عندما تتحول اللغة من أداة تواصل إلى وسيلة تعبئة وتحريض لتفكيك اللحمة الوطنية كتبه مختار العوض موسى

عندما تتحول اللغة من أداة تواصل إلى وسيلة تعبئة وتحريض لتفكيك اللحمة الوطنية كتبه مختار العوض موسى


02-14-2026, 01:37 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1771076222&rn=0


Post: #1
Title: عندما تتحول اللغة من أداة تواصل إلى وسيلة تعبئة وتحريض لتفكيك اللحمة الوطنية كتبه مختار العوض موسى
Author: مختار العوض موسى
Date: 02-14-2026, 01:37 PM

01:37 PM February, 14 2026

سودانيز اون لاين
مختار العوض موسى-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





اللغة، في أصلها، أداة تواصل بين البشر؛ غير أنها حين تتحول، في زمن الحرب، إلى وسيلة تعبئة وتحريض، تصبح خطرًا مدمّرًا للحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي.
الحرب الدائرة في السودان لم تكن رصاصًا يُطلق فحسب، بل رافقتها مفردات تحريضية قاسية وغريبة لم تكن متداولة سابقًا، مثل: فتك، متك، دك، مسح، السماء ذات البروج وغيرها من المفردات التي استمدت شرعيتها من سياقات لهجية أو عسكرية محدودة، لكنها خرجت من نطاقها الضيق إلى الفضاء العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي ضجّت بخطاب تعبوي وتسجيلات عنف وتباهٍ به. وهكذا انتقلت اللغة من “الحديث عن الفعل” إلى “تمجيده”، فسادت كلمات تُطبع الذبح وتمزّق الوعي الجمعي، ليغدو العنف مقبولًا اجتماعيًا.
هذه المفردات ليست توصيفًا بريئًا، بل تمجيدًا ممنهجًا للعنف وتغذيةً للتشفّي الجماعي، بما يخلق مناخًا نفسيًا يسمح بالجريمة، ويوسّع دائرة العنف خارج ساحة القتال، كما يوسّع دائرة الكراهية. فالخطاب السائد لم يعد يستهدف “مقاتلًا”، بل جهة أو منطقة أو قبيلة أو حتى لهجة، لينتقل الصراع من مواجهة عسكرية إلى حرب هوية.
ولطالما حذّر الفلاسفة من خطورة اللغة حين تنفصل عن وظيفتها الأخلاقية والمعرفية. فقد رأى أفلاطون، في محاوراته، قوة الخطاب في توجيه الجماهير؛ فإذا استنار بالحقيقة كانت نتائجه إيجابية، أما إذا انزلق إلى إثارة العواطف وتغذية الخوف والغضب، فإنه يقود إلى الأحقاد والضغائن. وحذر “جورجياس” تحديدًا، من المفردة حين تنفصل عن الحقيقة وتصبح أداة لإثارة الانفعال بدل التفكير العقلاني.
أما أرسطو، ففي كتابه “الخطابة”، فقد شرح كيف تُستخدم العواطف – كالخوف والغضب والكراهية – في التأثير على الجمهور. لم يُحرِّم ذلك، لكنه أقرّ بأن توجيه العاطفة قد يُستخدم لدفع الناس نحو الصراع، حين تُستبدل الحُجّة بالعاطفة، ويُستبدل العقل بالانفعال.
ورأى توماس هوبز أن اللغة التي تُضخِّم التهديد وتزرع الشك يمكن أن تعيد الناس نفسيًا إلى “حالة الطبيعة”، حيث يسود صراع الجميع ضد الجميع، ويُقوَّض أساس الثقة الاجتماعية. بينما أوضحت حنّة آرندت كيف يمكن للغة أن تُخفي العنف خلف عبارات تبدو محايدة؛ فليست خطورة اللغة في صراخها فقط، بل في قدرتها على تطبيع العنف وتجريده من وزنه الأخلاقي.
وجورج أورويل نبّه إلى أن فساد اللغة يقود إلى فساد التفكير؛ فعندما تُستخدم الكلمات لتبرير العنف عبر الغموض والتعميم، تتوارى الحقيقة ويصبح العنف أكثر قابلية للقبول. أما فتغنشتاين، فرأى أن اللغة تُشكِّل طريقة رؤيتنا للعالم؛ فإذا وُصِف الآخر دومًا بأنه “عدو” أو “خطر”، فإن هذا الإطار اللغوي يعيد تشكيل الواقع الإدراكي، ويُنتج قرارات متصلبة حتى لو كانت خاطئة.
وفي السياق ذاته، اعتبر ميشيل فوكو أن الخطاب ليس بريئًا، بل قد يكون أداة للهيمنة وإنتاج “الشرعية”، حيث تُستخدم مفردات مثل: الأمن، التطهير، حماية الهوية لإضفاء مشروعية على العنف.
إن نزع الإنسانية عن الآخر عبر مفردات من قبيل: أعداء الوطن، خونة، طابور خامس، حشرات، ############ان، مرتزقة لا يمثل انزلاقًا لغويًا فحسب، بل يضرب في صميم مبادئ أساسية، منها:
-- مبدأ التمييز (Distinction): حين تختلط المفردات بين المدنيين والمقاتلين، يصبح استهداف المدنيين أسهل تبريرًا.
-- مبدأ الإنسانية (Humanity): إذ يقوم القانون على افتراض أن حتى العدو يظل إنسانًا له حماية قانونية؛ والخطاب المحرِّض يهدم هذا الأساس.
وعلى المستوى القانوني، فإن التحريض لا يُعدّ دائمًا كافيًا بذاته للمساءلة، إلا أنه يصبح بالغ الخطورة حين يكون مباشرًا وواضحًا. وفي القانون الجنائي الدولي، تُجرَّم صراحةً الدعوة المباشرة والعلنية إلى الإبادة الجماعية، حتى لو لم تقع الإبادة فعليًا.
كما أن القانون الدولي الإنساني، وإن لم ينظّم الخطاب بصورة مباشرة، فإنه يتدخل حين يؤدي الخطاب إلى تشجيع الجرائم، أو نزع الحماية عن المدنيين، أو خلق بيئة نفسية تسمح بارتكاب الفظائع. فالمفردات المحرِّضة قد تتحول من مجرد تعبير إلى أداة مساهمة في الجرائم والانتهاكات.
ولعل أخطر ما تفعله الحرب لغويًا هو تحويل المواطن إلى مفردة، والمفردة إلى مبرر للقتل. فحين تُسلب الجماعة إنسانيتها لغويًا، تُستباح أخلاقيًا دون شعور بالذنب.
لقد تزامنت مع الحرب مفردات دموية كسرت القاموس التصالحي المشترك بين أبناء الوطن الواحد، لترسّخ ثنائية “نحن” و“هم”، بما يعمّق الانقسام الجهوي والقبلي، ويؤسس لتطبيع القسوة. ومع كثرة تداول هذه المفردات، يتبلّد الحس تجاه العنف، ويغدو القتل مادة للتندر أحيانًا، في تآكل خطير للضمير الجمعي.
الأخطر أن أثر هذه اللغة لا ينتهي بانتهاء المعارك، بل ينتقل إلى الأجيال، ويتخزّن في الذاكرة الجمعية، ليؤسس لجولات عنف لاحقة. فالمجتمعات قد تنسى المعارك، لكنها نادرًا ما تنسى لغة الإهانة والإبادة.
لقد أثبت التاريخ خطورة اللغة المحرِّضة. ففي رواندا (1994)، استُخدمت مفردات مثل: صراصير، أفاعي، أعداء الوطن، وهي لم تكن أوامر قتل مباشرة، لكنها ساهمت في إبادة أكثر من 800 ألف إنسان خلال مئة يوم. وفي يوغسلافيا السابقة، سبقت لغة “التطهير” و“إزالة الخطر” مجازر مروعة.
ما جرى في السودان لغويًا ليس استثناءً تاريخيًا، بل حلقة في نمط عالمي معروف:
لغة نزع إنسانية → تحريض غير مباشر → تطبيع العنف → انفجار مجتمعي.
ومن لا يواجه خطاب الكراهية اليوم، قد يجد نفسه غدًا يبحث عن وطن، ويبحث عن لغة للتصالح بين مكوناته.