Post: #1
Title: الدكتور أمير النور حين يغيب حارس الذاكرة الموسيقية كتبه عبد المنعم هلال
Author: عبد المنعم هلال
Date: 02-02-2026, 06:21 PM
06:21 PM February, 02 2026 سودانيز اون لاين عبد المنعم هلال-الخرطوم-السودان مكتبتى رابط مختصر
رحل د. أمير النور إبراهيم في صمت كما عاش ولم يصنع رحيله ضجيجاً إعلامياً رحيل الباحث الذي جعل الموسيقى علماً والبحث إحساساً رحل الباحث وترك الموسيقى يتيمة الدكتور أمير النور حين يغيب حارس الذاكرة الموسيقية حين يغيب أمير النور تسأل الثقافة السودانية عن نفسها التراث السوداني فقد حارسه والمؤسسات الثقافية نائمة عبد المنعم هلال ـ في صبيحة يوم مثقل بالحزن السبت الموافق 24 يناير 2026 وتحديداً عند الثانية ظهراً شهد دار الخرطوم جنوب للموسيقى يوماً خرج عن المألوف لم يكن نشاطاً ثقافياً عابراً ولا مناسبة بروتوكولية معتادة بل وقفة وفاء صادقة جاءت في أسبوع الرحيل الموجع لمؤسس منظومة رحيق السبت الراحل المقيم الموسيقار والباحث والمؤرخ د. أمير النور إبراهيم مكي طيب الله ثراه الذي رحل في يوم الأربعاء الموافق 13يناير 2026 كان المشهد في مجمله رسالة بليغة حضور أنيق في معناه قبل شكله تمثّل في أعضاء منظومة رحيق السبت بشقّيها الرجالي والنسائي في لفتة أكدت أن مكانة الراحل لم تكن مجرد اسم عابر في سجل الموسيقى بل قيمة إنسانية وثقافية مستقرة في وجدان من عرفوه. ـ طقس البداية كان بتلاوة آيات من القرآن قبل الكلام وكما جرت العادة في مثل هذه المقامات استُهلّ اليوم بعد صلاة الظهر بـختمة من القرآن الكريم على روحه الطاهرة شارك فيها جميع الحضور في لحظة روحانية خالصة امتزج فيها الدعاء بالصمت والسكينة بحزن نبيل لا يحتاج إلى زينة لغوية. كان ذلك الاستهلال تعبيراً صادقاً عن طبيعة الرجل نفسه هادئًا غير مستعجل يقدم الجوهر على الشكل،طزوالمعنى على الضجيج. ـ عقب الختمة توالت الكلمات لم تكن كلمات مجاملة أو تعداداً تقليدياً للمناقب بل كانت كلمات وفاء وشهادات صريحة عن رجل عاش للمعرفة ورحل دون أن ينال ما يستحقه من تقدير. ـ تحدث الحضور عن مآثر الفقيد، وعن محطات مهمة في حياته العلمية والموسيقية وأجمعوا على حقيقة موجعة أن د. أمير النور رغم عطائه وصدقه لم يجد التقدير والتكريم اللائق من أجهزة الدولة وعلى رأسها وزارة الثقافة الاتحادية الجهة المنوط بها رعاية المبدعين وحفظ إرثهم في شتى ضروب الفنون. ـ لم يكن الحديث انفعالياً بل نقداً هادئاً يفتح جرحاً قديماً لماذا نحتفي بالمبدع بعد رحيله ولا نمنحه ما يستحقه في حياته ..؟ ـ دكتور أمير النور إنسان قبل أن يكون باحثاً وقد توقف المتحدثون مطولاً عند إنسانية الراحل وكيف كان يتعامل مع أفراد منظومته الموسيقية لم يكن قائداً متسلطاً ولا مؤسساً يطلب الولاء بل أباً معرفياً يرى في الموسيقى رسالة وفي العمل الجماعي قيمة وفي الاختلاف ثراءً لا تهديداً. ـ كان يعامل الجميع باحترام ويمنح الفرصة للشباب ويشجع التجريب الواعي ويؤمن بأن المعرفة لا تُحتكر وأن التراث لا يُصان إلا بتسليمه للأجيال القادمة بوعي ومسؤولية. ـ أمير النور مشروع بحث لا اسم عابر ثلاث كليات ثلاث عوالم وشخص واحد يجمع كل ذلك الدكتور أمير النور بدأ رحلته في كلية البيطرة والإنتاج الحيواني حيث تعلم قوانين الحياة وعجائب الطبيعة ثم انتقل إلى كلية التربية ليصقل مهاراته في التعليم وتشكيل العقول وأخيراً دخل عالم كلية الموسيقى والدراما مكتشفاً أسرار الإبداع والفن وعمق الأداء المسرحي والموسيقي. ـ رحلته تعكس قدرة فريدة على المزج بين العلم والفن بين العقل والإحساس لتجعل من تجربته مثالاً حياً على أن الإنسان يمكن أن يكون متعدد الأبعاد لا يكتفي بعالم واحد بل يسعى لامتلاك كل الأفق الممكن والحديث عن د. أمير النور اليوم ليس مجرد رثاء لشخص بل تقدير لفكرة عاش من أجلها فقد اختار طريقاً شاقاً في زمن السرعة طريق البحث الموسيقي وكان يرى أن الموسيقى السودانية ليست مجرد أغان تؤدى بل نصوص ثقافية حية مرتبطة بالبيئة والطقس والذاكرة الجمعية. ـوفي برامجه الإذاعية والتلفزيونية خاصة عبر الإذاعة السودانية قدم خطاباً مختلفاً لا استعراض ولا انفعال بل تحليل هادئ يحترم عقل المستمع كان يشرح الإيقاع ويفكك اللحن ويعيد الأغنية إلى سياقها الاجتماعي مؤكداً أن الموسيقى مرآة المجتمع لا زينته فقط. ـ سلك الدكتور امير النور طريق شائك وواجه مؤسسات لا تنصت فلم تكن مسيرته مفروشة بالورد فقد واجه مواقف قاسية داخل مؤسسات رسمية كشفت ضعف تقدير الباحثين والمثقفين وأعادت طرح سؤال مؤلم حول علاقتنا بالمعرفة هل نريد باحثاً يسأل ويحلل أم مبدعاً يصفق ويصمت ..؟ ـ ورغم ذلك لم يدخل أمير النور في صراعات مفتوحة بل اختار الصبر والعمل مؤمناً بأن الزمن كفيل بفرز الحقيقي من الزائف. ـ الرحيل والصمت الأبلغ في يوم الأربعاء الموافق 13 يناير 2026 رحل د. أمير النور إبراهيم مكي في صمت كما عاش لم يصنع رحيله ضجيجاً إعلامياً لكنه ترك فراغاً ثقيلاً في المشهد الموسيقي والثقافي. رحل الباحث وبقيت الأسئلة معلقة وبقي الإرث بحاجة إلى توثيق أمين وحفظ لائق. ـ إن فقدان أمير النور ليس فقدان شخص فحسب بل خسارة مشروع معرفي كان يمكن أن يسهم في بناء وعي موسيقي أكثر عمقاً واتزاناً. لم يرحل أمير النور ضجيجاً بل غاب كما عاش هادئاً عميقاً ومنحازاً للمعنى. رحل الجسد وبقي السؤال وبقيت النغمة شاهدة على رجل آمن بأن الموسيقى وطن وبأن البحث فيها فعل وفاء لا شهرة. رحم الله الدكتور أمير النور فبعض الراحلين لا يُنسون لأنهم كتبوا أسماءهم في الذاكرة لا في العناوين.
|
|