Post: #1
Title: أعطوا مصر بعض حقِّها… شهادتي كلاجئ كتبه علي الكنزي
Author: علي الكنزي
Date: 02-17-2026, 09:50 PM
09:50 PM February, 17 2026 سودانيز اون لاين علي الكنزي-الخرطوم - السودان مكتبتى رابط مختصر
بسم الله الرحمن الرحيم من رسائل النور والظلام علي الكنزي [email protected]
سلامٌ أخي د. ياسر، وكل المتابعين لهذا الطرح اكتب كلامي هذا من منطلق قوله تعالى:
وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) (البقرة: 283) وشهادتي هذه ليست دفاعًا عن أحد، ولا إنكارًا لمعاناة أحد، ولا طعنًا في رواية أحد، بل روايةً لتجربة شخصية عشتها أنا وأسرتي كلاجئين لمصر، شهادةً أتحمل مسؤوليتها أمام الله والتاريخ عندما اندلعت الحرب بقيتُ في منزلي بحي الروضة بأم درمان، مصرًّا على البقاء حتى تنجلي الحرب وأوزارها، وكنتُ احسبها عاصفةً عابرةً لا تلبث أن تنقضي. لكن في منتصف يونيو 2023 اتسعت دائرة النار، وبدأ الواقع الحرب يفرض منطقه في منتصف يونيو ٢٠٢٣ وقبل حلول عيد الأضحية أصر ابنائي الثلاثة — من زوجتي الراحلة سماح، رحمها الله عليها —على السفر لقضاء عيد الأضحية مع أهل أمهم، كعادتهم في كل عام،كان ذلك هو السبب الذي أخرجنا من أم درمان. خرجنا من بيتنا بأقلّ المتاع، متفائلون بالعودة اليه في أيام معدودات، ولم نكن نعلم أن خروجنا سيكون بداية اقتلاع من جذور وطننا. سافرنا من سوق ليبيا بعربة صغيرة مستأجرة، يومها كانت أجزاء واسعة من أم درمان حتىمشارف مدينة الدويم تقع تحت سيطرة الدعم السريع. وصلنا ربك، ومنها افترقنا: أنا إلىالشوال، وأبنائي إلى أهل امهم بمدينة مدني، ثم اجتمع شملنا في قرية الشوال بولاية النيلالأبيض. في شهر مارس 2024 فر أبنائي من سماح رحمها الله عليها— إلى مصر بطرق غير شرعية عبر الصحراء عن طريق عطبرة وغرب حلفا ، ودخلوا القاهرة وسجّلوا أسماءهم لدىالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ثم لحقتُ بهم في نهاية نوفمبر 2024 بالطريقة نفسها ولكن عبر بورتسودان، بعد رحلة شاقة فرضتها ظروف الحرب، تعرضتُ فيها للخطر املاً للحاق بأبنائي تاركاً من خلفي وحاملاً في دواخلي جرحا ما زال ينزف حتى كتابة هذا المقال، وبعد وصولي للقاهرة سجلت اسمى لدى شئون اللاجئين. في اقل من سنتين سكنّا في ثلاث شقق مختلفة، وجميعها في مدينة نصر، والآن أسكن بالقربمن مسجد دار الأرقم بمدينة نصر.
وفي مواقع سكننا الثلاثة لم أتعرض قط، ولم يتعرض أيٌّ منأفراد أسرتي، لأي مساءلةٍ أمنية أو مضايقةٍ من أي مواطنٍ مصري. مسجد دار الارقم ترتاده نسوة سودانيات على مدار أيام الأسبوع طلبًا للمساعدة من المصلين. عند صلاة الظهر حتى العشاء يكون عددهن ما بين خمس إلى عشر نسوة — وبعضهن معأطفالهن — يرجون العون. أما يوم الجمعة فيزيد عددهن عن السبعين اكرر السبعين امرأة —فأنا اقوم بإحصائهن بعد كل صلاة جمعة — هذا بخلاف الصبيان والأطفال المرافقين ذكوراً وإناثاً. ما رويته هنا هي مشاهد واقعية رأيتها بام عيني وعايشتها فالحياة ليست سهلة، والمعاناةموجودة، والظروف ضاغطة على الجميع. لكن في المقابل، لي أقارب احسبهم كثر، في مدينة فيصل والسلام وبدر ومدينة نصر ومواقعأخرى من القاهرة، إضافة إلى مهاجرين من قريتي الشوال، ومعارف من السودانيين في القاهرةومحيط سكني.
كل هؤلاء — رغم اختلاف ظروفهم — لم أرَ يومًا، ولم أسمع منهم أو عنهم،أنهم تعرضوا لأي مساءلةٍ أمنية أو ملاحقةٍ بسبب وجودهم في مصر. يذهب أبنائي إلى الجامعة ومدرسة القبس السودانية يوميًا، وأذهب أنا إلى مسجد دار الارقم ومساجد أخرى ونذهب للأسواق أحيانًا، وإلى الأطباء عند الحاجة. بالأمس الاثنين ١٦ فبراير ٢٠٢٦ كنت في سوق الأزبكية للكتب بالعتبة وامضيت اكثر من خمس ساعات هناك، والتقيتبسودانيين، وعندما تسألهم عن ما يروى من الحالات هذه يقولون إنهم سمعوا بالشائعات عبروسائل التواصل، لكنهم لم يتعرضوا لها. أنا أعلم وعلى علم أن اللاجئ السوداني في مصر لا تتوفر له كل ميزات اللجوء كما تنص بها اتفاقيات وقوانين الأمم المتحدة الراعية لشئون اللاجئين، وأعلم أن الحياة هنا ليست سهلة في كثير من الجوانب. ولكن من باب الإنصاف، فإن مصر هي الدولة الاميز والأكثر ترحيبا باللاجئ السوداني، فيكفي مصر أنها لم تُنشئ معسكرات مغلقة للسودانيين كما يحدث في بعضدول الجوار مثل ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا ، حيث أُقيمت مخيمات مكتظة بهم ،وتسرب قليل منهم إلى المدن. ولكن في مصر الأمر مغاير لذلك، فالسودانيون يعيشون في كبرى المدن المصرية بين أسوانوالقاهرة والإسكندرية ، وسط المجتمع المصري، ولا توجد بمصر اي معسكرات مغلقة. هذهحقيقة موضوعية ينبغي ان نذكرها ونثني عليها.. ومن المؤسف أن دول الخليج كلها، حيث كان تواجد بها سودانيون بتأشيرات سياحية أو إقامةمؤقتة عند اندلاع الحرب، لكن لم تُمنح أي دولة منهم صفة لاجئ لأي سوداني مما اضطرهمإلى العودة إلى السودان رغم استمرار الحرب، في ظل غياب إطار قانوني يمنحهم الحماية. لهذا فلنعط مصر بعض حقِّها، ولنكون اكثر انصافاً لها ولاهلها في هذه المرحلة من تاريخ السودان.
أقول قولي هذا ليس دفاعًا عن مصر وأهل مصر ولا تقربا زلفى لها، ولا تجريحًالغيرها من الدول، بل شهادة واقعية لما عايشته فيها كلاجئ. تختلف التجارب كل إنسان بمصر ولكل منا قصته، لهذا فهي شهادة مني للتاريخ، فالتاريخ يكتب بالمعايشة وبما يرويه الناس عن واقعهم كما هو حالنا الآن بمصر. مع مودتي واحترامي لك اخي د ياسر سائلاً الله ان يعود ويعم السلام بلدي الذي لا بديل له. Ali Al-kanzi
|
|