Post: #1
Title: القلم مابيزيل بلم يا عبد الله علي إبراهيم#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 02-03-2026, 05:15 AM
05:15 AM February, 03 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
من «ود نقد» إلى «ود تبرير»
وقفة د. عبد الله علي إبراهيم مع قضية إعدام الأستاذ محمود محمد طه، ما عادت تُقرأ بوصفها “وجهة نظر” أو اجتهاداً تاريخياً قابلاً للأخذ والرد. نحن أمام انعطافة معرفية حادة، بل عوجة مكتملة الأركان، تُثير سؤالاً مُقلقاً كيف لمثقف “عضوي”، نشأ على نقد السلطة وكشف آليات القهر، أن يُسخّر أدواته الأكاديمية وذكاءه التحليلي لبناء راكوبة تبريرات، يحتمي تحتها القاتل الحقيقي من شمس المسؤولية الأخلاقية والسياسية؟ المسألة هنا ليست اختلافاً في التفسير، بل تحوّل في الموقع: من موقع مساءلة السلطة إلى موقع تخفيف وزرها، ومن تفكيك الخطاب السلطوي إلى إعادة تدويره بلغة أكثر أناقة وأشد مراوغة. هندسة التمويه: كيف يُضيَّع الحق بين السطور؟ تذويب الجريمة في «الموية»: حين تُفصل السياسة عن دمها المنهج الذي يعتمده د. عبد الله في هذا الملف يقوم على ما يمكن تسميته شعبياً: فصل القطر من القضيب. فبدلاً من تسمية الأشياء بأسمائها — جريمة دولة، قرار سياسي، نظام سلطوي متكامل — يجري تحويل إعدام الأستاذ محمود إلى ما يشبه “حادثة ثقافية” أو “هياجاً دينياً” عاماً، بلا فاعل محدد ولا مركز قرار. بهذا الأسلوب، تُسحب الصفة السياسية من الجريمة، ويُنزَع عنها طابع السلطة، ويتحوّل الجزارون إلى مجرد “مناخ” أو “مزاج عام”، بينما تُختزل الدولة إلى ديكور صامت. وكأن قوانين سبتمبر هبطت من السماء، وكأن المحاكم انعقدت بلا توقيع وكأن المشنقة نُصبت بلا أوامر. اختراع «بعابع» بديلة المشيخة كقناع للسلطة حتى تكتمل عملية التمويه، يجري اختراع فاعل بديل اسمه: المشيخة. مصطلح مطاطي، بلا عنوان واضح ولا مسؤولية قانونية، يؤدي وظيفة محددة: تحميل “المشيخة” وزر الدم بدل التنظيم الحاكم. تحويل القضية من صراع قانون وسلطة إلى نقاش أخلاقي وثقافي عام. إزاحة الإسلامويين من موقع الفعل التنفيذي إلى هامش المشهد. لكن السؤال البسيط، الذي لا يحتاج لنظرية: من كان يملك الشرطة؟ من كان يسيطر على القضاء؟ من كان يحكم الدولة ساعة شدّ الحبل حول عنق محمود محمد طه؟ الهروب من هذه الأسئلة ليس اجتهاداً، بل إزاحة متعمّدة للمسؤولية. «الحداثيون»: كبش الفداء البلاغي ولأن أي سردية تبريرية تحتاج خصماً، يصنع د. عبد الله عدواً وهمياً سماه: الحداثيون. مظلة واسعة، يُلقى تحتها كل من رفض الإعدام: الجمهوريون، أسر الضحايا، القوى المدنية، وحتى الحس الإنساني البديهي. بدلاً من مواجهة سؤال: كيف ولماذا قُتل الرجل؟ ينزلق الخطاب إلى سؤال آخر: لماذا يغضب الناس؟ وبدل إدانة الجريمة، تُدان ردود الفعل، ويُوصَف الغضب بالضغن، والاحتجاج بالجهل. هكذا تتحوّل المشنقة إلى “سوء فهم”، ويصير الاعتراض عليها مشكلة أخلاقية عند المعترضين، لا عند من نفّذوها. لوي ذراع النظريات: فانون خارج سياقه أكثر ما يثير الدهشة — وربما الأسى — هو استدعاء فرانز فانون في هذا السياق. فانون الذي كتب عن عنف المستعمِر، وعن تفكيك بنية السيطرة الكولونيالية، يُستَخدم هنا لتفسير عنف دولة وطنية ضد أحد مواطنيها. هذا ليس توظيفاً نظرياً، بل زينة فكرية تُعلّق على جريمة مكتملة الأركان. فإعدام محمود محمد طه لم يكن نتاج “جغرافيا استعمارية للعنف”، بل ثمرة شهوة سلطة محلية، خافت من فكرة، فقتلت صاحبها باسم الدين. النظرية هنا لا تشرح، بل تُضلِّل. التشريح الأخلاقي: قلبت الهوبة يا دكتور؟ الخطاب في مجمله يقوم على كيل بمكيالين فجّ:- مع الجاني: لغة مخففة، مصطلحات عامة، غموض مقصود. مع الضحية ومناصريه: حدّة، اتهام، تشكيك في النوايا. كأن الجلاد والضحية صارا “طرفين متساويين” في نقاش ثقافي، لا علاقة له بحبل ومشنقة وساحة إعدام. وكأن الدم مجرد تفصيلة جانبية في جدل أكاديمي أنيق. وهنا مكمن الخطر حين تُفقد الجريمة بعدها الأخلاقي، لا يعود للعدل معنى، ولا للتاريخ ذاكرة.
الحقيقة لا تُغطّى بتوب الأكاديمية ما يكتبه د. عبد الله علي إبراهيم في هذا الملف ليس بحثاً بريئاً، بل محاولة لإعادة صياغة الرواية الرسمية بلغة أكثر تهذيباً، مستخدماً رأس المال الرمزي لمكانته الأكاديمية. لكن الحقيقة — مهما طال الزمن — تبقى بسيطة ومباشرة: الأستاذ محمود محمد طه أُعدم بقرار سياسي، من نظام نميري المتحالف مع الإسلاميين، وتحت قوانين سبتمبر 1983، وبمباركة فكرية وتنظيمية واضحة. يا دكتور، الدم السال تحت المشنقة ما بيتحوّل إلى حبر، والجريمة ما بتصغر لما نغيّر اسمها، والقلم — مهما كان لامعاً — ما بيزيل بلم.
|
|