تمثل الوثيقة الاستخباراتية التي نشرتها منصة UK Defence Journal and Intelligence Platform (UKNIP) مؤخراً المنسوبة إلى جهاز المخابرات العامة السوداني ، والتي تكشف عن استخدام الجيش السوداني لقافلة مصنفة إنسانياً لنقل أسلحة وذخائر عالية الجودة إلى جنوب كردفان ، تطورا بالغ الخطورة ويهدد بقلب موازين الحرب في السودان . إن ما حدث في منطقة ( الرهد ) هو تجسيد لسياسة ( الاستخدام المزدوج ) التي تهدد بنسف البنية الأخلاقية والقانونية لعمليات الجيش ، وتضع المنظومة الإنسانية الدولية في السودان أمام اختبار وجودي .
خطورة هذه الحادثة تكمن في التناقض الصارخ الذي كشفته الوثيقة بين التصنيف الداخلي للقافلة كـ"شحنة عسكرية" وبين غطائها المعلن كـ"إغاثة" . هذا التلاعب يضرب في الصميم مفهوم "الحياد" ، ويغيّر قواعد الاشتباك جذرياً ، إذ يدفع الطرف الآخر ( قوات الدعم السريع والحركة الشعبية) إلى التعامل مع كل شاحنة إغاثة مستقبلاً باعتبارها "حصان طروادة" محتمل ، مما يشرعن سياسة " الاشتباه المسبق " ويعيق وصول المساعدات في بيئة هي الأشد هشاشة .
من زاوية القانون الدولي ، بشكل استخدام الأعيان الإنسانية لأغراض عسكرية انتهاكاً صريحاً للبروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف . فالقانون الدولي الإنساني يفرض على جميع الأطراف المتحاربة التمييز بين المقاتلين والمدنيين ، وبين الأعيان العسكرية والمدنية . وعندما تُستخدم مركبة تحمل شعار الإغاثة بشكل متعمد لنقل أسلحة ، فإنها تفقد حمايتها القانونية كـ"هدف محايد" . ويُعد استغلال الشارات المحمية لنقل العتاد العسكري نوعاً من "الغدر" الذي يسقط الحماية القانونية عن هذه الأعيان فوراً . الأخطر من ذلك ، هو أن هذا السلوك يضع العاملين الإنسانيين والمنظمات المحلية الشريكة في دائرة الاتهام بالتواطؤ ، مما يحولهم من وسطاء محميين بموجب اتفاقيات جنيف إلى أهداف عسكرية مشروعة ، وهو ما قد يؤدي إلى انسحاب المنظمات الدولية خوفاً على سلامة طواقمها ، وتمتد التداعيات لتشمل عزلة دبلوماسية ومالية خانقة ، كما أن المانحين الدوليين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام تحويل مساعداتهم إلى أدوات حرب مما يؤدي الي فرض آليات رقابة صارمة ومكلفة ، قد تصل إلى اشتراط "تتبع إلكتروني عبر الأقمار الصناعية" لكل شحنة ، وفرض تفتيش بنسبة 100% في نقاط السيطرة ، مما يعني عملياً شل سرعة الاستجابة الإنسانية ورفع تكلفتها التشغيلية إلى مستويات تعجيزية .
غير أن الخطورة الاستراتيجية تكمن في أن هذا السلوك يدفع الطرف الآخر لإعادة تقييم جميع القوافل العابرة لمناطق سيطرته، مما يزيد احتمالية تبني سياسة "إطلاق النار أولاً" في الاشتباكات المستقبلية، حيث يصبح التمييز بين الحمولة المدنية والعسكرية أكثر صعوبة في بيئة تفتقر أصلاً للثقة .
تأتي هذه الاتهامات في سياق إنساني كارثي . فالحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع – المندلعة منذ أبريل 2023 – أفرزت ما تصفه الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم ، مع نحو 30 مليون شخص بحاجة للمساعدة . وفي جنوب كردفان تحديداً ، وزّع العاملون الإنسانيون نحو 600 طن متري من الغذاء على قرابة 70 ألف شخص، فيما نزح أكثر من 115 ألف شخص عبر إقليم كردفان منذ أواخر أكتوبر . ووفقاً للمجلس النرويجي للاجئين ، أصبحت جنوب كردفان "بؤرة الحرب في السودان" ، حيث يواجه المدنيون قتالاً مكثفاً وحصاراً شبه كامل للإمدادات الإنسانية. إن أي ربط بين القوافل والنشاط العسكري سيؤدي حتماً لتشديد التفتيش وتأخير وصول الإمدادات الحساسة ، أو الرفض المطلق لدخول أي قافلة في المناطق الخاضعة لسيطرة الأطراف المتحاربة .
على الصعيد الدولي ، ستؤدي هذه الاتهامات لتآكل ثقة المانحين الذين يفرضون متطلبات صارمة لـ"عدم التحويل" . ومن المتوقع أن تبدأ مراجعات فورية قد تفضي لتجميد التمويل أو فرض آليات رقابة مكلفة .
أمام المجتمع الدولي سيناريوهان : الأول ، أن يُثبت تحقيق مستقل صحة المزاعم ، مما يستتبع مطالبات بمحاسبة المسؤولين وتشديد آليات الرقابة عبر المراقبة بالأقمار الصناعية والتفتيش الكامل للحمولات . الثاني ، أن يستمر الإنكار الرسمي مع بقاء الشكوك ، مما يخلق "أثراً مجمِّداً" يدفع المانحين للمطالبة بضمانات جديدة من أطراف ثالثة مستقلة كشرط لاستئناف التدفق الطبيعي للمساعدات .
عسكرة العمل الإنساني يمثل تهديدا وجوديا للمنظومة الإنسانية العالمية وهي مقامرة استراتيجية خاسرة ، إن تمرير شحنة ذخيرة واحدة تحت غطاء إنساني قد يحقق مكسباً تكتيكياً آنياً ، لكنه يغلق الطريق مستقبلاً أمام آلاف الأطنان من الغذاء والدواء لملايين المحتاجين . على صانع القرار إدراك أن الحفاظ على "حيادية" الفضاء الإنساني هو ضرورة أمنية ووطنية ، وأن هدم هذا الجدار يعني انهيار آخر خطوط الحماية للمواطن السوداني ، وشرعنة الفوضى الشاملة .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة