Post: #1
Title: عندما يصبح المألوف هو الخبر: الإعلام وكشف الفساد كتبه مختار العوض موسى
Author: مختار العوض موسى
Date: 02-17-2026, 09:56 PM
09:56 PM February, 17 2026 سودانيز اون لاين مختار العوض موسى-Sudan مكتبتى رابط مختصر
في بدايات السنة الأولى بكلية الإعلام، تلقّينا واحدة من أشهر القواعد الصحفية: «إذا عضّ الكلبُ إنسانًا فليس ذلك خبرًا، ولكن إذا عضّ الإنسانُ الكلبَ فهذا هو الخبر». قاعدة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في جوهرها؛ فهي تُفلسف معنى الخبر وقيمته ودلالته وأهميته. فالخبر، وفق المفهوم المهني، ليس مجرد حدث، بل هو ما يخرج عن المألوف، ويستثير الانتباه، ويكشف مفارقة تستحق التوقف والتأمل.
لكن إذا حاولنا إسقاط هذه القاعدة على قضايا الفساد، سنواجه معضلة حقيقية: ماذا لو أصبح الفساد نفسه هو «المألوف»؟ فهو في الغالب ليس حادثة طارئة، بل ممارسة ممتدة؛ وليس انفجارًا مفاجئًا، بل تسرّبًا بطيئًا؛ وليس شذوذًا عابرًا، بل أحيانًا نمطًا متكررًا. وهنا تتبدل المعادلة: لم يعد الخبر أن موظفًا اختلس، أو مسؤولًا تجاوز القانون، بل الخبر الحقيقي هو: كيف تم ذلك؟ ولماذا استمر؟ ومن المستفيد؟ وما الأثر؟
في الأيام القليلة الماضية تناول الإعلام قضية عضو المجلس السيادي سلمى عبدالجبار بتهمة استغلال النفوذ والفساد في تعاملات الأراضي، وتعمّق في نشر تفاصيلها؛ مما دفعها إلى الاستقالة. وهذا يؤكد قوة «صاحبة الجلالة» أو «السلطة الرابعة». فلم يكتفِ الإعلام بسرد الواقعة، بل غاص في عمق الخلل، وكشف ممارسات غير قانونية تُمارَس في العلن «وعلى عينك يا تاجر»، ويتم تداولها بلا دهشة، حتى يعتادها الناس وتفقد صفتها كـ«حدث».
وهنا يبرز الدور المنتظر من الإعلام المهني الحصيف والعميق؛ فليس دوره فقط كشف ما هو صادم، بل كشف ما أصبح عاديًا رغم فداحته. فالفساد لا يختبئ دائمًا في الظل؛ أحيانًا يتدثر بعباءة «الاعتياد». لكنه، مهما حاول التخفي، ينكشف في ظل إعلام لا يتعامل معه بوصفه مادة لإحداث ضجيج آني أو «فرقعة إعلامية»، بل يتجاوز الإثارة إلى التحليل العميق والتفسير المنطقي، من أجل فهم أثر الخبر وأبعاده.
وحين يدرك المواطن أن الفساد ليس رقمًا في تقرير، بل مدرسة لم تُبنَ، أو مستشفى بلا دواء، أو طريقًا محفوفًا بالموت؛ عندها يتحول من قصة صحفية يسعى ناشرها إلى تحقيق «الربحية» عبر السبق الصحفي، إلى قضية رأي عام. وهذا لا يتحقق إلا بطرح أسئلة مهنية دقيقة، قد تكون أكثر تأثيرًا من ألف عنوان صاخب، مثل: أين ذهبت الأموال؟ كيف رُسي العقد؟ ما معيار الاختيار؟ وغيرها من الأسئلة المنبثقة من منهجية الشك المهني.
فالفساد غالبًا لا يُفضَح بالانفعال، وليس كل خبر يُروى بالكلمات؛ أحيانًا يكمن في رقم صامت: فجوة في الميزانية، مشروع متعثر رغم التمويل، تكلفة متضخمة، إنفاق بلا أثر. فالصحافة التي تحترم نفسها لا تبحث عن الواقعة بقدر بحثها عن الدلالة داخل الرقم؛ إذ إن الرقم، حين يُحلَّل، قد يقول ما تعجز عنه الخطابات.
ولعل الاستمرارية في الطرح الإعلامي هي جوهر الرقابة الحقيقية؛ فكشف المستور ومواجهة أي منظومة فساد لا يكون بضربة واحدة، بل بضربات متتابعة: متابعة، تذكير، تحديث، ضغط مستمر. فالفساد يضعف ويضمحل تحت ضوء المساءلة المتواصلة، ولا ينبغي أن يُمنح فرصة الازدهار بالنسيان.
وتبقى المهنية الإعلامية حجر الزاوية في التناول الواعي لقضايا الفساد. ولتحقيق الأثر الفاعل، لا بد من إقامة توازن دقيق بين الجرأة والمسؤولية، بين الحق في المعرفة وضمانات العدالة، بين الكشف وعدم التحول إلى أداة تصفية حسابات أو تشهير. فغياب هذا التوازن يُلحق بالمهنية هزيمة قاسية، وقد يحوّل الإعلام – دون قصد – إلى جزء من الفوضى ذاتها.
فلنتذكر أن الرسالة الإعلامية الأعمق لا تتوقف عند «هناك فساد»، بل تمتد إلى «كيف نمنعه؟». وهنا يظهر دور الإعلام في مناقشة الإصلاحات، وترميم ما انكسر من أخلاقيات، وإبراز الثغرات المؤسسية، وعرض نماذج ناجحة تعزيزًا للثقة. فليس المطلوب أن يصف الإعلام المرض فحسب، بل أن يساهم في صناعة الوعي بالعلاج، وأن يواكب المساءلة القانونية دون تهاون.
وفي الجرائم التقليدية يكون غير المألوف هو الخبر؛ أما في الفساد، فقد يكون المألوف ذاته هو الخبر، حين يصبح التجاوز عاديًا، والخلل متكررًا، والانحراف متوقعًا. وهنا يعمل الإعلام على إعادة تعريف ما اعتدناه، وفضح ما تم تطبيعه، وإيقاظ الدهشة تجاه ما لم يعد يثير الدهشة.
فالخبر ليس ما يحدث فحسب، بل ما يكشف الحقيقة. والإعلام، حين يؤدي رسالته بحق، يوضح أن الفساد ليس حدثًا مفاجئًا بل ممارسة ممتدة؛ وأن المشكلة لا تكمن فقط في وقوعه، بل في آلياته وشبكاته وحجمه وأثره، وفي كيفية حدوثه، ومن المستفيد منه، ولماذا استمر، وما الثغرات القانونية أو المؤسسية التي استُغلت لارتكابه، وما أثره في المجتمع.
هذه الأسئلة وغيرها قادر الإعلام – «صاحب الجلالة» – على طرحها والإسهام في الإجابة عنها، بفضل تأثيره في تشكيل الرأي العام، ومساهمته في الرقابة المجتمعية، وكشف قضايا الفساد أو سوء استخدام السلطة بشفافية، عبر نشر المعلومات، وتوفير منصة لعرض الآراء المختلفة حول القضايا المعقدة، بما يعزز التوازن بين الفئات والأيديولوجيات، ويسهم في بناء مجتمع قادر على التعبير والمشاركة في صنع القرار.
إن دور الإعلام كسلطة رابعة بالغ الأهمية في أي مجتمع، غير أن نجاحه مرهون بحريته واستقلاله، وقدرته على التفاعل مع الجمهور بشفافية ومسؤولية، بعيدًا عن الاحتكار أو الرقابة أو ضغوط أصحاب المصالح التي قد تقيده وتشلّ قدرته على أداء واجبه.
|
|