Post: #1
Title: عن بيان حزب الأمة القومي – غرب كردفان: في ضوء التاريخ واللحظة التأسيسية كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 02-04-2026, 02:35 AM
02:35 AM February, 03 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
3/2/2026 ، بوسطن
أولًا: ماذا يقول البيان؟ ا صدر حزب الأمة القومي – ولاية غرب كردفان بيانا بتاريخ 1 فبراير 2026، وأكد فيه ما يلي: ١/ دعم مبدئي لمشروع التأسيس ووقوفه خلف رئيس حكومة السلام ٢/ رفض تعيينات حكومة تأسيس في غرب كردفان، واعتبارها قائمة – بحسب البيان – على إعادة تدوير كوادر المؤتمر الوطني. ٣/ تحميل هذه التعيينات مسؤولية تهديد الوحدة الداخلية، وفتح الباب أمام عودة المؤتمر الوطني. ٤/ التلويح بـ دراسة الخروج من تحالف تأسيس احترامًا لإرادة القواعد، مع الاستمرار – نظريًا – في "التصويب" هذا هو مضمون البيان في جوهره: دعم للمشروع من حيث المبدأ، ورفض له عند أول اختبار عملي!
ثانيًا: الإقرار المشروع… وحدوده التحليلية لا خلاف علميًّا أو أخلاقيًّا على أن المؤتمر الوطني شكّل، تاريخيًا، بنية الخراب المركزي في السودان: قاد الانقلابات، وأدار الحروب الأهلية، وقوّض مسار مشروع ثورة ديسمبر، وأقام دولة قائمة على العنف البنيوي والإفلات من العقاب...الخ الجرائم التي لا يمكن ان تحصر في هذا المقال. ومن ثمّ، فإن إثارة الأسئلة حول أي تعيينات لحكومة "تأسيس" يُشتبه في صلتها بهذه المنظومة—ولا سيما حين تتعلق بكوادر معروفة وقيادية—هو حقٌّ مشروع وواجبٌ رقابي لا جدال فيه. غير أن حدود هذا الإقرار تبدأ حين يُختزل التحليل في سؤالٍ قاطع: من كان؟ فالإدارة الرشيدة للانتقالات السياسية لا تقوم على السجلّات وحدها، بل على تحليل التحوّل الفعلي في الوعي والموقع والممارسة. السؤال الحاسم، إذن، ليس الماضي في ذاته، بل: أين تقف هذه العناصر اليوم فكريًا وسياسيًا؟ وهل ارتكبت جرائم مباشرة؟ وهل خضعت لمراجعة جادة لتجربتها؟ وهل غيّرت مسار مواقفها تغييرًا صادقًا يمكن اختباره مؤسسيًا؟ في هذا الإطار، لا يكون المعيار أخلاقيًا خطابيًا، بل معياريًا إجرائيًا: التحوّل يُقاس بالالتزام العملي بقواعد جديدة، وبالقبول الصريح للمساءلة، وبالخضوع لآليات العدالة دون حصانة أو استثناء متي ما استدعي الامر. أما الاكتفاء بالإدانة المسبقة، فينقل النقاش من ساحة بناء الدولة إلى ساحة تصفية الرموز، ويعطّل القدرة على إدارة التعقيد التاريخي الذي يلازم كل لحظة تأسيس، خاصة في سياقات الدول مثل السودان. ومن هنا تتقدّم الأسئلة الصعبة والملحّة التي ينبغي أن تتصدر النقاش العام: كيف يُدار الانتقال؟ وبأي أدوات تُحسم التناقضات؟ هل عبر الإقصاء الأخلاقي المسبق، أم عبر منظومة عدالة تاريخية وقانونية تُخضع الجميع—دون استثناء—لاختبارات المحاسبة، وتربط الشرعية بالالتزام العملي بمشروع تأسيسي واضح؟ الإجابة التحليلية الراجحة هي أن لا انتقال بلا محاسبة، ولا محاسبة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا قبولٍ بإمكانية التحوّل المشروط والمرصود. بهذا وحده يتحول الإقرار بالماضي من لائحة اتهام خطابية إلى رافعة تأسيسية تمنع تكرار الخراب وتؤسّس لقطيعة حقيقية مع الدولة القديمة.
ثالثًا: حزب الأمة وتاريخه… سؤال لا يجوز القفز فوقه تتجلّى المعضلة الحقيقية في البيان لا كخلافٍ إجرائي حول تعيينات، بل كتوتّرٍ غير محسوم بين الذاكرة السياسية والموقف الراهن. فحزب الأمة نفسه ليس كيانًا طارئًا على الدولة السودانية، بل أحد أعمدتها منذ الاستقلال؛ وقد أسهم—بدرجات متفاوتة، مباشرة أو عبر شراكات وتسويات—في إعادة إنتاج الدولة المركزية، وإدارة حلول فوقية مع المؤسسة العسكرية، وتأجيل أي قطيعة جذرية مع إرث دولة 1956. والمفارقة أن هذا الإرث لا يزال حاضرًا في بنية الحزب وخطابه، إذ تقف اليوم عناصر قيادية منه في موقعٍ مناهض لمشروع "تأسيس"، وبعضها يذهب أبعد بالتماهي مع الجيش وتشكيلاته، بما يعيد إنتاج منطق الدولة الأمنية الذي يدّعي البيان نفسه معارضته! وتتعقّد الصورة أكثر حين نضع الوقائع في ترتيبها الصحيح: فاللواء فضل الله برمة ناصر ليس شخصية هامشية، بل قيادي أصيل في حزب الأمة القومي- رئيس الحزب، وفي الوقت ذاته قيادي مركزي في تحالف "تأسيس" وحكومتها. هذه الازدواجية ليست تفصيلًا تنظيميًا، بل مدخلٌ تحليلي لفهم التناقض الذي يتجنّب البيان مواجهته. صحيح أن اسم برمة ناصر ارتبط تاريخيًا بسياسات المراحيل وتسليح القبائل في غرب السودان وجنوب كردفان—وهي من أخطر تجليات العنف البنيوي—غير أن القراءة الرصينة لا تتوقف عند السجل وحده، بل تُخضعه لسؤال التحوّل. فاللحظة الراهنة تفرض مقاربة أكثر تركيبًا: مراجعة سياسية معلنة، انتقال من إدارة التناقض بالقوة إلى الارتقاء بمشروع تأسيس وطن، قائم على مبادلة المجتمعات في جنوب كردفان ودارفور، والاعتراف بمظالمها، والعمل—ولو متأخرًا—لصالح المصلحة العامة ضمن أفق الدولة الجديدة. من هنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الالتفاف عليه: كيف يرفض حزب الأمة "التناقضات" داخل تحالف "تأسيس"، بينما يقبل—بل يقدّم عبر قيادته—نموذجًا لتحويل تناقضاتٍ أعمق متجذّرة في تاريخه وقيادته إلى مسار مراجعة وتأسيس؟ إن الإجابة المتّسقة لا تكون بالانسحاب أو الإنكار، بل بالاعتراف بأن التأسيس الحقيقي يبدأ حين تُدار التناقضات بشجاعة ونضج، وتُخضع للعدالة والمساءلة، وتتحوّل من عبءٍ تاريخي إلى طاقة تغيير في لحظة لا تحتمل المراوغة.
رابعًا: تحالف "تأسيس" ومنطق الكتلة التاريخية لا يقدّم تحالف "تأسيس" نفسه بوصفه تحالفًا أخلاقيًا مُنقّى من التناقضات، بل بوصفه كتلة تاريخية تتشكّل في قلب واقعٍ مُثقل بالحرب والانقسام والمرارات. وهو، في هذا المعنى، إطارٌ جامع لقوى متباينة—وأحيانًا متعارضة—تلتقي لا لإعادة ترتيب المواقع داخل الدولة القديمة، بل لتفكيك بنيتها من الجذور وبناء دولة جديدة على أسس مغايرة. وتستند هذه الكتلة التاريخية إلى مبادئ موثّقة في ميثاق ودستور تحالف تحالف تأسيس، أبرزها: الحرية والسلام والعدالة؛ وبناء وطنٍ علماني ديمقراطي لا مركزي؛ وضمان المواطنة المتساوية؛ والاعتراف بـ الحق في تقرير المصير كضمانة لوحدة طوعية؛ وترسيخ العدالة التاريخية بوصفها أفقًا أشمل من العدالة الانتقالية؛ وإعادة تأسيس جيشٍ جديد مهني قومي يخضع للسلطة المدنية ويُنهي عسكرة السياسة. بهذا المعنى، لا تُبنى الكتلة التاريخية بالإقصاء الأخلاقي المسبق، بل بإخضاع الجميع لقواعد فوق-إجرائية جديدة تُحدّدها المبادئ الدستورية والالتزامات المؤسسية. ومن يطلب تحالفًا بلا تناقضات، إنما يطلب تحالفًا خارج التاريخ—لأن التاريخ نفسه لا يتقدّم إلا عبر إدارة التناقضات لا إنكارها.
خامسًا: ميثاق "تأسيس"… صمّام الأمان الحقيقي ما يغفله البيان—أو يتجاهله—أن ميثاق ودستور تحالف "تأسيس" قد حسم عمليًا المخاوف التي تُثار نظريًا حول الأشخاص والمواقع. فالوثائق التأسيسية تنصّ بوضوح على مبادئ قاطعة: لا حصانة لأحد، ولا إفلات من العقاب، وكل من ارتكب جريمة بحق الشعب السوداني يُحاسَب مهما كان موقعه أو تاريخه؛ مع التزامٍ صريحٍ بالعدالة والمساءلة وسيادة حكم القانون واحترام القانون الدولي الإنساني. وفق هذه القواعد، لا يمنح الموقع الإداري شرعية دائمة، ولا يعفي صاحبه من المساءلة. الشرعية هنا ليست سيرة ذاتية ولا ماضيًا مُعاد تدويره، بل التزامٌ عمليٌّ بمسارٍ تأسيسيٍّ خاضع للمحاسبة، ومُقاس بمدى الانضباط للمبادئ فوق الدستورية: الحرية، السلام، العدالة، العلمانية، الديمقراطية، اللامركزية، الحق في تقرير المصير، والعدالة التاريخية. هكذا يصبح الميثاق صمّام الأمان الذي يحوّل التناقضات من خطرٍ مُفكِّك إلى طاقةٍ مُنظَّمة تُدار بالقانون وتُفضي إلى دولة جديدة لا تكرّر أخطاء القديمة
سادسًا: غرب كردفان… بين الذاكرة المشروعة ومنطق الدولة غضب قواعد حزب الأمة في ولاية غرب كردفان غضبٌ مفهوم ومبرَّر؛ فالإقليم دفع أثمانًا باهظة من الدم والتهميش، وتحمّل وطأة سياسات المركز والحرب والعنف البنيوي. غير أن ترجمة هذا الغضب إلى تهديدٍ بالخروج من تحالف "تأسيس" لا تخدم الإقليم ولا تحمي ذاكرته، بل تُضعف موقعه داخل لحظة كان يمكن أن يكون فيها بكل مكوناته فاعلًا مؤسِّسًا في إعادة بناء الدولة ومستقبلها. الدولة الجديدة لا تُدار بالانفعال السياسي، بل بمنطق القانون والمعايير الواضحة. فإذا كان لدى حزب الأمة في غرب كردفان أدلة جنائية محددة بحق الأستاذ الباشا طبيق—بوصفه عضوًا سابقًا في المؤتمر الوطني—فإن الطريق السليم ليس التلويح بالانسحاب، بل التقدّم بهذه الأدلة إلى الجهات المختصة وفتح مسار مساءلة قانوني علني. أما إذا كان الاعتراض سياسيًا–مبدئيًا، أي لكون المعنيّ لا يقرّ بالمبادئ فوق الدستورية الواردة في ميثاق "تأسيس". فالمقتضى المنطقي هو الإعلان الواضح والمُسند عن ذلك، وتبيان مواضع التعارض، لا الاكتفاء بالاعتراض العام. إن الانسحاب لا يمنع عودة المؤتمر الوطني؛ بل يفتح ثغرات في الجبهة التأسيسية تُستغل دائمًا من قِبل قوى الثورة المضادة. أما البقاء داخل التحالف—مع تفعيل أدوات المحاسبة، والاحتكام إلى الميثاق، وفرض معايير الالتزام بالمبادئ فوق الدستورية—فهو الطريق الأجدى لتحويل الغضب المشروع إلى قوة سياسية بنّاءة، تحفظ كرامة الذاكرة، وتؤسّس لدولة لا تُدار بالأمزجة، بل بالقانون والمسؤولية التاريخية.
أخيرًا: من موقع المسؤولية التاريخية نحن إزاء لحظة تتجاوز الأحزاب بوصفها تنظيمات، وتتخطّى الأسماء بوصفها سيرًا ذاتية، وتعلو على التعيينات. إنها لحظة يُعاد فيها تعريف الدولة ذاتها: معناها، ووظيفتها، وعلاقتها بالمجتمع والتاريخ. في مثل هذه اللحظات، تصبح الحسابات الحزبية الضيقة عبئًا على المستقبل، لا رصيدًا له. من يمتلك تحفظًا داخل مشروع "تأسيس"—مهما كان وجيهًا—فإن موقعه الطبيعي داخل التحالف لا خارجه: يناقش بالحجة، ويضغط بالسياسة، ويُصوّب بالمؤسسات، ويُفعّل آليات العدالة والمحاسبة التي نصّ عليها الميثاق والدستور. هكذا وحده تُدار التناقضات في لحظات التأسيس: لا بالانسحاب، بل بتحويل الخلاف إلى قوة إصلاح من داخل المسار. أما الخروج و"الحردان"، فليس موقفًا مبدئيًا بقدر ما هو انسحاب من التاريخ في لحظة لا ترحم المترددين. فالانسحاب يبدّد القدرة على التأثير، ويترك فراغًا تملؤه قوى الثورة المضادة، ويحوّل الغضب المشروع إلى خسارة استراتيجية. "تأسيس" ليس وعدًا بالكمال، لكنه الفرصة الأخيرة لكسر دورة الدولة السودانية القديمة: دولة الامتياز والعنف والإفلات من العقاب. ومن يُضيّع هذه اللحظة لن يُسامحه المستقبل—حتى وإن صفّق له الماضي.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|