والظلام علي الكنزي [email protected]
(١) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ) وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( (هود: 44) لم تكن وقفة تفسير، ولا بحثًا لغويًا بل لحظة تأمل شعرت أنني أمام مشهد لخلق جديد يتشكل أمام عيني هذه الآية ليست مجرد نهاية لطوفان بل هي نهاية عالم وبداية آخر بين قولين يولد عالم تبدأ الآية بـ: "وقيل" وتنتهي بـ: "وقيل" وكأن المشهد كله محاط بإطار صوتي قول أول يوقف الفوضى وقول أخير يحسم العدالة بين هذين القولين تختصر الآية انحسار الطوفان انتهاء مرحلة استقرار السفينة إغلاق صفحة الظالمين كأن التاريخ كله وقع بين كلمتين (٢) خطاب للكون… لا للبشر تخاطب الآية الأرض والسماء "يا أرض ابلعي ماءك" "ويا سماء أقلعي" لا حديث عن نوح ولا عن الناجين ولا عن الغارقين الكون وحده يتحرك الأرض تستعيد توازنها السماء تتوقف الماء ينخفض كأن عناصر الوجود خرجت عن نظامها ثم عادت بأمر واحد (٣) الإيجاز الذي يغني عن رواية لو أردنا تحويل هذا المشهد إلى عمل روائي لاحتجنا إلى وصف الطوفان هدير الماء اضطراب السماء لحظة السكون ظهور الجبل استقرار السفينة إعلان النهاية لكن القرآن يضغط كل ذلك في أفعال قليلة غيض الماء قضي الأمر استوت كل فعل منها يحمل مشهدًا كاملًا لا تفصيل ولا انفعال زائد ولا وصف مطوّل ومع ذلك نشعر بعظمة الحدث ٤١) هيبة المبني للمجهول تكرار "وقيل" بصيغة المبني للمجهول ليس عارضًا الفاعل معلوم لكن التركيز على الحدث نفسه الأمر يصدر والكون يمتثل لا حاجة لذكر القائل حين يكون الجلال حاضرًا في كل حرف لحظة إعادة التكوين أكثر ما استوقفني هو هذا الإحساس أنني لا أقرأ نهاية كارثة بل أشهد إعادة ترتيب العالم "واستوت على الجودي" كلمة "استوت" وحدها تحمل سكونًا بعد عاصفة كأن الكاميرا تثبت بعد اهتزاز طويل (٥) ثم تأتي الخاتمة "وقيل بعدًا للقوم الظالمين" لا وصف للغرق لا ذكر للصراخ فقط حكم نهائي انتهى العالم القديم وبدأ عالم آخر (٦) غير أن ما استوقفني أكثر هو أن البداية والنهاية كلمة واحدة (“وقيل”) الكلمة نفسها لكن موقعها في النص متباعد كأنها في دوران سرمدي لا يكاد يلتقي طرفاه الأولى تطلق أمرًا كونيًا يعيد ضبط الوجود، والأخيرة تنطق بحكم أخلاقي يُسدل الستار الكلمة واحدة لكن بينهما عالم ينهار وعالم يولد كأن الوجود كله يقع بين كلمتين وكأن التاريخ ليس إلا صدى لقول (٧) لماذا استوقفتني؟ لأن الآية لا تصرخ ولا تستعرض المشهد ولا تغرق في التفاصيل بل تقول فينتهي الطوفان وتقول فيُطوى الظلم هكذا، في جلال هادئ يجذبك النص نحو الله جذبًا لطيفًا لا عنف فيه إنها آية لا تحكي قصة فحسب بل تذكّرك أن العالم كله قد يتحرك بين كلمتين (٨) لم أُغلق المصحف تلك الليلة عزَّ عليَّ أن أنصرف عنه، وكأن الآية أمسكت بقلبي بلطف أدركت أنني لم أُعطِ هذا الكتاب حقَّه من التأمل والتدبر والتفكر، ومن الوقوف عند آياته وأن كلمةً واحدةً فيه قادرةٌ على أن تعيد للروح توازنها وفي تلك اللحظة أيقنتُ من جديد أن الأمر كله إليه وأنه سبحانه ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون الساعات الاولى من صباح الاربعاء ليلة السابع من رمضان ١٤٤٧ الموافق 25 فبراير 2026
|
|