Post: #1
Title: من تمر «التمكين» إلى خمرة «الجنجويد» ازدواجية المعايير في خطاب السلطة #
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 01-28-2026, 04:29 PM
04:29 PM January, 28 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في سياق الحرب الأهلية السودانية المستمرة، يبرز خطاب سياسي يعتمد على استعارات شعبية تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تخفي في طياتها محاولة متعمدة لتشويه الوقائع وتوزيع المسؤوليات بشكل انتقائي من أبرز هذه الاستعارات ما طُرح في بعض المنابر الإعلامية الموالية للنظام السابق، حيث شُبهت قوات الدعم السريع بزراعة تمرة «سمحة» تحولت، بفعل فاعلين ما، إلى خمر محرّم هذا التشبيه ليس زلة لسان ولا مجازاً عفوياً، بل تعبير مكثف عن منطق أعمق يقوم على معيار مزدوج: الشرعية لا تُقاس بطبيعة الفعل، بل بدرجة الولاء للسلطة القائمة أو السابقة
التمرة في مرحلة التمكين عندما كانت قوات الدعم السريع، في مراحل سابقة، جزءاً من منظومة السلطة أو حليفاً وظيفياً لها، لم تُوصَف أفعالها بالانحراف أو الإجرام. على العكس، كانت تُعامل كأداة لحماية النظام وتثبيت أركانه أيام موسى هلال، الذي قاد ما عُرف بـ«الجنجويد» في دارفور خلال العقد الأول من الألفية، شهد الإقليم انتهاكات موثقة دولياً و حرق قرى، تهجير جماعي، اغتصاب واسع النطاق، وجرائم حرب وُصفت بأنها منهجية ورغم ذلك، لم تُثر تلك الجرائم غضب الخطاب الرسمي آنذاك، بل جرى تبريرها تحت شعارات مثل «الدفاع عن الهوية» أو «مواجهة التمرد» في تلك المرحلة، كانت التمرة «سمحة»، مغسولة بالسمن واللبن، ومباركة طالما خدمت أجندة السلطة وينطبق الأمر ذاته على مراحل لاحقة، عندما امتد نفوذ الدعم السريع إلى مناجم الذهب، وارتبط بمشاريع اقتصادية خارجية، أو حتى عندما شارك في حرب اليمن كقوة مرتزقة لم تُرفع حينها لافتات الخيانة أو الفساد، وكانت الانتهاكات إن أُقِرّ بوجودها تُصنف باعتبارها «ضرورة حرب» أو «فوضى جانبية» لا تُسقط الشرعية عن الفاعل الخمرة عند التمرد يتغير المشهد جذرياً عندما ينقلب الدعم السريع على السلطة التي كان يخدمها، ويرفض دور «العكاز» أو الذراع الضاربة بالوكالة. فجأة، تُستدعى الانتهاكات ذاتها المعروفة والمُغضّ عنها سابقاً لتصبح دليلاً قاطعاً على «إجرام المليشيا» التمرة نفسها تتحول إلى خمر محرّم، والفاعل الذي كان يُقدَّم باعتباره «حارس العرش» يُعاد تصنيفه كـ«خائن» و«مفسد». هذا التحول ليس أخلاقياً ولا قانونياً، بل سياسي بحت: الانتهاكات لا تُدان لذاتها، بل لأنها ارتُكبت من طرف خرج عن طاعة السلطة
حالة «كيكل» نموذج المغسلة الأخلاقية أوضح تجليات هذا المنطق المزدوج تظهر في حالة أبو عاقلة كيكل، الذي شغل موقعاً قيادياً في قوات الدعم السريع بولاية الجزيرة. فرغم الاتهامات الموجهة إليه بارتكاب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك هجمات على مدنيين وعمليات تهجي فإن انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني في أكتوبر 2024 قوبلا بترقية إلى رتبة لواء واستقبال احتفائي ما كان يُعدّ جريمة في سياق الدعم السريع أصبح «ماضياً يُغتفر» أو «توبة مشرفة» بمجرد الالتحاق بالمؤسسة العسكرية , هذا التحول السريع يكشف وجود ما يشبه «معملاً سرياً» لتبييض السيرة، يعمل بمفعول الولاء لا بمفعول الحقيقة أو القانون ويتفاقم التناقض عند مقارنة هذه المعاملة بمعاملة مدنيين عاديين و قائد فرقة انسحب من مدني حُكم عليه بخمس سنوات فقط، بينما صدرت أحكام بالمؤبد أو الإعدام في حق نساء بتهم من قبيل «صبّ الشاي» لعناصر من الدعم السريع في سياقات أخرى هذه المفارقات لا تعكس خللاً إجرائياً فحسب، بل تكشف أخلاقيات سلطة تقيس العدالة بميزان الولاء لا بميزان الحق
الحرب جريمة، والأكاذيب وقودها , بعيداً عن استعارة التمر والخمر، تبقى الحقيقة واحدة الحرب الدائرة في السودان جريمة مكتملة الأركان ضد الشعب والأرض والمقدرات الاستعارات الساخرة والتشبيهات الشعبوية ليست سوى أدوات لتضليل الرأي العام ، وتسكير منافذ الوعي وتبرير استمرار القتل والتدمير الشعب السوداني لا يحتاج إلى دروس في «كيمياء» أخلاقية مزيفة، بل إلى وقف الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أياً كان موقعهم أو انتماؤهم، وإعادة بناء دولة تقوم على العدالة لا على الولاء الأعمى الكذبة قد تُغلف بالسكر، لكن الدم لا يُغسل بالتمر ولا بالخمر.
|
|