حين تفقد المدينة معناها قراءة سوسيولوجية لقرار عدم العودة إلى الخرطوم كتبه محمد هاشم محمد الحسن

حين تفقد المدينة معناها قراءة سوسيولوجية لقرار عدم العودة إلى الخرطوم كتبه محمد هاشم محمد الحسن


01-29-2026, 02:36 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769654217&rn=0


Post: #1
Title: حين تفقد المدينة معناها قراءة سوسيولوجية لقرار عدم العودة إلى الخرطوم كتبه محمد هاشم محمد الحسن
Author: محمد هاشم محمد الحسن
Date: 01-29-2026, 02:36 AM

02:36 AM January, 28 2026

سودانيز اون لاين
محمد هاشم محمد الحسن-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر




في علم الاجتماع لا يُفهم البقاء أو العودة إلى المدن بوصفه فعلًا فرديًا معزولًا، بل بوصفه نتيجة لعلاقة مركبة بين الإنسان والمكان والسلطة والذاكرة. الخرطوم اليوم تُختبر من هذا المنظور بوصفها فضاءً فقد كثيرًا من عناصره التي تجعل الاجتماع البشري ممكنًا ومستقرًا. ما يبدو في الظاهر قرارًا شخصيًا بعدم العودة هو في العمق تعبير جماعي عن خلل عميق في بنية الأمان والمعنى والانتماء.

المدينة، في التحليل السوسيولوجي، ليست عمرانًا فقط، بل شبكة علاقات وقواعد ضمنية وثقة متبادلة بين الأفراد والمؤسسات. حين تنهار هذه الشبكة، يتحول المكان من حاضنة اجتماعية إلى مصدر تهديد. ما حدث في الخرطوم لم يكن مجرد توقف للخدمات أو تراجع للاقتصاد، بل تفككًا في العقد غير المكتوب الذي يربط الناس بالدولة. حين يشعر الفرد أن القواعد لم تعد ثابتة، وأن الحماية لم تعد مضمونة، يبدأ بالانسحاب، لا احتجاجًا، بل غريزيًا حفاظًا على الذات.

لكن هذا الانسحاب لا تحكمه اعتبارات الأمان وحدها، بل يرتبط أيضًا بتحول عميق في الهوية الطبقية والمكانية. فالمدينة كانت، قبل الحرب، منتجًا للرأسمال الاجتماعي والرمزي للطبقة الوسطى، حيث يمنح العنوان، والمهنة، ومكان العمل، والمحيط الاجتماعي، معنى للموقع الطبقي والاستقرار. تدمير هذه العناصر لا يعني فقط خسارة الممتلكات، بل انهيار الموقع الاجتماعي نفسه. العودة إلى مدينة منهوبة لا تعني استعادة حياة سابقة، بل بدء حياة جديدة من نقطة طبقية أدنى، وهو ما يشكّل عائقًا اجتماعيًا بالغ القسوة، لأن ما يُفقد هنا ليس المسكن وحده، بل المكانة والاعتراف الاجتماعي.

الخوف هنا ليس حالة نفسية عادية، بل نتاج تجربة اجتماعية ممتدة. المجتمعات التي تعرّضت لعنف طويل الأمد تطوّر ما يشبه الذاكرة الجماعية للتهديد. هذه الذاكرة لا تُمحى بتراجع مؤقت للعنف، لأنها ترتبط بتوقع تكراره. لذلك لا تُقاس العودة بميزان اللحظة، بل بتقدير احتمالات المستقبل. حين يغيب الإحساس بأن العنف فقد شرعيته أو أُغلق سياسيًا، يبقى الخوف عنصرًا منظمًا للسلوك الاجتماعي.

غياب الدولة لا يظهر فقط في المؤسسات المعطلة، بل يمتد إلى إعادة تنظيم الحياة اليومية بطرق بديلة. حين يغيب القانون، تنشأ أنماط حماية غير رسمية، وتتبلور روابط قائمة على الانتماء الضيق، ويتراجع الإحساس بالمواطنة لصالح أشكال بدائية من التضامن أو العداء. في هذا السياق، لم يعد الناس يشعرون بأنهم جزء من عقد اجتماعي موحد، بل يعيشون كأفراد في بيئة تنافسية غير آمنة. العودة في مثل هذا الواقع لا تعني استعادة الحياة السابقة، بل الدخول في نظام اجتماعي مختلف، أقل قابلية للتنبؤ وأكثر عرضة للعنف.

وفي ظل هذا الفراغ، يظهر ما يمكن تسميته بالمجتمع الموازي، حيث تُعاد صياغة القيم والمعايير خارج القانون. النهب، في هذا السياق، لا يكون فعلًا فرديًا شاذًا، بل ممارسة اجتماعية ناتجة عن انهيار الضبط الأخلاقي الجماعي. فحين تتحول الممتلكات إلى غنائم، ويتحول الجار إلى مشتبه به، يحدث شرخ عميق في الثقة الأفقية بين الناس. هذا النوع من التفكك لا يُقاس بمستوى الدمار المادي، بل بمدى تآكل الروابط الاجتماعية، وهو تآكل يجعل العودة مستحيلة نفسيًا قبل أن تكون مستحيلة أمنيًا.

كما أن المدينة لا تُقاس فقط بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على إعادة إنتاج الحياة. التعليم، العمل، الرعاية الصحية، ليست خدمات تقنية فحسب، بل آليات لدمج الأفراد في المجتمع ومنحهم أدوارًا ومعنى. حين تتعطل هذه الآليات، يصبح الوجود في المدينة وجودًا معلقًا بلا أفق. من منظور سوسيولوجي، الإنسان لا يحتمل العيش طويلًا في فضاء لا يمنحه إمكانية التخطيط أو الشعور بالاستمرارية.

وفي السياق السوداني، تكتسب هذه المسألة بعدًا إضافيًا، لأن المدينة لم تكن فضاء سكنيًا فقط، بل مركز السوق والعمل والفرص. الخرطوم كانت نقطة التقاء الوظائف، والمهن، والدولة، والاقتصاد غير الرسمي. حين تفقد المدينة وظيفتها كسوق، لا يعود غياب الأمان وحده هو المشكلة، بل غياب الجدوى الاقتصادية للعودة. المدينة التي لا توفر عملاً ولا أفقًا للرزق تفقد أحد أهم أسباب وجودها الاجتماعي، وتتحول من مركز جذب إلى عبء معيشي.

الهجرة الداخلية أو الخارجية في هذا السياق لا تُفهم كهروب، بل كاستراتيجية تكيف. الناس يعيدون توزيع أنفسهم في فضاءات أقل خطورة وأكثر قابلية للحياة، حتى وإن كانت محدودة الإمكانات. هذا السلوك ليس استثناءً، بل نمط متكرر في المجتمعات التي تمر بانهيارات كبرى. المكان الذي يوفّر حدًا أدنى من الاستقرار والعمل يصبح أكثر جاذبية من المكان المرتبط بالذاكرة والعاطفة.

الأسرة، بوصفها وحدة اجتماعية أساسية، تلعب دورًا حاسمًا في هذا القرار. حين تصبح حماية الأطفال وكبار السن أولوية، يعاد تعريف المخاطرة بشكل أكثر صرامة. المجتمعات لا تقيس المخاطر بناءً على قدرة الأفراد الأقوياء، بل بناءً على قدرة أضعف أعضائها على التحمل. حين يفشل المكان في احتواء هؤلاء، يفقد شرعيته الأخلاقية في نظر السكان.

الحرب تعيد كذلك تشكيل النسيج الاجتماعي بطرق عميقة وغير مرئية. الثقة تتآكل، العلاقات تتبدل، والروابط التي كانت تجمع الجيران تتفكك. هذه التحولات لا تختفي بانتهاء القتال، لأنها تمس البنية العميقة للتعايش. من دون عدالة ومحاسبة وإشارات واضحة لإعادة بناء الثقة، تبقى المدينة فضاءً هشًا حتى لو تراجع العنف.

في هذا الإطار، تتجاهل الخطابات الداعية إلى العودة حقيقة أساسية، وهي أن المجتمعات لا تتحرك بالأوامر ولا بالرمزية السياسية. الشرعية الاجتماعية لا تُفرض، بل تُكتسب عبر توفير الأمان والمعنى والفرص. حين يُطلب من الناس العودة إلى مكان لم يستعد وظيفته الاجتماعية والاقتصادية، يُطلب منهم عمليًا تعليق خبراتهم الواقعية وغرائزهم الوقائية، وهو ما لا يحدث في المجتمعات التي تعلّمت من الانهيار.

من زاوية سوسيولوجية خالصة، فإن قرار عدم العودة لا يعكس موقفًا سياسيًا ولا حالة ضعف، بل نتيجة منطقية لانهيار شروط الاجتماع الآمن، وتفكك الروابط الطبقية، وغياب السوق، وتآكل الثقة الاجتماعية. العودة الجماعية لا تحدث إلا حين يشعر الناس بأن المدينة استعادت قدرتها على احتضانهم، لا فقط على استقبالهم. إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى الغياب شكلًا من أشكال التكيّف الاجتماعي، لا رفضًا للمكان، بل انتظارًا لزمن يصبح فيه العيش ممكنًا دون أن يكون فعلًا يوميًا للمقاومة.