البحث عن الدولة في جيوب ميليشيا الجنجويد.. تشريح لوهم حميرتي في كمبالا! عبدالغني بريش فيوف في مشهد حزين لا يمكن أن ينتجه إلا العبث السياسي السوداني، يقف محمد حمدان دقلو، المعروف بحميرتي، بلبسة مدنية أنيقة في كمبالا، محاولا تقمص دور رجل الدولة، متحدثا عن الانفتاح والسلام وبناء الجيوش. هذا المشهد بحد ذاته يختزل المأساة السودانية في أقسى تجلياتها، إذ كيف لأمة عريقة، تعج بالمتعلمين، والساسة المحنكين، والخبرات الاقتصادية، وتاريخ طويل من الخدمة المدنية، أن ينتهي بها المطاف رهينة لطموحات قائد ميليشيا لم يفك الخط إلا ليتعلم كيف يوقع على شيكات بيع ثروات البلاد وجلب المرتزقة؟ إن السؤال الذي يطرح نفسه بمرارة وحرقة، ليس حول ما قاله حميرتي في أوغندا، بل حول الجرأة التي يمتلكها هذا الرجل ليطرح نفسه كجزء من الحل، بينما هو أس البلاء وجذر المشكلة. سيكولوجية الجنرال الأمي والبندقية كبديل للكفاءة.. إن تحليل خطاب حميرتي الأخير أمام الجالية السودانية في أوغندا، ولقاءه بالديكتاتور يوري موسيفيني، يكشف عن فجوة هائلة بين الواقع المعقد للأزمة السودانية، وبين العقلية التبسيطية الساذجة التي يدير بها حميدتي الصراع. الأزمة السودانية ليست مجرد خلاف عسكري، إنها أزمة هوية، واقتصاد منهار، ونسيج اجتماعي متمزق، وعلاقات دولية شائكة، وحل هذه المعضلات يتطلب مشرط جراح ماهر، وعقلا استراتيجيا يدرك مآلات الأمور، لا شخصا يرى العالم من خلال فوهة البندقية ومنظار الغنيمة. حميرتي، الذي صعد من العدم عبر بوابة العنف والارتزاق، يحاول اليوم القفز فوق واقعه الذاتي، رغم إنه يدرك في قرارة نفسه عقدة النقص التعليمي والمعرفي التي تلاحقه، ولذلك يلجأ إلى تضخيم القوة لتعويض ضمور الحكمة، فعندما يقول في خطابه، قواتنا في أفضل أوضاعها، ولدينا أكثر من 500 ألف مقاتل بكامل جاهزيتهم، فهو هنا لا يتحدث لغة السلام كما يزعم في مطلع خطابه، بل يمارس الابتزاز السياسي الصريح، إذ كيف يستقيم الحديث عن انفتاح على الجهود الدولية لوقف الحرب في جملة، والتهديد بنصف مليون مقاتل في الجملة التي تليها؟ هذا التناقض الفج لا يصدر عن سياسي يدرك وزن الكلمات، بل عن زعيم عصابة يرى في أعداد المقاتلين العملة الوحيدة التي يملكها للصرف في سوق السياسة، والسؤال الأخطر، هو، من هم هؤلاء الـ 500 ألف مقاتل، ومن أين يتقاضون رواتبهم ولماذا يقاتلون؟ الإجابة التي يتجاهلها حميرتي، هي أن هؤلاء ليسوا جيشا نظاميا، بل هم مشروع نهب مسلح عابر للحدود، وقودهم دماء السودانيين وأموالهم المنهوبة، فكيف يمكن لهذا الجراد البشري أن يبني دولة؟ شماعة الإخوان والرقص على الحبال المقطوعة.. في خطابه، يكرر حميرتي لازمة أصبحت ممجوجة ومثيرة للشفقة، وهي، القضاء على الإخوان هدف لا تراجع عنه، هذه السردية التي يحاول بها حميدتي دغدغة مشاعر الغرب وبعض القوى الإقليمية، تكشف عن إفلاس سياسي مدو: أولاً/ لأن حميرتي نفسه هو صنيعة نظام الإخوان الذي يلعنه اليوم، حيث أرضعته الإنقاذ لبن التمكين، ومنحته الرتب العسكرية التي لا يستحقها، وفتحت له خزائن الدولة، ومحاولته غسل يده من تاريخه القريب عبر شيطنة صانعيه، هي قمة الانتهازية السياسية التي لا تنطلي على أحد. ثانياً/ إن اختزال الأزمة السودانية المعقدة في محاربة الإخوان، هو تسطيح مخل يهدف لشرعنة تدمير الدولة. حميدتي يستخدم فزاعة الكيزان كمبرر لحرق المدن، ونهب البنوك، واحتلال منازل المواطنين، إذ هل كان المواطن الذي طُرد من منزله إخواني، هل كانت المستشفيات التي دمرتها قواته مقرات لتنظيم الإخوان المسلمين؟ إن هذا الخطاب الخشبي والشوارعي، يكشف عن عقلية لا تملك أي مشروع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، بل تملك فقط عدواً مفترضا تعلق عليه كل جرائمها، إنه خطاب موجه للخارج، لمحاولة نيل صك غفران دولي يسمح له بالاستمرار في القتل تحت لافتة محاربة الإرهاب، بينما تمارس قواته إرهابا يفوق الوصف. الإسقاط النفسي من حركة الشباب إلى مرتزقة الساحل.. يصل خطاب حميرتي إلى ذروة الكوميديا السوداء، حين يحذر من إدخال الجيش لمقاتلين من حركة الشباب الصومالية، هذا الاتهام يمثل حالة كلاسيكية في علم النفس تسمى "الإسقاط"، حيث يرمي الشخص خصومه بعيوبه هو. العالم كله يعلم، والتقارير الأممية توثق، أن قوات الدعم السريع، هي كوكتيل من المرتزقة القادمين من تشاد، والنيجر، ومالي، وأفريقيا الوسطى، وولخ. قواته هي التي لا تتحدث بلسان أهل السودان، وهي التي جعلت من السودان ساحة استباحة لكل طامع في المنطقة، ثم يأتي بكل سذاجة، ليحدثنا عن حركة الشباب الصومالية؟ إن هذا التضليل المتعمد يعكس استخفافا بعقول السودانيين والمجتمع الدولي، فحميرتي، الذي بنى إمبراطوريته على تجنيد الأطفال والمرتزقة العابرين للحدود، يحاول أن يصور نفسه ذلك المناضل الطاهر المدافع عن الشعب السوداني من إرهاب الجيش السوداني، في محاولة بائسة لمساواة الرؤوس، وتحويل الصراع من تمرد ميليشيا ضد دولة إلى حرب أهلية بين فصائل متطرفة، لكن هذه الحيلة لم تعد تنطلي على أحد، لكنها تؤكد أن الرجل لا يملك أي وازع أخلاقي يمنعه من الكذب الصراح. وهّم الجيش الجديد وأكذوبة الزهد في السلطة.. لعل أخطر ما ورد في خطاب حميرتي هو قوله، نطالب بتأسيس جيش جديد ينهي سيطرة الإخوان، ومن يريد الحكم عليه خلع البدلة العسكرية. هنا تكمن أم المعارك، فحميرتي لا يريد إصلاح أوهيكلة الجيش، بل يريد استبداله وإحلاله بميليشيا قبلية عائلية مكانه، إنه يريد جيشاً يدين بالولاء لـ آل دقلو، لا للسودان. جيشاً عقيدته الغنيمة لا الوطن. أما حديثه عن أن من يريد الحكم عليه خلع البدلة العسكرية، فهو نكتة العام 2026، إذ من الذي يقاتل الآن من أجل السلطة، من الذي رفض الدمج خوفا من فقدان نفوذه السياسي والاقتصادي؟ حميرتي يقاتل ليبقى رقما سياسيا، بل ليكون الرقم واحد، وحديثه عن الزهد في السلطة، يتناقض مع سلوكه الميداني الذي يسعى للسيطرة على مفاصل الدولة، من القصر الجمهوري إلى الإذاعة والتلفزيون إلى البنك المركزي. إن اشتراطه خلع البدلة العسكرية، هو فخ ينصبه لخصومه، بينما هو يعلم يقينا أن قوته الوحيدة تكمن في كدموله الجنجويدي وفي بنادق مرتزقته، فحميرتي المدني لا يساوي شيئا في معادلة السياسة السودانية، هو بلا حزب، بلا قاعدة فكرية، بلا مؤهلات، وبلا تاريخ نضالي مدني، هو فقط رجل البندقية، فكيف يتخلى عنها؟ التباكي على الضحايا وتزييف التاريخ.. في محاولة لاستدرار العطف، يسرد حميرتي قصة الـ 6 آلاف جندي الذين قتلوا في وادي سيدنا وهم عزل، هذه الرواية الركيكة تطرح تساؤلات منطقية لا يستطيع عقل حميرتي استيعابها، إذ كيف لميليشيا مدججة بأحدث أنواع الأسلحة والمدرعات أن يكون لديها 6 آلاف جندي أعزل في قلب قاعدة عسكرية للخصم ساعة الصفر؟ هذه السردية البكائية تحاول طمس حقيقة أن قواته، هي التي بدأت بالانتشار الاستراتيجي ومحاصرة مطار مروي ومواقع الجيش قبل اندلاع الحرب بأيام. إنه يحاول إعادة كتابة تاريخ 15 أبريل ليظهر بمظهر الضحية، بينما كل الشواهد تؤكد أنه كان يخطط لإنقلاب خاطف يستولي به على السلطة في ساعات، وحين فشل الانقلاب، أشعل الحرب ليحرق البلاد. فاقد الشيء لا يعطيه.. إن مأساة السودان، ليست في الحرب فحسب، بل في تصدر الرداءة للمشهد، وإن شخصية محمد حمدان دقلو، تمثل انتصار الجهل على المعرفة، وانتصار الفوضى على الدولة، نحن أمام نموذج لقائد لا يفهم من السياسة إلا المناورة، ولا يفهم من الاقتصاد إلا التهريب، ولا يفهم من الأمن إلا البطش. إن الحلول لأزمات السودان المعقدة من التنوع العرقي، إلى الديني، إلى التنمية المستدامة، إلى العدالة الانتقاليةن تحتاج إلى عقول قانونية دستورية، وإلى خبرات إدارية متراكمة، وإلى روح وطنية متجردة، وهذه الصفات هي النقيض التام لما يمثله حميرتي. حميرتي لا يمكن أن يكون صانع سلام، لأنه ببساطة تاجر حرب، لأن السلام يعني نهاية دوره، ونهاية إمبراطوريته المالية، ونهاية سطوته، السلام يعني القانون، والقانون يعني المحاسبة، والمحاسبة هي آخر ما يريده حميرتي. لذلك، فإن أي رهان دولي أو محلي على أن يكون هذا الرجل جزءاً من مستقبل السودان هو رهان خاسر، بل هو وصفة لاستدامة الحرب وتحويل السودان إلى إقطاعية عسكرية تحكمها عائلة واحدة بقوة السلاح. ******************* في نهاية هذا التشريح القاسي لوهّم الدولة الذي يحمله حميرتي في جيوب ميليشياه، لم يعد السؤال المطروح هو، هل يصلح هذا الرجل لقيادة السودان، فالإجابة باتت أوضح من أن تُجادَل، بل السؤال الحقيقي، والأكثر إلحاحا، هو، كيف سُمح لهذا الوهّم أصلا أن يتمدد، وأن يجد من يستمع إليه في عواصم الإقليم والعالم، بينما يحترق السودان بنيرانه؟ إن أخطر ما في تجربة حميرتي، ليس فقط حجم العنف والدمار الذي ارتبط باسمه، بل محاولته إعادة تعريف مفاهيم الدولة والسياسة والشرعية على مقاس البندقية، إذ انه لا يرى الدولة بوصفها عقدا اجتماعيا، ولا مؤسسات، ولا قانونا، بل غنيمة كبرى، ومنصة لتبييض الماضي، وأداة لتكريس القوة، لذلك يتحدث عن السلام بلسان الحرب، وعن المدنية بقبضة الميليشيا، وعن المستقبل بعقلية السلب والنهب، وهذه ليست مفارقة عابرة، بل جوهر المشروع الذي يمثله. إن أي حديث عن جيش جديد أو مرحلة انتقالية أو شراكة سياسية في ظل وجود ميليشيا عابرة للحدود، ممولة من اقتصاد الظل، ومتشبعة بثقافة الإفلات من العقاب، هو حديث فارغ من المعنى، فالدولة لا تُبنى فوق جماجم مواطنيها، ولا تُؤسس بمرتزقة لا يعرفون اسم الوطن إلا كخريطة مفتوحة للنهب، ومن يعتقد أن بإمكانه استنساخ نموذج الدولة من رحم الفوضى، إنما يخدع نفسه أو يشارك في الخداع. ولعل المأساة الأعمق، أن هذا الخطاب لا يستهدف الداخل السوداني فقط، بل يراهن على تعب المجتمع الدولي، وازدواجية المعايير، ورغبة بعض القوى في الاستقرار بأي ثمن، لكن التاريخ القريب، في السودان وخارجه، يعلّمنا أن الاستقرار الذي تصنعه الميليشيات، هو استقرار المقابر، وأن التسويات التي تتجاهل العدالة لا تنتج سلاما، بل تؤجل الانفجار وتضاعف كلفته. إن الرهان على حميرتي، أو على أي نسخة مشابهة له، هو رهان على استمرار الانهيار، هو رهان ضد فكرة السودان نفسها، وضد تاريخه، وضد حق أجياله القادمة في العيش في دولة طبيعية، لا في معسكر كبير، فالرجل، بكل ما يمثله، ليس استثناءً في مسار الفوضى، بل تجسيدا مكثفا لها، وإذا لم تُهزم هذه الفكرة، فلن يُهزم الخراب. إن السودان، بكل ما فيه من جراح، لا يزال يملك فرصة للنجاة، لكن هذه الفرصة مشروطة بشجاعة أخلاقية وسياسية، داخلية وخارجية، تعترف بأن السلام لا يُشترى من تجار الحرب، وأن من أشعل النار لا يمكن أن يكون رجل الإطفاء، فالدول لا تُبنى بالابتزاز، ولا تُحكم بالتهديد، ولا تُدار بعقلية الغنيمة. في الختام.. إذا كان لا بد من درس يُستخلص من مشهد كمبالا وما شابهه، فهو أن أوهام القوة قد تطيل عمر الخراب، لكنها لا تصنع مستقبلا، أما السودان، ذلك البلد الذي أنجب حضارات، وحركات فكرية، ونضالات طويلة، فهو أكبر من حميرتي، وأبقى من ميليشياه، وأعمق من كل هذا العبث العابر، والرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس على رجل يحمل بندقية، بل على شعب، مهما طال نزفه، لا يمكن أن يُهزم إلى الأبد.
02-23-2026, 00:55 AM
Ali Alkanzi Ali Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11165
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة