Post: #1
Title: أكبر كذبة في تاريخ البشرية: عندما تسقط الأقنعة عن ما يسمى بحقوق الإنسان كتبه الطيب محمد جادة
Author: الطيب محمد جاده
Date: 02-17-2026, 05:28 PM
05:28 PM February, 17 2026 سودانيز اون لاين الطيب محمد جاده-السودان مكتبتى رابط مختصر
صحفي مستقل
في عالمٍ امتلأ بالشعارات البراقة والمواثيق الدولية والبيانات الرنانة، تبرز حقيقة مرة لا يمكن تجاهلها: ما يسمى بحقوق الإنسان قد يكون أكبر كذبة رُوِّجت في تاريخ البشرية الحديث. ليست الكذبة في المبدأ المجرد الذي يدعو إلى كرامة الإنسان وحريته، فذلك مبدأ فطري أقرته الأديان قبل القوانين، وإنما الكذبة في تحويل هذا المبدأ إلى أداة سياسية انتقائية، تُستخدم متى شاء الأقوياء، وتُنسى حين تتعارض مع مصالحهم. لقد عاشت شعوب كثيرة، وعلى رأسها الشعب السوداني، تجربة قاسية مع هذا الوهم الكبير. فمنذ اندلاع الأزمات وتفاقم المآسي، سمع السودانيون خطابات لا تنتهي عن حماية المدنيين، وحق الحياة، وكرامة الإنسان، لكنهم في الواقع لم يروا سوى الصمت، أو بيانات خجولة لا تُسمن ولا تُغني من جوع. وكأن دماء الأبرياء أقل قيمة، أو كأن الألم إذا وقع في بقعة بعيدة لا يستحق أن يُسمع. إن مأساة السودانيين، سواء داخل السودان أو خارجه، تكشف بوضوح هذا التناقض الفاضح. آلاف الأسر التي اضطرت إلى النزوح، وملايين الذين فقدوا الأمن والاستقرار، لم يجدوا من تلك المنظمات التي تتغنى بحقوق الإنسان إلا الوعود. أما الفعل الحقيقي، والحماية الجادة، والمساندة الصادقة، فغابت في زحام المصالح والحسابات السياسية. ولعل وضع السودانيين الموجودين في مصر مثال صارخ على هذا الغياب. كثيرون منهم يعيشون ظروفًا إنسانية صعبة، بين قلق الإقامة، وضيق العيش، والخوف من المستقبل. يبحثون عن سند قانوني أو إنساني، فلا يجدون منظمة تتحمل مسؤولية حقيقية، ولا سفارة قادرة على القيام بدورها الكامل في رعاية مواطنيها. في هذه اللحظة، يشعر الإنسان أنه مجرد رقم، وأن كرامته التي تحدثوا عنها في المؤتمرات ليست سوى كلمات على ورق. إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين حقوق الإنسان عندما يكون الإنسان ضعيفًا بلا نفوذ؟ أين هي عندما لا يخدم الدفاع عنها أجندة سياسية أو إعلامية؟ الواقع يقول إن حقوق الإنسان، كما تُمارس اليوم، ليست قيمة عالمية عادلة، بل أداة انتقائية. تُرفع كراية في وجه خصم، وتُطوى في وجه حليف. تُستحضر عندما تُفيد، وتُنسى عندما تُكلّف. هذا التناقض لا يخلق فقط شعورًا بالظلم، بل يولد فقدانًا عميقًا للثقة. فحين يرى الإنسان أن العدالة تُجزّأ، وأن الألم يُصنّف، يدرك أن الاعتماد الحقيقي لا يمكن أن يكون على مؤسسات فقدت بوصلتها الأخلاقية. وهنا، يعود الإنسان إلى فطرته الأولى، إلى الإيمان، إلى رفع الوكيل إلى الله سبحانه وتعالى، بوصفه العدل المطلق الذي لا يظلم عنده أحد. إن الدعوة إلى التوكل على الله لا تعني الاستسلام أو اليأس، بل تعني استعادة القوة الداخلية والكرامة. تعني أن الإنسان، حين تُغلق في وجهه أبواب الأرض، يفتح باب السماء. وهذا ما فعله السودانيون عبر تاريخهم الطويل؛ صبروا، وتماسكوا، وآمنوا بأن الظلم لا يدوم، وأن الأيام دول، كما قال الله تعالى: وتلك الأيام نداولها بين الناس. لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تُخذل من العالم لا تموت، بل تزداد وعيًا وصلابة. وربما تكون هذه المحنة، بكل قسوتها، فرصة لإعادة النظر في المفاهيم التي صدّقناها طويلًا. فرصة لنسأل: هل نريد حقوقًا تُمنح لنا من الخارج بشروط، أم كرامة ننتزعها بإرادتنا ووحدتنا؟ هل ننتظر رحمة مؤسسات صامتة، أم نبني تضامنًا حقيقيًا بيننا؟ إن أكبر خطر في كذبة حقوق الإنسان ليس فقط في خذلان المظلوم، بل في محاولة إقناعه أن لا ملجأ له إلا هذه المنظومة العاجزة. بينما الحقيقة أن قوة الشعوب في إيمانها، وفي وحدتها، وفي قدرتها على الصبر والمقاومة. وما يمر به الشعب السوداني اليوم، رغم ألمه، قد يكون خطوة في طريق طويل نحو وعي أعمق، واستقلال أكبر عن الأوهام المستوردة. في الختام، ليست هذه الكلمات دعوة لرفض القيم الإنسانية، بل دعوة لفضح الزيف، والتمييز بين الحق الحقيقي والشعار الكاذب. حقوق الإنسان الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات، بل بإنقاذ إنسان واحد من الظلم. وحتى يتحقق ذلك، سيظل كثيرون يرددون بمرارة: أكبر كذبة في تاريخ البشرية هي ما يسمى بحقوق الإنسان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
|
|