ضد المعقول وضد الشعب… ومع الممكن كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد

ضد المعقول وضد الشعب… ومع الممكن كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد


02-17-2026, 09:56 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1771365368&rn=0


Post: #1
Title: ضد المعقول وضد الشعب… ومع الممكن كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحمد
Author: احمد التيجاني سيد احمد
Date: 02-17-2026, 09:56 PM

09:56 PM February, 17 2026

سودانيز اون لاين
احمد التيجاني سيد احمد-ايطاليا
مكتبتى
رابط مختصر






ضد المعقول وضد الشعب… ومع الممكن:

كيف نفتح باب الحكم الطوعي السلمي الديمقراطي — حتى لو جاء عبر حميدتي تحت ميثاق ودستور التأسيس؟

[email protected]

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي مؤسس في تحالف تأسيس

: ١٦ فبراير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا



مقدمة: لماذا نكتب للأمل؟

نكتب للأمل لأن السودان لا يحتمل ترف “قفل الأبواب”.
ونكتب للأمل لأن الشمولية — أيًّا كان لباسها — لا تعترف بالشعوب صُنّاعًا ومشاركين في القرار.
الشمولية تأتي بسلطة فوقية وتُطبّقها بالقهر؛ لغةُ الحجاج: “إني أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها”، ثم تتكرر بأشكال مختلفة: “يا نحكمكم يا نكتلكم”.

لكن واجب العقل السياسي أن يبحث عن “الممكن” لا عن “المستحيل”، وأن يحوّل الخوف إلى قواعد، والعنف إلى قانون، والسلطة إلى عقدٍ رضائي.



١) الشمولية ضد الشعب: جوهر الأزمة السودانية

جوهر الأزمة في السودان ليس صراع أشخاص فقط، بل صراع “عقليات حكم”.
العقل الشمولي يرى الشعب كتلة تُدار، لا مجتمعًا يقرر.
يستبدل التنافس بالإقصاء، والحوار بالتهديد، والمساءلة بالتخوين.
وهكذا يصبح الوطن رهينة بندقيةٍ أو تنظيمٍ مغلق أو مؤسسةٍ تتوهم أنها الدولة.

لهذا نُصرّ: معركتنا الكبرى هي مع عقلية الوصاية، لا مع أسماء بعينها.



٢) لماذا لا نغلق احتمال حميدتي؟

ليس من الحكمة السياسية إغلاق أي احتمال يمكن أن يقود إلى حكم طوعي سلمي ديمقراطي، بشرط أن يُقيَّد بالدستور والميثاق والمؤسسات.
السؤال إذن ليس: “من نحب؟” أو “من نكره؟”
بل: كيف نُخضع السلطة — أيًّا كان حاملها — لعقدٍ دستوري يضمن أن الشعب هو المصدر، وأن السلاح ليس مصدر الشرعية؟

إذا جاء حميدتي إلى الحكم عبر “غلبة السلاح” وحدها، فهذا يعيد إنتاج دولة الحرب.
أما إذا جاء عبر تحول سياسي مُعلن، وتحت ميثاق ودستور التأسيس، وبمحددات تُغلق طريق الاستبداد، فهنا يبدأ “الممكن”.



٣) ما الذي يجعل هذا التحول ممكنًا؟

التحول من قائد قوة مسلحة إلى رجل دولة ليس أمرًا مألوفًا، لكنه ليس مستحيلاً.
التاريخ يعرف نماذج نادرة لقادة خرجوا من بنادقهم إلى دستورٍ يعلو عليهم — بشرطين:

- شرط داخلي: استعداد حقيقي للانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.
- شرط مؤسسي: بناء قواعد تمنع ارتداد السلطة إلى العنف، مهما تغيّر المزاج أو تبدّل التحالف.

والمفتاح هنا: الدستور ليس زينة؛ الدستور قيدٌ طوعي على القوة.



٤) ميثاق ودستور التأسيس: نقاط واضحة تُغلق باب الشمولية

حين نقول “تحت ميثاق ودستور التأسيس”، فنحن نعني نقاطًا عملية واضحة، من أهمها (على مستوى المبادئ والاتجاهات الحاكمة):

١. سيادة حكم القانون: لا حصانة مطلقة، ولا سلطة فوق القضاء.
٢. مصدر الشرعية هو الشعب: الانتخابات والتداول، لا البيان العسكري ولا التنظيم السري.
٣. الحقوق والحريات الأساسية: حرية التنظيم والتعبير والإعلام، وحماية المجتمع المدني.
٤. الفدرالية والعدالة في توزيع السلطة والثروة: كسر مركزية الدولة الريعية، وإعادة الاعتبار للأقاليم.
٥. إصلاح القطاع الأمني: جيش قومي مهني واحد، ودمج تدريجي مضبوط، واحتكار الدولة للسلاح تحت رقابة مدنية.
٦. العدالة الانتقالية: لا انتقام أعمى ولا إفلات شامل؛ مسار يُنصف الضحايا ويؤسس لعدم التكرار.
٧. اقتصاد إنتاجي لا اقتصاد حرب: تفكيك اقتصاد الجبايات والتهريب، وبناء سلاسل قيمة (خاصة الزراعة) لصالح الناس.

هذه النقاط ليست شعارات؛ هي “أقفال” مؤسسية تُغلق باب الحجاج والكيزان وأي شمولية جديدة.



٥) حميدتي وندرة التحولات: قراءة بلا تبرئة ولا شيطنة

الكتابة للأمل لا تعني تبرئة أحد، ولا تعني إنكار الألم.
لكنها تعني الاعتراف بأن التحولات السياسية الكبرى تصنعها أحيانًا شخصيات “غير متوقعة” — حين تُحاصرها الوقائع، وتتعلم، وتُجبر على التعاقد مع المجتمع.

حميدتي، كظاهرة سياسية، يمثل خروجًا من مركز قديم واحتكار تاريخي للسلطة.
وهذا وحده لا يمنحه شرعية تلقائية، لكنه يفتح سؤالاً: هل يمكن تحويل هذه الظاهرة من “قوة حرب” إلى “قوة انتقال”؟

نعم — إن وُجدت الشروط:
- إعلان صريح للالتزام بالحكم المدني والتداول.
- قبول مكتوب بعلو الدستور على الأشخاص.
- استعداد لدمج وإصلاح أمني تدريجي تحت رقابة مدنية.
- فتح باب العدالة الانتقالية.
- تبنّي برنامج اقتصادي اجتماعي يُنهي اقتصاد الحرب.

بدون هذه الشروط، يتحول كل حديث عن الأمل إلى تزيينٍ للمستحيل.



٦) كيف نكتب للأمل دون أن نخدع أنفسنا؟

نكتب للأمل عبر “هندسة الممكن” لا عبر التمنّي.
أي: نجعل الطريق إلى الاستبداد صعبًا، والطريق إلى الشراكة ممكنًا، والطريق إلى العنف مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا.

المطلوب ليس أن نراهن على شخصٍ بعينه، بل أن نراهن على منظومة:
ميثاق — دستور — مؤسسات — رقابة — مشاركة شعبية — اقتصاد إنتاج.

حينها، إذا تقلد حميدتي الحكم، لن يكون “حكمًا لشخص”، بل حكمًا مقيدًا بعقدٍ وطني؛ والناس شركاء لا رعايا.



الخلاصة النهائية: نكتب والباب مفتوح

نعم، السودان يمكن أن يُحكم حكمًا طوعيًا سلميًا ديمقراطيًا.
ويمكن — إذا توفرت الشروط — أن يحدث ذلك حتى لو جاء حميدتي إلى موقع الحكم، لا كغلبة سلاح، بل كتحولٍ سياسي تحت ميثاق ودستور التأسيس، وضمن قيود واضحة: سيادة القانون، تداول السلطة، إصلاح أمني، عدالة انتقالية، وفدرالية تُعيد للشعب معنى المشاركة.

نكتب للأمل لأن قفل الأبواب هو هدية مجانية للشمولية.
ونكتب للأمل لأن الشعب ليس مادة للحكم، بل صانع القرار.
ونكتب للأمل لأن التاريخ — مهما قسا — يترك لصدّافي الأعماق فرصةً لالتقاط لؤلؤةٍ واحدة تغيّر المسار.



د. أحمد التيجاني سيد أحمد ١٦ فبراير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا

قيادي مؤسس في تحالف تأسيس

[email protected]