في قلب العاصمة المصرية، تقف سفارة جمهورية السودان في القاهرة، المبنى الذي يُفترض أنه يمثل الوطن، لكنه في الواقع يشبه مسرحية سوداء، حيث المواطن السوداني هو البطل المأساوي، والسفارة هي الجمهور الذي يضحك ولا يتحرك. المشهد يبدأ عند البوابة، حيث يقف المواطن، حاملًا ملفه، ورقة مصدقة أو جواز سفر أو حتى أمل بسيط، ويبدأ عرض الصبر الطويل. موظف السفارة، شخصية كوميدية بارعة، يلتقط النظرات وكأنها جزء من تمرين تمثيلي: “أهلاً بك، لا تقلق، سنفعل شيئًا… ربما غدًا… أو بعد غد… أو في العام المقبل”، ثم يعود ليقلب صفحته وكأنه يتفقد جدول أعماله لمسرحية أخرى. داخل المبنى، كل شيء مصمم لزيادة التوتر بشكل درامي. الكراسي البلاستيكية تتحول إلى مقاعد انتظار للموت البطيء، الطوابير تتلوى مثل أفعى درامية لا تعرف نهاية، والهواء الثقيل يهمس: “أنت هنا لتراقب، لا لتعيش”. بعض الموظفين يمرون وهم يحملون ملفات بلاستيكية، يتحركون مثل الظلال، كأنهم أشباح وطنية بلا روح. أما المواطن السوداني المحتجز في السجون المصرية، فهو النجم الحقيقي للمسرحية، لكنه بلا نص، بلا مخرج، بلا أي دعم. كل يوم يمضي داخل الزنزانة، والسفارة تراقب المشهد من بعيد، ربما من نافذة مكتبه المشرعة، تتناول فنجان القهوة، وتبتسم ابتسامة رسمية باردة. أحيانًا يرسلون خطابًا مكتوبًا باللغة الدبلوماسية يقول: “نحن نتابع الوضع”… أي متابعة؟ متابعة الصمت، متابعة اللاشيء، متابعة ما يُشبه منافسة فن التظاهر بالاهتمام. الساخرة في الأمر أن كل موظف يتقن دوره ببراعة. هناك موظف يشبه المخرج المسرحي، يحدد مواعيد وهمية، يوزع الملفات كما لو كانت نصوص مسرحية، يبتسم ابتسامة جامدة، ثم يختفي بين الممرات. موظف آخر يمارس فن التظاهر بالانشغال، يلتقط أي ورقة ويضعها جانبًا، وكأنها قضية كبيرة تحتاج لمراجعة دقيقة… بينما المواطن ينتظر في الزاوية، يراقب المسرحية بألم، ويراقب أيضا كيف تتحرك السفارة بلا أي فعل حقيقي. وبينما المواطن يذل ويهان، تتسابق موظفات السفارة في المشهد الجانبي، يضحكن على أوراق رسمية، يتبادلن النكات الدبلوماسية، ويضيفن لمسة كوميدية على مأساة المواطن. كل شيء هنا يبدو وكأنه عرض كوميدي مأساوي طويل لا ينتهي. حتى لو مات أحد السودانيين في السجن، لا تقلقوا! الموظفون سيكتبون تقريرًا بلغة بيروقراطية عالية، يغطي على حقيقة أن لا أحد تحرك لإنقاذه. إنه مشهد ثابت في المسرحية: البطل يُذل، الجمهور يصفق، السفارة تراقب من خلف ستار رسمي، وكأن الوطن لا يتحرك إلا بالكاميرات. المفارقة الأكثر سخرية هي أن المواطن يعود مرة أخرى إلى نفس البوابة في اليوم التالي، حاملًا أوراقًا جديدة، آملاً أن يحدث معجزة. ويحدث ما هو متوقع: موظف آخر يأخذ الدور بنفس الكفاءة التمثيلية، والسفارة تستمر في لعب دور المخرج الغائب. المواطن يخرج من المبنى وهو أكثر يأسًا، لكن أيضًا أكثر خبرة في قراءة لغة التجاهل الرسمية. في نهاية اليوم، يغلق المبنى أبوابه، وتظل السفارة واقفة مثل تمثال نصفي ملكي، كبير، مرموق، فاقد لأي روح إنسانية. كل ما فيها تحرك، كل ما فيها ابتسامة، وكل ما فيها متابعة… وهمية. المواطن السوداني في الخارج، بين السجون المصرية والبيروقراطية السودانية، أصبح بطلاً مأساويًا في مسرحية لا يعرف متى ستنتهي، وربما لن تنتهي أبدًا. وهكذا، يا جماعة الخير، إن أردتم درسًا في السخرية واللاعدالة، عليكم بزيارة سفارة جمهورية السودان في القاهرة. هناك ستكتشفون أن المواطن السوداني في الخارج ليس فقط بلا حماية، بل أحيانًا يصبح مجرد مشهد كوميدي مأساوي في مسرحية السفارة التي لا تعرف الرحمة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة