Post: #1
Title: كيزانوفوبيا: زيف الكلمة العارية كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 01-28-2026, 05:21 PM
05:21 PM January, 28 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
ليست الكيزانوفوبيا مصطلحاً خرج من رحم المعرفة، ولا مفهوماً نضج في مختبرات علم النفس أو دهاليز الفلسفة السياسية. إنها كلمة طارئة، هاربة من مفهومها لقيطة المعنى، صُنعت على عجل في دهاليز الفهلوة واللعب بالكلمات، لا لتفسير الواقع، بل للهروب منه، ولا لتسمية الظاهرة، بل لطمسها. إنها كلمة تُلبس كقناع لغويّ مخادع، يرتديه من عجز عن الدفاع عن موقفه، أو خجل من إعلان انتمائه، أو أراد الجمع بين المواربة والإعلان في فراش زوجية عرفي فاقد الشرعية اثمر عن نطفة محرمة في رحم موبوء سميت كيزانوفوبيا.
في الأصل، تُخلق المصطلحات لتضيء المعنى لا لتغيمه وتغبيشه، لتفكيك الفكرة وفقاً لقواعد لغوية ونحوية راسخة، لتُعين على الفهم لا لتمنعه. لكن الكيزانوفوبيا، كما تُستعمل في فضائنا السياسي العام، لا تصف خوفاً مرضياً، ولا تشير إلى حالة نفسية قابلة للتشخيص، بل تؤدي وظيفة سياسية مريبة ومخاتلة لنزع الشرعية عن النقد، وإسكاته دون الحاجة إلى الرد عليه أي اتباع "سياسة التجاهل" لكل ما هو ضد قبيلة بني كوز، و "التضخيم" لما هو في صالحهم حتى لو كان من التوافه والسواقط.
حين يصرح أو يتهم أحد الخصوم السياسيين أن للكيزان تاريخاً سياساً مظلماً أو ممارسة عملية خاطئة، او فكراً دينياً منحرفاً أو سلطة غاشمة، أو فساداً وإفساداً لا يُواجَه تصريحه بالحجة والمنطق، ولا تُفكك أطروحته واتهاماته بالدليل، بل يُرمى في وجهه هذا الوصف الجاهز: أنت مصاب بكيزانوفوبيا. وكأن مساءلة السلطة الباطشة أصبحت عِلّة نفسية، وكأن الذاكرة الجمعية تحولت إلى اضطراب ذهاني مزمن، وكأن المحاسبة السياسية انزلقت فجأة إلى عيادة الطب النفسي.
إن كلمة كيزانوفوبيا لا تقول إن الكيزان أبرياء مما يُنسب إليهم من أفعال، ولا تجرؤ على الزعم بأن ما فعلوه من فظائع كان صواباً. هي أذكى أو أخبث من ذلك بكثير. إنها لا تناقش الفعل، بل تُرهق السائل عبء سؤاله. لا تدافع عن التاريخ الأسود للكيزان، بل تطلب نسيانه "بغتغتته". تهمس: لماذا تعيدون فتح هذا الملف؟ لماذا تستدعون الكيزان في كل مرة؟ وكأن الجرائم تمّحي بالصمت والتجاهل، وكأن الخراب يزول إذا أدرنا له ظهورنا، وكأن الجراح تلتئم لأنها أُهملت، لا لأنها عولجت بمحاسبة الفاعل.
في جوهرها، الكيزانوفوبيا ليست وصماً للخصم أو العدو، بل اعترافاً غير معلن بالعجز عن الدفاع عن سجلٍّ مثقل بالانتهاكات والخيبات. هي لغة من لا يريد أن يقول: أنا أدافع عن الكيزان علناً، فيقول بدلاً عنها: أنتم مرضى مهجسون مسكونون بمتلازمة كيزانوفوبيا. حيلة قديمة في ثوب جديد هدفها تحويل الخلاف السياسي إلى اتهام نفسي، وتجريد النقد من معناه عبر تشييء صاحبه ووصفه بمصطلح لا تعريف لغوي له، ولا أصل قاموسي له أو وجوده كمفردة في معجم جامع قتلت بحثا وتعريفاً.
وما يزيد الأمر وضوحاً أن هذا المصطلح المفخخ كثيراً ما يتخفّى خلفه ناشطون وسياسيون وأكاديميون يمارسون ازدواجية سياسية واجتماعية فجة: يداهنون الكيزان في السر، ويلعنونهم في العلن، ويحتاجون إلى هذا الغطاء اللغوي ليبرروا تواطؤهم دون أن يتحملوا كلفة الدفاع عنه. فتصبح الكلمة درعاً واقياً، لا للحق، بل للتماهي مع القوة حيناً، والتبرؤ منها حيناً آخر. من يخاف النقد لا يواجهه، ومن يربكه السؤال يهاجم السائل لا السؤال، ومن يخجل من موقفه لا يعلنه، بل ينعت خصمه بوصفه مريضاً مصاباً بانفصام نفسي يجعله في حالة هلوسة وأوهام سياسية لا يسندها واقع.
فالكلمة، في هذا السياق، لا تُستخدم لوصف الآخر بقدر ما تكشف صاحبها عاريا من الحجة؛ تفضح خوفه من النقاش، وارتباكه أمام الوقائع، واحتماءه بلغة مراوِغة يتخذها درعا في وجه الحقيقة. إنها ليست أداة تحليل، بل علامة إفلاس فكري، وهروب فاضح من المساءلة. فخلف هذا الخطاب تتوارى نوايا مضمرة، وتُمارَس تقية لغوية تقلب المعنى على رأسه وعقبيه للأعلى، في محاولة بائسة للتملص من تبعات السلطة وسوء استخدامها. وعليه، فالقضية لا شأن لها بانتماء تنظيمي، بل هي امتحان للمسؤولية: من يمتلك القرار، ومن يملك الشجاعة لتحمل نتائجه، حين تكون في صالحه أو حين ترتد عليه.
ليست المشكلة في كثرة انتقاد الكيزان، بل في كثرة ما ارتكبوه من جرائم وموبقات. فالكبائر لا تُمحى بالضجيج والتجاهل، ولا تُغفر بتبديل المصطلحات، والصغائر ليست سوى فروع لشجرة مسمومة الجذور. للأفعال تاريخ، وللجرائم ذاكرة، وللانتهاكات ظلال طويلة لا يبددها الإنكار ولا يعالجها الهروب إلى الأمام. ما دام الخراب قائماً، وما دام الناس يدفعون ثمن مشروعهم، وما دام السؤال الأخلاقي والسياسي بلا إجابة، فإن النقد سيظل واجباً لا خياراً. وحين يفشل أنصارهم في تقديم دفاع عقلاني أو موقف أخلاقي، لا يجدون سوى الهروب إلى اختراع شماعات لفظية من نوع "كيزانوفوبيا"، في محاولة يائسة للتغطية على حقيقة ثابتة: أنهم يدافعون عن مشروع إقصائي غنائمي، قام على القهر والسلب والنهب، ويحمل في بنيته أسباب إدانته وسقوطه أخلاقياً منذ لحظة ولادته.
الصادق حمدين
|
|