من يدفع فاتورة الفنادق.. تساؤلات مشروعة حول علاقة صمود بمال الإمارات والجنجويد؟ كتبه عبدالغني بريش

من يدفع فاتورة الفنادق.. تساؤلات مشروعة حول علاقة صمود بمال الإمارات والجنجويد؟ كتبه عبدالغني بريش


01-29-2026, 05:50 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769709000&rn=0


Post: #1
Title: من يدفع فاتورة الفنادق.. تساؤلات مشروعة حول علاقة صمود بمال الإمارات والجنجويد؟ كتبه عبدالغني بريش
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 01-29-2026, 05:50 PM

05:50 PM January, 29 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





منذ اندلاع شرارة الحرب في الخرطوم في الخامس عشر من أبريل 2023، لم تتوقف المعارك العسكرية عند حدود الاشتباك بالذخيرة الحية والمدافع الثقيلة فحسب، بل امتدت لتشمل معركة دبلوماسية وسياسية لا تقل ضراوة، محورها الشرعية والتمثيل الدولي.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، برز اسم التحالف السوداني للقوى الديمقراطية المدنية "صمود"، كفاعل رئيسي يدعي حمل راية وقف الحرب، ولكن، خلف هذا الشعار البراق، تثار تساؤلات مشروعة وحادة حول طبيعة هذا التحالف، مصادر تمويله، ومواقفه التي تبدو متناغمة بشكل مريب مع أجندات إقليمية، وتحديداً أجندة دولة الإمارات العربية المتحدة، المتهم الأول بصب الزيت على نار الحرب في السودان عبر دعمها لميليشيا الدعم السريع.
ادعاء الحياد في ظل التمويل الموجه..
يرفع تحالف صمود، شعار الحياد، زاعماً أنه يقف على مسافة واحدة من طرفي النزاع -الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، ويسعى لإنقاذ البلاد من ويلات الاقتتال، ولكن نظرة فاحصة لمسار قيادات هذا التحالف منذ اللحظة الأولى للحرب تكشف تناقضا صارخا بين الادعاء والواقع، ففور اندلاع المعارك، اختارت غالبية قيادات هذا التحالف، وعلى رأسهم الدكتور عبد الله حمدوك، ورموز سياسية أخرى مثل خالد عمر يوسف، الهروب من جحيم الحرب، ليس إلى مناطق آمنة داخل السودان لمشاركة شعبهم المعاناة، بل إلى عواصم محددة، وهي، أبو ظبي، أدي أبابا، ونيروبي.
إن اختيار هذه العواصم، ليس محض صدفة جغرافية، فدولة الإمارات العربية المتحدة، باتت، وفق تقارير دولية وأممية عديدة، الداعم اللوجستي والعسكري الأول لميليشيا الدعم السريع، أما كينيا وإثيوبيا، فمواقفهما الدبلوماسية منذ بداية الأزمة، تماهت بشكل واضح مع الرؤية الإماراتية، مما يضع علامات استفهام كبرى حول استقلالية قرار صمود، إذ كيف لكيان سياسي يدعي تمثيل الشعب السوداني والبحث عن مصلحته العليا أن يتخذ من الدولة المتهمة بتدمير هذا الشعب مقراً ومنطلقاً لعملياته السياسية؟
إن التمويل الضخم الذي يحظى به تحالف صمود، لتسيير جولاته المكوكية إلى العواصم الأوروبية والأفريقية وولخ، وعقد المؤتمرات في الفنادق والقاعات الفاخرة، يطرح سؤالا جوهريا، وهو، من يدفع الفاتورة ولماذا؟
في عالم السياسة، لا يوجد غداء مجاني، وإذا كانت الإمارات، هي الممول كما تشير الدلائل والقرائن القوية، فمن السذاجة الاعتقاد بأن هذا التمويل يأتي لوجه الله أو حبا في الديمقراطية السودانية، بل هو استثمار سياسي يهدف لخدمة أجندتها، والتي تتقاطع حالياً مع بقاء ميليشيا الدعم السريع كقوة فاعلة على الأرض.
الدبلوماسية كغطاء لتبييض الجرائم..
الخبر الذي يتداول حول جولة وفد صمود في أوروبا هذه الأيام، ولقائه بالمسؤولين الفرنسيين، يقدم نموذجا صارخا في كيفية توظيف شعار وقف الحرب لخدمة أهداف سياسية تخدم طرفا محددا، إذ ركزت تصريحات قادة التحالف، مثل عبد الله حمدوك وخالد عمر يوسف، بشكل مكثف على الترحيب بتصنيف البرلمان الفرنسي لجماعة الإخوان كمنظمة إرهابية، والتحذير من الإسلاميين والفلول، وهو الوتر الذي تعزف عليه، دولة الإمارات، كتبرير للتدخل في حرب السودان وحروب أخرى في المنطقة العربية والأفريقية.
وفي حين أن موقف التحالف من جماعة الإخوان المسلمين، هو حق مشروع، إلا أن توقيت وسياق هذا الطرح يثير الريبة، فبدلا من صب الجهد الدبلوماسي الكامل على إدانة الانتهاكات المروعة التي ترتكبها ميليشيا الدعم السريع من إبادة جماعية في الفاشر وبارا وغيرها، ينشغل وفد صمود بتسويق فزاعة الإخوان في العواصم الغربية.
هذا التكتيك يخدم ميليشيا الدعم السريع بشكل مباشر لسببين:
1/ صرف الأنظار عن الجرائم الحالية: إنه يحول انتباه المجتمع الدولي من الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها الميليشيا الآن، إلى خطر سياسي محتمل أو تاريخي، يتمثل في الإسلاميين.
2/ شرعنة حرب الميليشيا: إنه يتبنى نفس السردية الدعائية التي تروجها ميليشيا الدعم السريع وقائدها حميدتي، بأن حربهم ليست ضد الشعب السوداني، بل هي حرب ضد دولة 1956 وضد الكيزان والإسلاميين، وعندما يتبنى صمود، نفس الخطاب في المحافل الدولية، فهو يمنح غطاءا سياسيا وأخلاقيا لجرائم الميليشيا، مصورا إياها كقوة تحارب التطرف، بينما هي تمارس أبشع أنواع الإرهاب الميداني.
المفارقة الإماراتية: هدم باليد اليمنى وبناء وهمي باليسرى..
السؤال المحوري الذي يعصف بمصداقية تحالف صمود، هو، لماذا تمولكم الإمارات إذا كنتم محايدين؟
الإمارات التي تواجه اتهامات بتزويد قوات الدعم السريع بالمسيرات والعتاد الحربي عبر مطار أم جرس في تشاد، هي نفسها التي تستضيف عائلات قادة صمود وتسهل تحركاتهم، فهذه المفارقة لا يمكن فهمها إلا في إطار استراتيجية الذراعين:
الذراع العسكري "الدعم السريع": مهمته تدمير البنية التحتية للدولة السودانية، إضعاف الجيش، والسيطرة على الموارد والذهب والأراضي.
الذراع السياسي "تحالف صمود": مهمته تسويق الحل السياسي الذي يضمن عدم القضاء على الذراع العسكري، ودورهم هو الضغط الدولي لمنع الحسم العسكري لصالح الجيش، والدعوة لمفاوضات تعيد الميليشيا للمشهد السياسي، وتضمن مصالح الإمارات الاقتصادية والجيوسياسية في السودان ما بعد الحرب.
إن تصريحات حمدوك عن تطلع السودان لتدخل دولي حميد، تبدو وكأنها دعوة مبطنة لتدويل الأزمة بشكل يغل يد القوات المسلحة السودانية عن أداء واجبها، فالتدخل الدولي الذي ترعاه دول لها أطماع في السودان لن يكون أبدا حميدا، بل سيكون تكريسا للتقسيم والوصاية.
الهروب من الاستحقاق الوطني..
إن شرعية أي قوة سياسية تنبع من التحامها بجماهيرها، لكن اختار قادة صمود المنافي الفاخرة، تاركين الشعب السوداني يواجه القتل والنزوح والجوع، وبينما يعيش المواطن في مراكز الإيواء أو تحت دوي القذائف، يتنقل قادة التحالف بين فنادق باريس ولندن وبرلين.
هذا الانفصال الوجداني والجسدي، يجعلهم غير مؤهلين للتحدث باسم الضحايا.
إن تركيزهم على جولات أوروبية بدلاً من حوار وطني داخلي، أو حتى حوار مع القوى السياسية السودانية الأخرى التي ترفض وصاية الخارج، يؤكد أن جمهورهم المستهدف، ليس الشعب السوداني، بل المانح والكفيل الدولي والإقليمي.
هم يسعون لرضا الغرب عبر بوابة محاربة التطرف، ولرضا الإمارات عبر بوابة تبييض وجه الدعم السريع.
******************
في الختام.. ربما لم يشهد السودان في تاريخه الحديث مرحلةً أكثر التباسا مما يعيشه اليوم، حيث تتقاطع فيها الخنادق السياسية مع الحسابات الإقليمية، وتُستبدل المفاهيم الوطنية بالعقود الموقعة في الغرف المغلقة.
في هذا الظرف الدامي، يصبح السؤال عن من يدفع فاتورة الفنادق، أكثر من مجرد استفسار ساخر، إنه مفتاح لفهم أي مشروع سياسي يزعم تمثيل السودانيين وهو يمارس سياسته من وراء الحدود، ذلك أن الفنادق لا تُقيم فيها الأوطان، والقرارات ليست ترفا يُتّخذ أمام النوافير المضيئة في العواصم، بينما تختنق البلاد برائحة البارود وإحساس الفقد.
إن المأساة الكبرى في التجارب الوطنية ليست فقط في وقوع الحروب، بل في تزييف وعي الناس بمبرراتها، فحين يتحول شعار إيقاف الحرب إلى وسيلة لخدمة طرف من أطرافها، فإن القضية تفقد جوهرها الأخلاقي، وتتحول إلى مشهد متقن الإخراج يراد به تضليل الداخل واسترضاء الخارج، وتحالف صمود الذي يظهر في الإعلام بملامح الحياد، لم يعد كذلك في نظر قطاع واسع من السودانيين، بل صار تجسيدا حيا لمفارقة مؤلمة، إذ كيف يمكن لمن يرفع راية السلام أن يُقيم تحت ظل الممول للحرب، وكيف يمكن لمن يتحدث باسم الوطن أن يتلقى سرديته السياسية جاهزة من عاصمة لا تعرف من السودان سوى خرائط مصالحها وامتيازاتها المعدنية؟
إن استقلال القرار السياسي لا يُقاس بعدد المؤتمرات الدولية ولا بعدد التصريحات المنمّقة، بل بمدى الالتصاق بالأرض وبالناس، لأن الوطن ليس فكرة مجردة يُتاجر بها في بيانات الخارج، بل هو امتحانٌ للضمير حين تتساوى الكلفة بين الصمت والخيانة، ولأن التاريخ، في منطقه العادل، لا يرحم، فإن اللحظة التي يعيشها السودان اليوم ستُكتب بمداد من الوعي الشعبي لا من بيانات التحالفات، فالشعب السوداني، الذي جرّب الخذلان وتعايش مع الانكسارات، بات يملك من البصيرة ما يمنعه من الوقوع في فخ الإنقاذ الزائف الذي يُقدَّم له في صورة إنسانية مصطنعة.
ما يُثير الريبة ليس فقط مصادر التمويل التي تلاحق صمود، بل ذلك *التوازي المريب بين خطاب التحالف وخطاب الدعم السريع، فحين يتحدث الفريقان عن الخطر الإسلامي بالقدر ذاته من الحماس، وحين يغيب عن بياناتهما أي حديث جاد عن المذابح في دارفور وكردفان، فإن الرسالة تكون واضحة، وهي أن ثمة غرفة عمليات فكرية واحدة تمدّهما بالمنهجية نفسها، وإن اختلفت اليافطات، ولأن السياسة، كما يقال، هي فنّ إدارة المصالح، فإن من حق السوداني أن يسأل: أي مصلحة وطنية تتحقق حين يُستبدل الدم السوداني بصفقات الذهب، والسيادة الوطنية بشيكات ممولة بالدرهم الإماراتي؟
وإذا كان قادة صمود قد اختاروا أن يعيشوا في المنافي، فهم أحرار في اختيار مواقعهم الجغرافية، لكنهم ليسوا أحرارا في مصادرة صوت الداخل وتقديم أنفسهم بديلا عن الإرادة الشعبية، فالسلام لا يُفرض من فوق الطائرات الخاصة، ولا يُكتب في الفنادق الأوروبية، ولا يتنزل بوصف من وصفات المانحين.
السلام الحقيقي يولد حين تُعاد الثقة بين الدولة ومواطنيها، وحين يشعر الجندي والمدني على السواء أن دماءهم لا تُساوم في أسواق السياسة الدولية، ولعل أخطر ما يواجه السودان اليوم هو تطبيع فكرة الارتهان للخارج وكأنها واقع لا فكاك منه، بينما الحقيقة أن قوة الشعوب تُقاس بقدرتها على رفض الوصاية، أيا كان مظهرها أو شعارها.
لقد علمتنا التجارب، من فلسطين إلى اليمن مرورًا بلبنان وليبيا، أن التدخل المالي والسياسي الإقليمي لا يعرف منطق الإحسان، بل منطق الاستثمار في الفوضى، وما يحدث الآن في السودان قد لا يخرج عن هذا النسق، لذلك، فإن التحدي أمام القوى الوطنية الصادقة هو ألا تقع في فخ التوازن بين القتلة، بل أن تختار وضوح الموقف مهما كانت التضحيات، فالرمادية، في لحظة تاريخية كتلك، ليست حيادا بل جريمة تأجيل للحق.
إن تحالف صمود وكل من يسير على نهجه أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يتبرأ من التمويل المشروط ويعلن انحيازه للشعب والدولة، أو أن يواصل رحلته في رهان خاسر يعوّل على الخارج أكثر مما يؤمن بالوطن، ومهما حاول البعض تبرير خياراتهم بالبراغماتية السياسية أو الانفتاح على المجتمع الدولي، فإن التاريخ لا يقيّم النوايا، بل يحتفظ فقط بمن وقف تحت راية بلاده لا تحت سقف الفنادق، والذاكرة الجمعية لا تُغريها الشعارات الملساء، بل تحفظ الوجوه التي لم تغادر الميدان ساعة الخطر.
في النهاية، لن تُقاس عظمة هذا الوطن بعدد المؤتمرات ولا بالتعهدات الدولية، بل بقدر ما يحتفظ أبناؤه بكرامتهم واستقلال قرارهم السياسي.
كل دولار يُدفع لتمويل صمود من خارج الحدود، هو مسمار جديد في جدار التبعية، وكل تصريح يتعامى عن جرائم الدعم السريع، هو رصاصة إضافية في قلب العدالة، ولن ينهض السودان إلا يوم يعترف فيه ساسة الفنادق بأن الأرض التي هربوا منها هي الوحيدة القادرة على منحهم شرعية البقاء في ذاكرته.