حين تُهان الكرامة ويصمّ الممثل الرسمي أذنيه: مأساة السودانيين في مصر كتبه الطيب محمد جادة

حين تُهان الكرامة ويصمّ الممثل الرسمي أذنيه: مأساة السودانيين في مصر كتبه الطيب محمد جادة


01-31-2026, 07:09 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769886555&rn=0


Post: #1
Title: حين تُهان الكرامة ويصمّ الممثل الرسمي أذنيه: مأساة السودانيين في مصر كتبه الطيب محمد جادة
Author: الطيب محمد جاده
Date: 01-31-2026, 07:09 PM

07:09 PM January, 31 2026

سودانيز اون لاين
الطيب محمد جاده-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





الطيب محمد جادة

صحفي مستقل



في زحام القاهرة وضجيجها، حيث تختلط لهجات العرب وأحلامهم، يعيش عشرات الآلاف من السودانيين واقعًا قاسيًا لا تخطئه العين. قصة السودانيين في مصر ليست لغزًا يحتاج إلى تحقيقات معقدة، ولا رواية غامضة تتعدد فيها النسخ؛ هي واضحة وضوح الشمس، كما يقولون. ومع ذلك، يصر بعض المسؤولين، وفي مقدمتهم السفارة السودانية، على إنكار ما يعرفه الجميع ويعيشه الناس يوميًا: سوء المعاملة، الإهمال، والصمت الرسمي المريب.

منذ اندلاع الحرب في السودان، تدفق السودانيون إلى مصر هربًا من الرصاص والخوف وفقدان الأمان. جاءوا بأطفالهم، بذكرياتهم، وبجراح مفتوحة لم تجد وقتًا لتلتئم. كان الأمل معقودًا على أن يجدوا في بلد شقيق معاملة إنسانية، وأن تكون سفارتهم سندًا وملاذًا، لا عبئًا إضافيًا. لكن الواقع جاء صادمًا لكثيرين.

عند أبواب المصالح الحكومية، يقف السوداني ساعات طويلة، أحيانًا تحت الشمس الحارقة، في انتظار ورقة أو ختم أو إجراء روتيني. وفي كثير من الأحيان، يواجه نظرات استعلاء أو عبارات جارحة، أو يُعاد من حيث أتى دون تفسير مقنع. لا يمكن تعميم التجربة على الجميع، لكن كثافة الشكاوى وتكرارها يجعل من الصعب تجاهلها أو التقليل من شأنها.

الأكثر إيلامًا ليس فقط ما يواجهه السوداني في الشارع أو في الدوائر الرسمية المصرية، بل شعوره بأن سفارته تخلت عنه. السفارة، التي من المفترض أن تكون صوت مواطنيها وحامي مصالحهم، تبدو في نظر كثيرين كيانًا صامتًا، لا يسمع ولا يتكلم. شكاوى تُرفع، ورسائل تُرسل، وطوابير تتشكل أمام مبنى السفارة، لكن النتيجة غالبًا واحدة: لا رد، أو رد بارد لا يغير شيئًا على الأرض.

يصف بعض السودانيين السفارة، بمرارة، بأنها “سفارة السجم والرماد”، في إشارة إلى الإحباط والغضب المتراكمين. هذا الوصف القاسي لم يأتِ من فراغ، بل من تجارب شخصية متكررة مع موظفين لا يكلفون أنفسهم عناء الشرح، أو مع إجراءات معقدة تُفرض على من أنهكته الغربة أصلًا. هناك من فقد أوراقه بسبب الحرب، ومن لا يملك رسومًا مرتفعة، ومن يحتاج إلى تدخل عاجل لحل مشكلة قانونية أو إنسانية، لكن الأبواب تبقى موصدة.

الصحافة، حين تكون أمينة لدورها، لا تصطنع القصص ولا تزين الواقع. ما يحدث للسودانيين في مصر ليس دعاية سوداء ولا افتراءً على أحد، بل واقع ينقله الناس بأسمائهم ووجوههم ودموعهم. شهادات أمهات عاجزات عن تسجيل مواليدهن، وطلاب ضاعت أعوام دراستهم بسبب أوراق ناقصة، ومرضى لا يجدون دعمًا أو توجيهًا، كلها تشكل لوحة قاتمة لا يمكن إنكارها.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين السفير؟ وأين طاقمه؟ ولماذا هذا الصمت؟ الصمت هنا ليس حيادًا، بل موقف بحد ذاته. حين تتراكم الأزمات ولا يخرج أي توضيح أو مبادرة جادة، يصبح الصمت مشاركة غير مباشرة في المعاناة. لا أحد يطالب بالمستحيل، لكن الحد الأدنى من المسؤولية يقتضي الاعتراف بالمشكلة، والتواصل مع الجالية، والضغط الحقيقي على الجهات المعنية لتحسين الأوضاع.

ليس من العدل اختزال المشكلة في طرف واحد. فمصر بلد كبير، وفيه من أظهر تضامنًا إنسانيًا حقيقيًا مع السودانيين، أفرادًا ومؤسسات. لكن دور السفارة يظل محوريًا، لأنها الجهة الرسمية التي يفترض أن تنقل هموم مواطنيها وتدافع عن حقوقهم. حين تفشل في ذلك، يضيع السوداني بين بيروقراطية البلد المضيف ولا مبالاة ممثليه.

إن الكذب أو التجميل الإعلامي لن يغير من الواقع شيئًا. البيانات الإنشائية والصور البروتوكولية لا تطعم جائعًا، ولا تحل مشكلة إقامة، ولا تعيد كرامة إنسان شعر بالإهانة. ما يحتاجه السودانيون في مصر هو تعامل يحترم إنسانيتهم، وسفارة حاضرة بالفعل لا باللافتة فقط.

هذه ليست دعوة للتصعيد الأعمى ولا لتأجيج الكراهية، بل نداء صريح للإصلاح. الاعتراف بالأخطاء هو الخطوة الأولى، يليها عمل جاد وشفاف. أما الاستمرار في الإنكار، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة.

القصة، في النهاية، واضحة وضوح الشمس. السودانيون في مصر يعانون، والسفارة، كما يقول كثيرون، صم بكم أمام معاناتهم. وبين وضوح القصة وصمت المسؤولين، يبقى السؤال معلقًا: إلى متى؟ وهل يأتي يوم تُسمع فيه أصوات هؤلاء الذين لم يطلبوا سوى معاملة عادلة وكرامة لا أكثر؟