Post: #1
Title: البلبوسية: أيدولوجيا الصوت العالي وغياب العقل كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 02-03-2026, 06:35 PM
06:35 PM February, 03 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
"البلبوسية": أيدولوجيا الصوت العالي وغياب العقل
الصادق حمدين
في البدء كانت الكلمة، بالتأكيد الكلمة هنا لا تعني لفظاً منطوقاً بل تعني المعنى والعقل والمبدأ الذي به يفهم الوجود، كما تقول الفلسفة اللاهوتية، وحين فسدت الكلمة فسد المعنى، وحين انحرف المعنى صارت اللغة خنجراً أعمى يُغمد في خاصرة الوطن الجريح باسم "الكرامة"، والفداء والتضحية والبطولة الوهمية.
هكذا وُلدت كلمة "البلابسة" لا كفكرة أو مصطلحاً نشأ في حيز العلم والمعرفة، بل كعطب في الوعي، وكحالة شلل ذهني تصيب من يكرر الشعار "المغلوم"، دون أن يدرك كارثية مآلاته، ومن يهتف للحرب كما لو كانت نشيداً مدرسياً لا فاتورة واجبة السداد دماً، ولا مقابر جماعية عامرة بالأجساد المجهولة إسماً ورسماً وهوية. ولا خراب ودمار للحجر والشجر.
"بل بس"، ليست مجرد لفظة عابرة؛ إنها اختزال فجّ للعقل، ومصادرة للأسئلة التي تنتج اجابات تنفع الناس، وتكثيف للعنف في مقطعين صوتيين. هي اللغة التي حين تُقال تُغلق أبواب التفكير، وحين تُكرر تتحول إلى طقس من طقوس الطاعة العمياء. قيل إنها خرجت أول مرة تحريفاً لمعناها الأصلي من فم "جبريل إبراهيم"، رئيس حركة ما يسمى بالعدل والمساواة أمام رهط من جنده، - ذاك الرجل الذي اعتاد أن يرى السياسة ساحة قتال لا مائدة تفاوض، وأن الوطن غنيمة لصالحه لا عقد شراكة يشترك في مصيره الجميع وان الارتزاق مهنة - . ثم جرى من بعد ذلك تعميدها في إعلام يعرف جيداً كيف يحوّل الصراخ إلى عقيدة، والضجيج إلى بديل عن الرؤية.
في أصل الحكاية وتأصيلاً لكلمة "بل بس"، كما تروي الذاكرة الشعبية، قِيل أنه حبلٌ تيبس من طول الإهمال حتى أصبح عصياً على حل عقدته، وبهيمة مربوطة به تنتظر قطرة ماء تليّنه كي يسهل حله. لكن المفارقة المأساوية أن من يرفعون اليوم شعار "بل بس" لا يريدون تليين الحبال بل شدّها، لا لفك العقد بل لتعميقها، حتى يختنق الوطن ويُقال بعدها بفخر كذوب: لم يكن لنا خيار غير الرصاص والدم سبيلاً إلى سلطة على انقاض الوطن.
هنا يتجلى البلبوسي كـ "جِتّةْ منزوعة العقل" وكائن ببغائي يردد الكلمة خارج عقله الصغير وإدراكه المغيب، يلوّح بالحرب وكأنها نزهة، ويتحدث عن الخراب كما لو كان مرحلة مؤقتة في طريق العودة إلى الكرسي. لا يرى في القصف جريمة، ولا في التشريد مأساة، ولا في الدم إلا حبراً إضافياً لبيان سياسي. يؤمن أن الحرب بلا ثمن، وأن الأوطان تُستعاد بالركام، وأن الأيادي التي ستُقبّل في النهاية لا تزال نظيفة رغم أنها غاصت حتى المرفقين في الدم والجراح والألم.
يقف خلف هذا الشعار سيناريو وانتاج وإخراج سياسيون وإعلاميون كيزان ولغوا في بحر من الدماء والاجرام والفساد بشتى صنوفه، فأدركوا أن الطريق إلى السلطة لم يعد يمر عبر صناديق أصوات الناس ورضائهم وإرادتهم الحرة، فاختصروا الطريق عبر فوهات البنادق والرصاص. وحين عجزوا عن إقناع الشعب، لجأوا إلى تنويمه "حنجورياً": إعلام يكرر، ومنصات تصرخ، وجمهور يُدرّب على الترديد لا على الفهم. حتى صارت "بل بس" أشبه بتعويذة؛ من قالها أُعفي من التفكير، ومن هتف بها سقط عنه واجب السؤال: لماذا؟ ولصالح من؟ وعلى جثث من؟
لكن التاريخ لا يُخدَّر طويلاً، واللغة مهما تلوثت تستعيد معناها يوماً. سيأتي وقت تُكسَر فيه هذه الدوامة الصوتية، ويُسأل فيه مروّجو الحرب عن حصادهم: ماذا أبقيتم من الوطن؟ وأي سلطة تُبنى على أنقاض المدن ونواح الثكالى؟ وأي نصر هذا الذي لا يرى إلا من خلف الشاشات والمواقع الاسفيرية التي تنتج وهماً وسراب بقيع ظنه المهزوم ماء نصراً زلالا؟ وكما يعلمون أو كان ينبغي عليهم ان يعلموا ان النصر على جرح الوطن هزيمة نكراء.
إن أخطر ما في "البلبوسية"، ليس الكلمة نفسها، بل ما تُخفيه من مشروع خراب يُقدَّم في عباءة الحسم، وانتحار جماعي يُسوَّق باسم الوطنية. وما لم تُستعاد اللغة من أيدي تجار الحرب والدم، سيظل الوطن مربوطاً بحبل متسخ ويابس، لا ينتظر ماء العقل والحكمة لحل عُقده المتشابكة، بل مقصلة الشعارات المخاصمة للوعي والعقل التي لا تنتج إلا خراباً. وفي نهاية المأساة، لا تُنقذ الأوطان بمن يقولون آلياً "بل بس"، بل بمن يجرؤون على قول لماذا؟ ولا تُبنى الدول بالصوت العالي، بل بالعقل اليقظ، والضمير الذي يرفض أن يكون الحرب طريقاً، والدم ثمناً، والسلطة غاية في حد ذاتها بئس من يرى في الدمار كرامة وفي التشرد والتنزيح واللجوء مفخرة. الأوطان لا تشترى لو تعلمون.
الصادق حمدين
Sent from Outlook for iOS
|
|