Post: #1
Title: الخراب حين يتحدث بلسان الدولة كتبه محمد هاشم محمد الحسن
Author: محمد هاشم محمد الحسن
Date: 01-31-2026, 02:58 AM
02:58 AM January, 30 2026 سودانيز اون لاين محمد هاشم محمد الحسن-Sudan مكتبتى رابط مختصر
✍️
الخراب حين يتحدث بلسان الدولة لا يأتي معتذراً، بل يطل من وراء الميكروفونات ببدلة واثقة، وكأن الحريق الذي يلتهم السودان مجرد سحابة صيف عابرة. خطاب البرهان الأخير لم يكن زلة لسان عفوية أو سوء تقدير سياسي يمكن تجاوزه، بل إعلاناً صريحاً عن قطيعة تامة مع الواقع وسقوطاً مروعاً في فخ الإنكار.
يقف الرجل على أطلال مدن دمرتها القرارات الرعناء، ثم يتحدث بنبرة من يملك الحلول، متناسياً أنه هو المشكلة ولبّ الأزمة. كل جملة خرجت منه تنضح بهروب إلى الأمام، وتوزيع لصكوك الوطنية على المقاس، فيما يتحول الضحية المشرد في المنافي إلى متهم، ويُعاد تقديم الفشل الذي أضاع السيادة كبطولة وطنية في مسرحية عبثية لم تعد تضحك أحداً.
في هذا السياق تأتي دعوة العودة الطوعية، لا بوصفها حرصاً على المواطن، بل كعملية متعمدة للمتاجرة بمعاناة المدنيين وتحويل مأساتهم إلى رصيد سياسي رخيص. الناس لم يغادروا بيوتهم بحثاً عن نزهة أو رفاهية، بل لأن الدولة سقطت في يد الفوضى، ولأن الرصاص اخترق خصوصية غرف نومهم قبل أن يطردهم من مدنهم. والمدن لم تفرغ من سكانها لأنهم تخلوا عن هويتهم، بل لأن من اؤتمن على حراسة الثغور اختار طريق الحرب والمقامرة بالمصائر.
ومن هذا المنحدر الأخلاقي نفسه تُطرح مطالبة الجائع والمشرد بالعودة إلى فضاء بلا أمن ولا خدمات، في ممارسة لعنف مضاعف، واستخدام فج للمدنيين كدروع بشرية تمنح سلطة آيلة للسقوط مظهراً زائفاً للسيطرة وشرعية موهومة.
وحين تُستنزف هذه الأدوات، ويفشل توظيف المعاناة، يفلس الخطاب السياسي ويجف ماعون الحجة، فتُستدعى لغة التخوين الجاهزة. مفردات العمالة والارتزاق والارتهان للخارج تصبح الغطاء الأخير لترميم العجز وتجميل الفشل. من صادر إرادة السودانيين في لحظة طيش عسكري، ثم قادهم إلى أتون هذه المحرقة، لا يملك أي تفوق أخلاقي ليحاكم أحداً أو يوزع شهادات الوطنية.
ويبلغ هذا الإفلاس ذروته حين ينفي البرهان استخدام السلاح الكيميائي باستخفاف مثير للسخرية، متجاهلاً أنه هو نفسه من شكّل لجنة لتقصي الحقائق حول الأمر. ليست هذه غفلة بريئة، بل سمة سلطة تقول الشيء ونقيضه بثقة كاملة، وتتعامل مع ذاكرة الشعب بوصفها ورقة بيضاء قابلة للمحو كلما اقتضت الحاجة.
وفي الاتجاه ذاته يأتي هجوم البرهان المسعور على القوى المدنية الساعية لإيقاف الحرب، ووصم تحركاتهم بملاحقة السراب، بينما هو نفسه يطارد سرابه الخاص، متكئاً على أشباح الماضي من رموز النظام البائد أمثال علي كرتي وأحمد هارون. هذا الارتهان لفلول الخراب القديم تحول إلى ثقب أسود يبتلع مستقبل السودان، ويحوّل البلاد إلى جزيرة معزولة ومنبوذة دولياً، ويتجلى بوضوح في الهجوم الممنهج على حمدوك ومن معه، لا دفاعاً عن الوطن، بل هروباً مذعوراً من المقارنة الأخلاقية بين مسار مدني خرج بلا قطرة دم، ومسار عسكري ترك البلاد جثة هامدة تتجاذبها الأطماع.
وعلى هذا الركام، لم تعد الدولة تُدار عبر مؤسسات أو رؤى أو برامج، بل عبر منابر عاطفية في بيوت الطهور والمناسبات الاجتماعية، ومن خلال صحفيين يقتاتون على إثارة الغرائز وتغييب الوعي. السياسة انحدرت إلى وعظ فوق أنقاض وطن، والخطاب الرسمي صار مزيجاً من إنكار الواقع واستعراض القوة على حساب الشعب.
لهذا، لا معنى للحديث عن لمّ شمل فوق الجثث، ولا قيمة لسلام لا يبدأ بانسحاب العسكر من المشهد السياسي وفتح الطريق لحكم مدني يعيد للدولة معناها وللوطن كرامته. السودان لم ينهَر صدفة، بل دُمّر بسبق الإصرار حين قرر الجنرالات أن السلطة أثمن من الوطن، وأن الكرسي أبقى من الإنسان. ولن يُبنى هذا البلد إلا حين يُترك للشعب حقه الكامل في تقرير مصيره، بعيداً عن أوصياء الجنرالات وخطابات الخراب.
|
|