Post: #1
Title: استراحة محارب: التأسيس تخوض حربًا تعرف مقاصدها، وتدرك مداها كتبه د. أحمد التيجاني سيد أحم
Author: احمد التيجاني سيد احمد
Date: 02-01-2026, 03:14 PM
03:14 PM February, 01 2026 سودانيز اون لاين احمد التيجاني سيد احمد-ايطاليا مكتبتى رابط مختصر
د ١ فبراير ٢٠٢٦ روما – إيطاليا
[email protected]
لم تكن الحرب التي أشعلتها مليشيات الكيزان انفجارًا مفاجئًا، بل حربًا مؤجَّلة، تعود فيها الدولة إلى أصلها العنيف، ويُختبر فيها معنى المسؤولية والنصر.
حرب النخبة المتعاقبة لم تكن الحرب التي أشعلتها مليشيات الكيزان بعيدة عن التوقع أو عن التصور العام؛ كانت حربًا مؤجَّلة. منذ زمن سالي فو حمر، وُصفت بأنها حرب النخبة المتعاقبة: جاءت ومضت، ثم عادت لتُختَم بالحرب نفسها.
في ذلك الزمان، كان الحب يرشّ رمال كردفان ودارفور بروائحه العبقة، كما عرفته شواطئ الشلال الثاني الرملية في بلاد النوبة، لكن الأيام أثبتت أن الحب والصدق يقتلان الأمراء، ويُنهيان شأن الممالك.
العزم بدل الحب: درس النوبة لم يكن الأمر كذلك في زمان الكنداكة النوبية أماني ريناس؛ إذ كان العزم والدهاء بديلًا للحب، وبهما تمكّنت الكنداكة أماني ريناس من طرد أوغسطين، إمبراطور الروم. أما حملة الأقواس، فقد أنهوا جيش عبد الله بن أبي السرح نهاية لا لبس فيها؛ فُقِئت العيون، وتكسّرت الصفوف، وظلّ رماة الحدق يطلقون سهامهم حتى تفرّق الجنود الفارّون كالمعز، لا يلوون على شيء، يبحثون عن الأجحار والمخابئ.
حرب الكيزان: الخيانة والجبن لهذا كانت حرب الكيزان مؤجَّلة، لا لوفرة الغزاة، بل لأن مصير الغزاة في بوادي سالي فو حمر وأنهارها ونيلها كان معلومًا سلفًا: الهروب. أما أسباب حرب الكيزان فكانت الخيانة العظمى والجبن؛ فما رأت عوالم الحروب أجبن منهم، ولا عرفت لهم دهاءً سوى الخيانة والسرقة والتواطؤ. يهربون من المواجهة، ويعقدون صفقاتهم في الظل، ثم يطلبون من الشعب أن يدفع ثمن جبنهم دمًا وخرابًا.
إعادة تدوير الوهم ولحكمة يعلمها الله، جاء إلى مصر يهوديٌّ من مراكش، تزيّا بزيّ الصعيدي، وأنشأ مجلس إدارة من النقلتية والجزارين والجرسونات والقوّادين، ثم تزيّا برداء «الإخوان». هكذا صُنعت الواجهة، وهكذا جرى تصدير الوهم.
الخراب المؤجَّل غير أنّ جهلنا الأكبر كان حين نسينا أن السودان، موطئ قدم آدم وحواء، سيُتّخذ مركزًا للحركة الإسلامية العالمية، وأن يُحمَّل فوق طاقته، فيكون سببًا في خراب الخرطوم الكبرى أضعاف خراب سوبا.
من الهامش إلى مركز المسؤولية وفي خضم هذا المسار، برز نجم محمد حمدان دقلو، الخارج من بين الغرابيل، ممتطيًا اسم راعي الإبل، وممتطيًا — قسرًا — اسم الجنجويد؛ رجل أبصر لا بالعين وحدها، بل بالبصيرة، فارتقى إلى مشارف الزمن، وتعلّم، وجاور، وحاور، وأدرك أن المنفذ الوحيد هو تحمّل المسؤولية. خرج من الهامش لا هروبًا من الماضي، بل خروجًا به إلى امتحان المستقبل، حاملاً أثقاله، مدركًا أن الأمم لا تُحفظ بالأسماء، بل بمن يقرأ لحظة التاريخ ويتحمّل كلفتها.
النصر كمسؤولية تاريخية لم تصنعه المناهج بقدر ما صاغته التجربة، فآثر صوت العقل، والدفاع عن الحق والهوية، وبناء سودان المواطنة وعدم التهميش، في لحظةٍ تآكلت فيها الدولة وعجزت النخب، فصار حفظ البلاد فعلَ مسؤولية لا ادّعاء.
وفي هذه اللحظة الفاصلة، لم يعد السؤال: من يحكم السودان؟ بل: من يتحمّل كلفة إنقاذه؟ فالسلطة في زمن الانهيار ليست امتيازًا، بل عبءٌ ثقيل. هنا يصبح النصر مسؤولية لا نشوة، ويغدو سؤال ما بعده أشدّ قسوة من معركة الوصول إليه.
فالأمم لا تسقط حين تُهزم، بل حين تعجز عن إدارة انتصارها.
Sent from my iPhone
|
|