Post: #1
Title: كِشّة مصر: المرآة التي كشفت رفض السودانيين للحرب كتبه أواب عزام البوشي
Author: أواب عزام البوشي
Date: 01-30-2026, 00:58 AM
00:58 AM January, 29 2026 سودانيز اون لاين أواب عزام البوشي-Sudan مكتبتى رابط مختصر
لم تكن الإجراءات الأمنية الأخيرة في مصر مجرد حملة ضبط إداري عابرة، ولا يمكن قراءتها خارج سياقها السياسي الأوسع. ما جرى للسودانيين هناك تحوّل، دون قصد ربما، إلى مرآة كاشفة لموقفٍ ظل مكتومًا داخل السودان وخارجه: رفضٌ واسع للحرب، ورفضٌ أوسع للعودة إلى ظلها.
بحسب ما صرّحت به الباحثة المصرية أماني الطويل، فإن ثمة طلبًا صدر من قيادة السلطة في السودان، ممثلة في عبد الفتاح البرهان، إلى الحكومة المصرية، لتضييق الخناق على السودانيين المقيمين في مصر، بهدف دفعهم قسرًا نحو “العودة”.
وهنا تتبدى المفارقة الثقيلة: سلطة فشلت في جعل الوطن صالحًا للحياة، فاختارت أن تجعل المنفى خانقًا. هذا الطلب إن صحّ لا يُقرأ كإجراء سيادي طبيعي، بل كاعتراف ضمني بفشل مشروع “العودة الطوعية”. فالدولة التي تملك شروط الأمان لا تحتاج إلى مطاردة مواطنيها في الخارج، ولا إلى استخدام أدوات غيرها لإجبارهم على خيار لا يثقون فيه.
واللافت أن هذا يحدث بعد أكثر من عام على انسحاب قوات الدعم السريع من الخرطوم ووسط السودان. عامٌ كامل حاولت فيه الحكومة إعادة تشغيل بعض الخدمات، والترويج لخطاب “التحرير” و”الاستقرار”.
لكن الأرقام، كعادتها، كانت أصدق من الخطب. فبحسب تقديرات دولية، تجاوز عدد السودانيين الذين غادروا البلاد بسبب الحرب حاجز الثمانية ملايين إنسان.
أما الذين عادوا بعد ما سُمّي “تحرير الخرطوم”، فلم يتجاوزوا وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة نحو 560 ألفًا فقط. هذا الفارق الفادح لا يُفسَّر بالكسل، ولا بقلة الوطنية، بل بانعدام الثقة.
فالناس لم تغادر الخرطوم خوفًا من الدعم السريع فقط، بل من انهيار فكرة الدولة نفسها. وحين انسحب طرف من الحرب، لم تعد الدولة، ولم يعد القانون، ولم تعد الطمأنينة. عاد بعض المباني، ولم تعد الحياة.
ثم هناك ما هو أعمق وأخطر. تقارير دولية تحدّثت عن استخدام محتمل لأسلحة كيميائية في مناطق من العاصمة، أعقبها انتشار مقلق لأمراض مثل الكبد الوبائي وأوبئة أخرى.
محللون ربطوا ولو على مستوى الاشتباه العلمي بين هذا الانتشار وبين آثار بيئية وصحية لضربات غير تقليدية. وفي بلد بلا منظومة صحية حقيقية، يصبح مجرد البقاء مخاطرة، لا خيارًا وطنيًا. في هذا السياق، جاءت الإجراءات المصرية: اعتقالات، ترحيل، تضييق على الإقامة، حتى لمن يحملون بطاقات مفوضية اللاجئين.
هذه الإجراءات، بدل أن تدفع السودانيين إلى العودة، أدت وظيفة سياسية غير متوقعة: كشفت، بلا لبس، أن السودانيين يرفضون الحرب، ويرفضون سرديتها.
فلو كانت “حرب الكرامة” مقنعة كما يُقال، لكان المنطق يقول إن الناس سيتدافعون للعودة، لا أن يختبئوا في شققهم خوفًا من الترحيل.
ولو كانت الحرب وطنية بحق، لما احتاجت السلطة إلى الضغط على دول الجوار لتسويقها بالقوة.
ما أظهرته “كِشّة مصر” ليس أزمة لجوء، بل أزمة شرعية. شرعية حرب لم تعد قادرة على إقناع أهلها، ولا حتى على إجبارهم دون كلفة أخلاقية وسياسية باهظة.
والخلاصة البسيطة، التي تحاول السلطة الهروب منها: السودانيون لا يهربون من الوطن، بل من الحرب. ولا يرفضون العودة، بل يرفضون الكذب الذي يسبقها.
حين يصبح المنفى، بكل قسوته، أرحم من “التحرير”، فالمشكلة ليست في الناس… بل في الحرب التي يُراد لهم أن يعودوا إليها.
|
|