Post: #1
Title: المخدرات في السودان: إعادة تموضع لحرب صامتة مدمرة كتبه مختار العوض موسى
Author: مختار العوض موسى
Date: 02-21-2026, 09:01 PM
09:01 PM February, 21 2026 سودانيز اون لاين مختار العوض موسى-Sudan مكتبتى رابط مختصر
من لم يمت بالسيف مات بغيره. ومن لم تدمره الحرب، يجد نفسه أمام سلاح بطيء، صامت، لكنه فتاك. هذا، على نحوٍ ما، ما يحدث في السودان اليوم. فبينما كادت الأحداث أن تضع أوزارها، اكتشفت البلاد أنها في مواجهة حقيقية مع تفشي المخدرات؛ بما يؤكد حقيقة أن النزاعات نادرًا ما تغادر المشهد بالكامل، بل تغيّر أشكالها وأدواتها، لتظهر في هيئة تهديد جديد أقل ضجيجًا وأكثر تعقيدًا. لم تعد المواجهة دائمًا في ميادين القتال، بل انتقلت إلى مساحات أكثر هشاشة: قاعات الدراسة، الشوارع، الأحياء، والبيئات الشبابية. وهناك تحديدًا، تنتشر المخدرات كأحد أخطر تحديات ما بعد الحرب. ترددت في الأسافير تحذيرات من اندلاع "حرب صامتة" تنهش في عقول أبنائنا وبناتنا داخل الجامعات، فيما تداولت بعض الدراسات أرقامًا مقلقة تشير إلى نسب مرتفعة للتعاطي وسط الطلاب. وفي الشهر الماضي، تم ضبط أكثر من طن ونصف الطن من المخدرات، في مؤشر يعكس اتساع حجم الظاهرة وخطورتها. وبعيدًا عن الجدل حول الأسباب والجهات، فإن السياق الموضوعي كافٍ لتفسير ما يجري. فالحروب تُضعف بنية الدولة، تُرهق أجهزة إنفاذ القانون، وتفتح مسارات جديدة لشبكات التهريب والجريمة المنظمة. وفي ظل هذه البيئة الهشة، تتحول تجارة المخدرات إلى نشاط رائج يجد فرصًا واسعة للنمو. من الزاوية القانونية، لا تُعد المخدرات مجرد مواد محظورة، بل تمثل جزءًا من منظومة جرائم مركبة ترتبط بالجريمة المنظمة العابرة للحدود. ووفق الأطر الدولية لمكافحة المخدرات والجريمة، تُصنَّف هذه التجارة ضمن أخطر الأنشطة التي تُقوّض سيادة القانون وتُضعف استقرار الدول، نظرًا لارتباطها بغسل الأموال والفساد وتمويل أنماط أخرى من العنف. في البيئات الهشة، لا تعمل شبكات المخدرات في الفراغ، بل تستثمر في الفراغ ذاته. وفي المشهد السوداني، تُعد مرحلة ما بعد الحرب من أكثر المراحل حساسية؛ حدود أكثر قابلية للاختراق، أجهزة أمنية أكثر إنهاكًا، ودولة مثقلة بأولويات ملحّة. هنا، لا تمثل المخدرات خطرًا صحيًا فحسب، بل خطرًا أمنيًا ممتدًا، كونها تُنتج أنماطًا جديدة من الجريمة والعنف، وتُعيد تشكيل اقتصاد موازٍ خارج سيطرة الدولة. أما البعد النفسي، فيتبدّى في ما تُخلّفه الحرب من صدمات عميقة لدى شريحة واسعة من الشباب: خوف مزمن، فقد، نزوح، وانقطاع عن مسارات التعليم والعمل. في هذا السياق، لا تبدو المخدرات دائمًا خيارًا انحرافيًا بقدر ما تبدو، في بعض الحالات، آلية هروب من ضغط نفسي هائل. فالإدمان هنا لا يرتبط فقط بالبحث عن نشوة مؤقتة، بل كثيرًا ما يعكس محاولة للتخفيف من قلق متراكم أو للهروب المؤقت من واقع مضطرب. الخطر الحقيقي لانتشار المخدرات في السودان لا يكمن فقط في آثارها الصحية، بل في تداعياتها البنيوية طويلة الأمد. إنها عملية استنزاف بطيئة للطاقة البشرية، وتآكل صامت لقدرة المجتمع على التعافي وإعادة البناء. مواجهة الخطر لمواجهة هذا التحدي، نحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات تشمل: استعادة سيادة القانون، تعزيز القدرات الأمنية، بناء برامج دعم نفسي حقيقية، فتح مسارات العمل والأمل، وتطوير خطاب مجتمعي يتعامل مع الإدمان بوصفه قضية صحة عامة بقدر ما هو قضية قانون. ويبقى التساؤل حاضرًا: هل ثمة مخطط خارجي منظم لاستهداف الشباب بسلاح المخدرات؟ من الصعب إجراء ربط مباشر بين الظاهرة ودول بعينها دون أدلة قطعية موثقة. غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن الدول الخارجة من النزاعات المسلحة الطويلة تصبح أكثر عرضة لاختراقات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. كما أن شبكات المخدرات تتحرك غالبًا بدوافع اقتصادية بحتة، مستفيدة من ضعف الرقابة الحدودية، وإنهاك الأجهزة الأمنية، وهشاشة الاقتصاد، وارتفاع معدلات البطالة، والاضطراب الاجتماعي والنفسي. في كثير من الحالات حول العالم، لم يكن انتشار المخدرات نتيجة "حرب سرية سياسية"، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد إجرامي يستثمر في البيئات الهشة. فشبكات التهريب تتحرك حيث توجد فرص الربح، مستغلة الاختلالات الأمنية والمؤسسية. المخدرات في بيئات ما بعد الحرب ليست مجرد ظاهرة انحراف فردي، بل مؤشر اجتماعي خطير. إنها جرس إنذار يخبرنا أن المعركة لم تنتهِ، وأن إعادة البناء لا تتعلق بالحجر فقط، بل بالوعي، بالنفس، وبالإنسان. فالدول قد تنجو من الدمار العسكري… لكنها قد تنهار بصمت إذا انهارت أجيالها. Image
|
|