واقعية سياسية أم شعبوية ثأرية؟ ثمة مقولة جاهزة تُلقى اليوم في وجه أي محاولة للتحليل الرصين (المدنيون فشلو) جملة قصيرة، مريحة، تمنح قائلها شعوراً زائفاً بالاستيعاب، وتختصر تعقيدات المشهد في شماعة واحدة لكنها، في جوهرها، ليست قراءة سياسية بقدر ما هي "تنفيس عاطفي" يهرب من مواجهة الحقيقة الصعبة من الذي كان يملك مفاتيح القوة الفعلية في الدولة؟ احتكار العنف وهشاشة الاستلام حين انحاز الجيش للثورة في أبريل ٢٠١٩، لم تسقط المنظومة الأمنية، ولم تُفكك أجهزة القمع، ولم يُنزع السلاح من يد مُحتكريه التاريخيين ما حدث لم يكن انتقالاً كاملاً للسلطة ، بل كان "مساومة اضطرارية" بين شارع يملك الشرعية الأخلاقية ومؤسسة عسكرية تملك السلاح والموارد
السؤال المنطقي الذي يتجاهله الخطاب الشعبوي كيف يُحمَّل الطرف الأعزل مسؤولية انهيار توازن صُمم أساساً ليكون مختلاً؟ الشراكة لم تكن خياراً حالماً، بل كانت "هندسة للممكن" في ظل ميزان قوى يميل بشدة لصالح البندقية الانقلاب ليس فشلاً.. بل إجهاض ما يختزله البعض في أنه فشل مدني هو تعمية عن الحقيقة التاريخية إن انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ لم يكن خطأً مدنيًا، بل كان قرارًا عسكريًا استباقيًا لقطع الطريق أمام استحقاقات التحول الديمقراطي هناك فرق جوهري بين "تعثّر التجربة" وبين إسقاطها بالقوة وعندما يُحسم المسار السياسي بالسلاح، لا يُسمى ذلك فشلاً للسياسة، بل يُسمى إجهاضاً بنيوياً لمسار التغيير. بين الشعارات العاطفية وضرورات التأسيس نعم، خاضت الحكومة المدنية غمار إصلاحات اقتصادية قاسية؛ من رفع الدعم إلى توحيد سعر الصرف. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنها كانت جراحة ضرورية لجسد دولة مثقل بالديون والعزلة الدولية خروج السودان من قائمة الإرهاب وبدء عمليات إعفاء الديون لم تكن تفاصيل هامشية، بل كانت "شروط بقاء" لدولة كانت على حافة الإفلاس الشامل. السياسة هنا لم تكن بياناً ثورياً حالماً، بل كانت إدارة واقعية لمخلفات عقود من الخراب فخ الوصاية الديمقراطية الخطاب الذي يختزل التجربة في كلمة "فشلوا" يعيد إنتاج منطق الوصاية القديم؛ وكأن الديمقراطية مشروع يجب أن يُمنح شهادة "حسن سير وسلوك" من خصومها، أو أن يُنجز بالضربة القاضية وإلا اعتُبر خيانة التاريخ يخبرنا أن التحولات الكبرى لا تحدث عبر القطيعة الفورية، بل عبر التراكم والمساومة وتغيير موازين القوى بالتدريج الاعتراف بالخطأ لا بالإخفاق لا ننفي أن القوى المدنية أخطأت؛ في ترهل التحالفات، وفي بطء ملاحقة جيوب الدولة العميقة، وفي ضعف التواصل مع القاعدة الجماهيرية لكن الخطأ التكتيكي في إدارة التحالف السياسي شيء، والإعدام المعنوي للتجربة برمتها شيء آخر تماماً الخطأ يُعالج بالتقويم، أما "الإخفاق الكلي" فهو حكم يُراد به شرعنة عودة الاستبداد تحت ستار البحث عن المنقذ
من اللوم إلى التشخيص السياسة لا تُقاس بالأماني، بل بالقدرة على المناورة في مساحة الضيق و ميزان القوة في السودان كان صراعاً بين مشروع مدني أعزل ومؤسسات مسلحة متجذرة في مفاصل الاقتصاد والسياسة و تكرار أسطوانة المدنيون فشلوا" ليس نقداً بل هو "شماعة شعبوية" لتبسيط واقع معقد، وهروب من استحقاق مواجهة البنية العسكرية التي تعيق أي بناء مدني المدنيون لم يكونوا مجرد أفراد يقفون بلا سلاح، بل كانوا طرفًا يحاول إعادة بناء دولة من رمادها في مواجهة سلاح خارج سيطرة الدولة. إن وصف التجربة بـ الفشل هو قصر نظر سياسي يمهد الطريق لعودة الشمولية في قبح واضح السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس من نلوم؟ ، بل هي كيف نغير ميزان القوة حتى لا يتكرر مشهد انكسار السياسة أمام البندقية مرة أخرى؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة