Post: #1
Title: المنبتون إجتماعيا يحاربون من حرروا السودان: مفارقات عجيبة* ! كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 02-03-2026, 10:27 AM
10:27 AM February, 03 2026 سودانيز اون لاين الطيب الزين-السويد مكتبتى رابط مختصر
*المنبتون إجتماعيا يحاربون من حرروا السودان: مفارقات عجيبة* !
هذا المقال يقدم قراءة للأزمة السودانية من منظور علم الاجتماع النفسي، بوصفه الإطار العلمي الذي يفسر كيف يؤدي الإنبتات الاجتماعي إلى هشاشة الهوية، وكيف تتحول هذه الهشاشة إلى نزعات سلطوية مدمرة للوطن. فالسلوك السياسي لا ينفصل عن البنية الاجتماعية، ولا عن التكوين النفسي للأفراد الذين يصعدون إلى السلطة، خاصة عندما يكون صعودهم عبر مؤسسات تأسست أصلاً على الإنقطاع عن المجتمع. من أعجب مفارقات التاريخ السوداني أن يتحول المنبتون اجتماعيا وسياسيا إلى قوة تحارب المكونات التي حررت السودان. فالمجتمع السوداني تشكل من قبائل ومجموعات اجتماعية خاضت معارك التحرير ضد الغزو التركي المصري ثم ضد الاستعمار البريطاني، وقدمت الشهداء وصنعت الوجدان الوطني في شيكان وأم دبيكرات وكرري. لكن المؤسسة العسكرية التي تأسست في عهد الاستعمار لم تُبنَ على هذا الأساس والامتداد التاريخي، بل قامت على أساس الإنبتات الاجتماعي، إذ اختار البريطانيون عناصر منبتة لا جذور لها في القبائل التي خاضت النضال والمقاومة، ولا امتداد لها في البنية الاجتماعية التي صنعت السودان، لضمان ولاء مطلق للمستعمر لا للوطن. ومنذ ذلك التأسيس المشوّه، أصبح الجيش السوداني مدخلًا لكل من يشعر بعقدة نقص اجتماعية أو اغتراب عن المجتمع، فيجد في البزة العسكرية وسيلة لإخفاء هشاشته الداخلية وتعويض شعوره بالدونية. وهذا ما يفسره علم الاجتماع النفسي: فالفرد المنبت اجتماعيا، الذي لا يحمل جذورا واضحة أو انتماء راسخا، يعاني غالبا من عقد نفسية وهشاشة هوية، ومن شعور عميق بالنقص، فيبحث عن سلطة قسرية تعوّض هذا الفراغ. البزة العسكرية هنا تتحول إلى قناع نفسي، لا رمزا للانتماء الوطني، وتصبح المؤسسة العسكرية فضاءً جاذبًا لمن يبحثون عن سلطة تعويضية لا عن خدمة وطنية. عندما ننظر إلى تاريخ الانقلابات في السودان، نجد أن القادة الذين نفذوا الانقلابات العسكرية خرجوا جميعًا من هذه البنية المنبتة التي أنتجت هشاشة داخلية ورغبة في السيطرة للتغطية على عقدة النقص في دواخلهم. فالانقلابات التي نفذها عبود ونميري والبشير والبرهان ليست أحداثا معزولة، بل حلقات في سلسلة واحدة تعكس أزمة بنيوية في مؤسسة تأسست على الإنبتات، فصارت ملاذًا لمن يعانون من اغتراب اجتماعي وعقد نفسية مرتبطة بالهوية والانتماء. ومع انقلاب 1989، بلغ هذا المسار ذروته. فقد سيطرت الجبهة القومية الإسلامية على الدولة عبر فئات منبتة اجتماعيًا، لا جذور لها في القبائل المعروفة التي صنعت تاريخ السودان في المعارك التاريخية التي خاضها المهدي والخليفة عبد الله التعايشي، الذي يعتبر القائد المؤسس للسودان وباني أم درمان: حي العرضة والملازمين والموردة… أي موردة الخيل. المنبتون أصبحوا يتطاولون على من حرروا السودان في القرن التاسع عشر كأول دولة في إفريقيا تتحرر بالبطولة والعنفوان. أشخاص مثل عمر البشير وعلي عثمان محمد طه وعلي كرتي وعوض الجاز وأحمد هارون وغيرهم خرجوا من بنية الإنبتات نفسها، لا أصل لهم في تاريخ المقاومة، ويشعرون في دواخلهم بعقد نفسية، ولذلك يحقدون على من حرروا السودان. لم يصدقوا أنفسهم حينما وصلوا إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري في عام 1989، فحوّلوا الدولة إلى غنيمة، والجيش إلى أداة، والوطن إلى مساحة للنهب. علم الاجتماع النفسي يفسر هذا السلوك بوضوح: الفئات المنبتة، التي تعاني من هشاشة هوية، تميل إلى ممارسة العنف والسيطرة لتعويض شعورها بالنقص، وتجد في السلطة المطلقة وسيلة لإخفاء اغترابها عن المجتمع. ولذلك تعامل هؤلاء مع السودان كشيء خارجي، لا كامتداد لهم، فكان طبيعيا أن يدمروا البلاد منذ عام 1989، وأن يواصلوا اليوم القضاء على ما تبقى منها. ومن هنا جاءت أكبر خيانة وطنية في تاريخ السودان: فصل جنوب السودان. فالفصل لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل نتيجة مباشرة لسيطرة فئات منبتة على الدولة، فئات لا تشعر بأي التزام أخلاقي تجاه الوطن، ولا تحمل ذاكرة المقاومة، ولا تنتمي إلى القبائل التي صنعت السودان. ومن الطبيعي أن من لا جذور له لا يتردد في تمزيق وطن لا يشعر بالانتماء إليه. وحتى الخطابات التي ظهرت لاحقا لتبرير الحرب أو تقسيم المجتمع، مثل خطاب “عرب الشتات” الذي أطلقه الدرديري محمد أحمد، يعبر عن عقدة نفسية يعاني منها الدرديري نفسه، كونه من الفئات المنبتة إجتماعيا التي تبحث عن شرعية بديلة عبر صناعة تقسيمات مصطنعة أو عبر التحريض على المكونات التي حررت السودان. فهذه الأصوات التي ظهرت حالة الاضطراب في خطابها، لو دققنا في تاريخها، نجدها من الفئات المنبتة إجتماعيا، لا تنتمي إلى القبائل التي قاومت الإستعمار، ولا إلى المجتمعات التي صنعت السودان، بل إلى بنية الإنبتات نفسها التي أنتجت الانقلابات. واليوم نجد أن كل الداعمين لعبد الفتاح البرهان ينتمون إلى الفئة ذاتها: فئات منبتة إجتماعيا، بلا جذور في تاريخ المقاومة، وبلا إمتداد في القبائل التي صنعت السودان، وبلا إلتزام أخلاقي تجاه الوطن. هذه الفئات تجد في الحرب فرصة لتعويض هشاشتها الداخلية، وفي التحالف مع الخارج وسيلة لحماية مصالحها الطفيلية، وفي تدمير السودان طريقا لإخفاء شعورها العميق بالنقص. المنبتين أصبحوا أدوات في يد قوى إقليمية لها تطلعات هيمنة وسيطرة ونهب موارد السودان عبر هؤلاء المنبتين لذلك تمدهم بالمال والسلاح لإطالة أمد الحرب لضمان إستمرار نهب موارد السودان من مياه وثروة حيوانية وصمغ عربي وذهب. فالإرتهان لتركيا وإيران ومصر ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لبنية الإنبتات نفسها: من لا جذور له لا يشعر بواجب حماية الوطن، ومن لا إنتماء له لا يتردد في بيع البلاد لمن يدعمه في تثبيت سلطته. إن ما يجري اليوم ليس صراعا سياسيا عابرا، بل صراع بين من حرروا السودان ورفعوا شعار السودان للسودانيين — وبين فئات منبتة لا أصل لها ولا فصل، سيطرت على الدولة عبر الإنقلابات والحروب، التي دمرت الدولة والمجتمع، وفتحت الباب أمام القوى الإقليمية الطامعة في نهب ثروات البلاد. إن كشف هذه البنية هو جوهر المعركة الفكرية اليوم، لأن الخطر ليس في الأسماء، بل في المنظومة التي أنتجتهم، وفي الإنبتات الذي جعلهم أدوات رخيصة تبيع السودان بثمن بخس، لأنهم لا يشعرون بالانتماء إليه. لن ينهض السودان إلا بتحرير الدولة من قبضة هؤلاء المنبتين، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية تحترم إرادة الشعب، وتستمد شرعيتها منه، لا من عقد النقص، أو الإرتهان للخارج.
الطيب الزين / كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي
|
|