في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، وتحديدا في التاسع عشر من فبراير 2026، أماطت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق اللثام عن الوجه القبيح للحرب التي مزقت أحشاء دارفور، معلنة للعالم أجمع ما كان يخشى الاعتراف به، وهو إن ما جرى في الفاشر لم يكن مجرد معارك حربية تقليدية، بل هو إبادة جماعية مكتملة الأركان. التقرير الأممي الجديد لم يأتِ ليوثق مجرد انتهاكات، بل جاء ليضع النقاط على حروف المأساة، مؤكدا أن قوات الدعم السريع نفذت حملة تدمير منسقة وممنهجة استهدفت محو الوجود المادي لمجتمعات الزغاوة والفور، في سابقة تعيد إلى الأذهان أهوال بداية الألفية، ولكن بصورة أشد قتامة ودموية. التشريح القانوني للجريمة: ليست تجاوزات عشوائية.. ما يميز تقرير بعثة تقصي الحقائق الصادر حديثا، هو لغته القانونية القاطعة التي لا تقبل التأويل، لقد تجاوز التقرير مرحلة القلق والإدانة التقليدية، ليغوص في عمق النية الجرمي، إذ خلص التقرير، الذي حمل عنوان مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر، إلى أن نية الإبادة هي الاستنتاج المنطقي والمعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من السلوك المنهجي لقوات الدعم السريع. إن هذا التوصيف ينسف الرواية التي حاولت بعض الجهات ترويجها طوال عام ونصف من الحصار، والتي كانت تصف ما يجري بأنه تجاوزات فردية أو أضرار جانبية للحرب. لقد أثبتت البعثة، برئاسة محمد شاندي عثمان، أن الجرائم لم تكن عشوائية، بل كانت جزءا من عملية مخططة ومنظمة حظيت بتأييد علني من كبار القادة، وشملت ثلاثة من الأركان المادية المكونة لجريمة الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي: 1/ القتل المباشر: استهداف أفراد جماعة إثنية معينة (غير العرب). 2/ الأذى الجسيم: إلحاق أضرار جسدية ونفسية لا تُمحى. 3/ صناعة الموت: إخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية تهدف لتدميرها كليا أو جزئيا (الحصار والتجويع). الفاشر: سقوط المدينة وصعود المأساة.. لم يكن سقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025، مجرد تغيير في خارطة السيطرة العسكرية، بل كان إعلانا عن بدء فصل الجحيم لسكانها. المدينة التي صمدت لنحو عام ونصف تحت وطأة قصف لا يرحم، تحولت بعد السيطرة عليها إلى مسرح مفتوح للفظائع، إذ ان التقرير يوثق كيف تحول الحصار المطول، الذي استخدم سلاح التجويع وحرمان السكان من المساعدات الإنسانية، إلى مجزرة مفتوحة بمجرد دخول ميليشيا الدعم السريع. تشير منى رشماوي، الخبيرة في البعثة، بوضوح لاذع إلى أن الأدلة المتضافرة من القتل الجماعي، والاغتصاب، والتعذيب، والاختفاء القسري، والإذلال المنهجي، لا تترك مجالا للشك بأن الهدف لم يكن الانتصار العسكري، بل التدمير الوجودي لمكونات اجتماعية محددة. إن ما حدث هو تطبيق حرفي لسياسة الأرض المحروقة، ليس ضد الأرض فحسب، بل ضد البشر وهويتهم وتاريخهم في المنطقة. العنف الجنسي كسلاح إبادة.. من أكثر الجوانب إيلاما ورعبا في التقرير، هو تسليط الضوء على العنف الجنسي كأداة ممنهجة للحرب والإبادة. لم يكن العنف الجنسي الذي طال النساء والفتيات، وحتى الأطفال، نتاجا لانفلات الغرائز وسط الفوضى، بل كان سلاحا سيكولوجيا وبيولوجيا يهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي للمجتمعات المستهدفة وإذلالها. هذا النمط من العنف، المقترن بالتصريحات العنصرية العلنية التي دعت للقضاء على غير العرب، يؤكد الطبيعة العنصرية والاستئصالية لهذه الحملة. المجتمع الدولي: بين المسؤولية والتواطؤ بالصمت.. إن صدور هذا التقرير يضع المجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة القاسية، فكما صرحت جوي نجوزي إيزيلو، فإن ما حدث في الفاشر يمثل تجسيدا حادا لأنماط الإبادة الجماعية، ورغم ذلك، لا يزال الرد الدولي يعاني من الشلل. إن التحذيرات من اتساع رقعة النزاع إلى إقليم كردفان، واستمرار خطر ارتكاب المزيد من أعمال الإبادة، تضع العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني سقط فيه مرارا. إن عبارة لن يتكرر ذلك أبداً، التي رددها العالم بعد محارق سابقة، أصبحت اليوم شعارا فارغا في مواجهة دماء أهل الفاشر. إن غياب تدابير الردع الفعالة والمساءلة الجادة هو ما شجع، ولا يزال يشجع، الجناة على المضي قدما في مخططاتهم، والتقرير يؤكد بوضوح، حيثما توجد أدلة على إبادة جماعية، تتعاظم مسؤولية المجتمع الدولي، ولكن، أين هي هذه المسؤولية على أرض الواقع؟ العدالة كشرط للبقاء.. إن تقرير بعثة تقصي الحقائق ليس مجرد وثيقة أرشيفية، بل إنه صرخة إنذار أخيرة ولائحة اتهام دامغة، وإن استنتاج البعثة بأن نية الإبادة، هي التفسير الوحيد المعقول، يفرض استحقاقات قانونية وسياسية فورية: أولا: تفعيل آليات العدالة الجنائية الدولية لمحاسبة القادة المخططين والمنفذين، فلا حصانة لمن يرتكب الإبادة. ثانيا: التدخل العاجل لحماية المدنيين في المناطق التي يتهددها التوسع العسكري، خاصة في كردفان، لمنع تكرار سيناريو الفاشر. ثالثا: تصنيف ما جرى بوضوح كإبادة جماعية في المحافل الدولية، بعيداً عن الدبلوماسية المائعة التي تساوي بين الجلاد والضحية. عزيزي القارئ.. ليست الفاشر، في ضوء هذا التقرير الأممي الفاصل، مجرد مدينة سقطت في معركة، ولا اسماً يُضاف إلى قائمة المدن المنكوبة في ذاكرة الحروب المنسية، بل تحولت إلى معيار أخلاقي وقانوني يُقاس به صدق النظام الدولي كله، فما كُشف في فبراير 2026 لا يخص السودان وحده، ولا يهم دارفور بمعزل عن العالم، بل يمس جوهر الفكرة التي قام عليها القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وهي فكرة أن هناك خطوطا حمراء لا يجوز للبشرية أن تتجاوزها، وأن الإبادة الجماعية جريمة لا تسقط بالتقادم، ولا تُبرر بالسياسة، ولا تُغلف بلغة التعقيد وتوازن المصالح. إن أخطر ما في مأساة الفاشر ليس فقط حجم الدم، ولا اتساع دائرة الانتهاكات، بل وضوح الجريمة إلى حد الفضيحة، فحين تصل بعثة أممية مستقلة، بعد تقصٍ طويل، إلى أن نية الإبادة هي الاستنتاج المنطقي والمعقول الوحيد، فإننا لا نكون أمام روايات متضاربة، ولا سرديات متنازعة، بل أمام حقيقة قانونية مكتملة الأركان، وهنا، يسقط عذر الالتباس، وتسقط معه كل محاولات الاختباء خلف الرماد، أو الاحتماء بمفردات فضفاضة من قبيل جرائم حرب محتملة أو انتهاكات جسيمة. لقد عرّى تقرير الفاشر واحدة من أقدم الحيل في تاريخ العنف السياسي، وهي تحويل الضحية إلى رقم، والجريمة إلى خبر عابر، والإبادة إلى ملف يُفتح ويُغلق حسب مزاج الجغرافيا السياسية، ولكن ما جرى في الفاشر لا يقبل هذا الاختزال، فالإبادة، كما يثبت التقرير، لم تكن نتيجة فوضى السلاح، بل ثمرة قرار، ولم تكن انفلاتا ميدانيا، بل سياسة، ولم تكن انحرافا مؤقتا، بل مسارا متدرجا بدأ بالحصار، ومرّ بالتجويع، وانتهى بالتدمير الوجودي. وهنا بالضبط تتجلى مسؤولية المجتمع الدولي، لا كشعار أخلاقي، بل كالتزام قانوني صريح، فالإبادة الجماعية، وفق القانون الدولي، ليست جريمة يُكتفى بإدانتها، بل جريمة تفرض واجب الفعل، واجب المنع، وواجب الحماية، وواجب المحاسبة، وكل تهاون في أحد هذه الواجبات لا يُعد حيادا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة، ولو بالصمت. إن استمرار التردد الدولي، بعد هذا الوضوح، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره فشلا بنيويا في منظومة العدالة العالمية، أو قبولا ضمنيا بأن بعض الشعوب أرخص من غيرها، وأن بعض الدماء يمكن التفاوض حولها، وهذا هو جوهر الأزمة، ليس فقط أن الإبادة وقعت، بل أن العالم، مرة أخرى، يختبر حدود تسامحه مع الإبادة، لا مع الجناة، بل مع الضحايا. ومع ذلك، فإن تقرير الفاشر يفتح، رغم قتامة المشهد، نافذة أخيرة للأمل المشروط، أملٌ لا يقوم على العواطف، بل على القانون، فالتوصيف الأممي الدقيق يضع الأساس لمساءلة حقيقية، ويمنح الضحايا ما حُرموا منه طويلا، وهو الاعتراف، والاعتراف، في سياق الجرائم الكبرى، ليس خطوة رمزية، بل هو البداية الضرورية لمسار العدالة، ورد الاعتبار، ومنع التكرار. لكن هذا الأمل لن يتحقق تلقائيا، إنه مرهون بإرادة سياسية دولية تقطع مع سياسة إدارة الأزمات، وتنتقل إلى سياسة إنهاء الجرائم، مرهون بأن تتحول التقارير من وثائق أرشيفية إلى أدوات فعل، ومن شهادات إدانة إلى مذكرات اتهام، ومن لغة القلق إلى لغة الحسم، فالفاشر ليست النهاية، بل الإنذار الأخير، وإذا لم يُسمع هذا الإنذار الآن، فإن دوائر العنف ستتسع، وستُكتب تقارير مشابهة عن مدن أخرى، بأسماء مختلفة، وبالدم ذاته. لقد سقطت الفاشر عسكريا، نعم، لكن سقوطها الأكبر سيكون إن تُركت حقيقتها تسقط أخلاقيا، وإن تحوّل تقريرها إلى مجرد رقم في سجل الأمم المتحدة، أما إن تحوّل هذا التقرير إلى نقطة انعطاف، وإلى لحظة كسر لجدار الصمت، فإن دماء الفاشر، رغم فداحتها، لن تكون قد أُريقت عبثا. وفي النهاية، لا يقف السؤال الحقيقي عند ما إذا كانت الإبادة قد وقعت، فذلك قد حُسم، بل عند سؤال أشد إلحاحا وخطورة، وهو، ماذا سيفعل العالم، الآن بعد أن عرف؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال، تُقاس قيمة العدالة الدولية، ويُختبر معنى الإنسانية، وتُحدد إن كانت عبارة لن يتكرر ذلك أبدا ستظل كذبة كبرى… أم وعداً يُستعاد أخيراً من تحت الركام.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة