Post: #1
Title: د. الشفيع خضر وحدود الإصلاح: لماذا لا تحمي الثورة ديمقراطية لم تُبنَ للجميع؟ كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 01-28-2026, 11:05 AM
11:05 AM January, 28 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
27/1/2026 ، بوسطن اطلعتُ على مقال أستاذنا د. الشفيع خضر سعيد—له التحية والتقدير وموفور الصحة—المنشور في القدس العربي بتاريخ 23 يناير 2026، بعنوان "لماذا تفشل ثورات السودان". وتنبع أهمية المقال من إقراره الصريح بمتانة البنية السلطوية في السودان، ومن تشخيصه لطابع ما يُسمّى "ثورات المركز"—إن كان للمركز أصلًا ثورات—وكذلك من تنبيهه إلى العجز المزمن الذي لازم فترات الانتقال في حسم قضايا الحكم والهوية والعدالة. غير أنّ هذه الملاحظات، على وجاهتها التحليلية، تُقدَّم ضمن أفقٍ إصلاحيٍّ انتقاليٍّ يظل قاصرًا عن الإحاطة الشاملة بمصادر الثورة السودانية وطبيعتها التاريخية؛ إذ يُغفِل، من جهة، أدوار الهامش الحاسمة عبر الكفاح المسلح في تفكيك شروط الاستبداد، ويفترض، من جهة أخرى، أنّ الأزمة قابلة للمعالجة عبر إدارةٍ أفضل لمسار الانتقال، لا عبر قطيعةٍ تأسيسية تُعيد بناء الدولة نفسها. وهنا تحديدًا يتأسس جوهر الاختلاف، ومن هذه الزاوية يأتي هذا النقاش مع د. الشفيع حول مقالٍ مهمٍّ وجديرٍ بالحوار.
أولًا: في أطروحة د. الشفيع — دقة الوصف وحدود الأفق يقدّم المقال تشخيصًا واسعًا لأسباب فشل أكتوبر 1964، أبريل 1985، وديسمبر 2018، ويصنّفها إلى: ١/ أسباب هيكلية (الدولة العميقة، ثورات المركز، التدخلات الخارجية) ٢/ أسباب ذاتية (غياب المشروع، ضعف القيادة، أخطاء إدارة الانتقال)، ٣/ تعزية تاريخية تُطمئن بأن الثورات تمرّ بمسارات طويلة. هذا التشخيص صحيح في سطحه، لكنه قاصر في جوهره؛ لأنه يُبقي الأزمة داخل أفق الإصلاح الانتقالي لا التأسيس التاريخي. والفرق بين الأفقين هو الفرق بين إعادة ترتيب الغرفة وبين هدم الأساس وبناء بيت جديد!
ثانيا: دور الثورات المسلحة في إنهاك الدولة: الوقائع المادية التي سبقت انفجار الانتفاضات منذ الاستقلال، لم يعرف السودان وضعًا طبيعيًا للدولة، بل ظلّ—فعليًا—دولة حرب دائمة. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية الأولى (1955–1972)، استُنزفت الخزينة العامة على نحوٍ بنيوي، حيث خُصّص ما يُقدَّر بـ 40–50% من الإنفاق الحكومي للدفاع والأمن في بلدٍ فقير الموارد، هشّ البنية الإنتاجية. ومع تجدد الحرب الأهلية الثانية (1983–2005)، دخل السودان طور اقتصاد الحرب المزمن؛ إذ خصّص نظام نميري، ثم نظام الإنقاذ لاحقًا، ما بين 60–75% من الميزانية العامة للأمن والدفاع في بعض الأعوام، وفق تقديرات مؤسسات اقتصادية إقليمية وتقارير أممية متطابقة في الجوهر. بلغ هذا المسار ذروته خلال حرب دارفور (2003–2010)، حيث تجاوز الإنفاق العسكري المباشر 3–4 مليارات دولار سنويًا، في اقتصاد لم يكن ناتجه القومي الإجمالي يتجاوز 30–35 مليار دولار. لم يكن ذلك مجرّد خيار سياسي، بل إعادة توجيه قسري للاقتصاد لصالح الحرب: توسّعت الميزانيات الأمنية، ارتفعت رواتب وتسليح المليشيات، وتراجعت الخدمات الأساسية إلى مستويات كارثية. وبحلول عامي 2017–2018، كانت أكثر من 70% من الإيرادات العامة تُوجَّه للأمن والدفاع والدعم السيادي، مقابل أقل من 5% للصحة والتعليم مجتمعين. الأثر الاجتماعي–الاقتصادي كان حتميًا: تآكلت الأجور الحقيقية بأكثر من 70% بين 2010 و2018، وقفز التضخم إلى ما يفوق 70% قبيل ثورة ديسمبر، وانحدر الجنيه السوداني من نحو 6 جنيهات للدولار عام 2010 إلى أكثر من 60 جنيهًا عام 2018 في السوق الموازي. هذه الضائقة لم تنشأ في الخرطوم كحدثٍ معزول، بل كانت النتيجة المباشرة والمتراكمة لحروب طويلة في الجنوب، ثم جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور—أي في الهامش الذي سبق المركز زمنيًا في دفع ثمن الدولة. وهذه الأرقام ليست تفصيلًا تقنيًا؛ إنها الشرط المادي الذي فجّر الأزمات المعيشية في المدن.
ثالثا: مقولة "ثورات المركز": توصيف ناقص يقود إلى استنتاج مضلِّل يُصيب توصيف الانتفاضات بوصفها "ثورات مركز" في رصد لحظة الانفجار النهائية داخل الخرطوم والمدن الكبرى، لكنه يصبح مضلِّلًا حين يُفصل عن سياقه السببي. فانتفاضات المركز لم تكن سوى الخاتمة المدنية لانهيارٍ سبقته حروب الهامش بسنوات طويلة. لم يتحرك المركز إلا بعدما انتقلت كلفة الحرب—التضخم، شُح السلع، البطالة، وانهيار العملة—من أطراف البلاد إلى الحياة اليومية للمدن. ولذلك، لم تبدأ ثورة ديسمبر 2018 من الخرطوم؛ إذ انبثقت شرارتها الأولى من الدمازين، وثم لاحقا عطبرة على خلفية رفع أسعار الخبز والوقود وانهيار الجنيه. وحتى أول موكب نظّمه تجمع المهنيين في الخرطوم (25 ديسمبر 2018) كان موكبًا معيشيًا خالصًا. وعليه، فإن توصيف الانتفاضات كثورات "مركز" يتجاهل حقيقة أن المركز لم يتحرك إلا بعد إنهاكه اقتصاديًا بفعل "ثورات الهامش" والنضال المسلح، وبعد أن تحوّل اقتصاد الحرب إلى أزمة معيشية عامة. هذه الحقيقة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل الشرط الموضوعي/المادي الذي يفسّر لحظة الانفجار، ويعيد الاعتبار لدور الثورات المسلحة في تقويض الدولة الاستبدادية قبل أن تُستكمل المواجهة في شوارع الخرطوم ومدن المركز.
رابعا: عن "سودانيين" لا "سودانًا" واحدًا: يتعامل المقال مع "السودانيين" بوصفهم جماعةً واحدة متجانسة، لكنه—دون قصد—يكشف عن انقسامٍ واقعيٍّ عميق داخل الكيان نفسه. فثمّة سودانٌ عاش الحرب والتجويع والتشريد بوصفها واقعًا يوميًا منذ عام 1955، في الجنوب سابقًا ثم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وثمّة سودانٌ آخر لم يختبر الحرب بمباشرة إلا حديثًا حين وصلت إلى الخرطوم ومدن الوسط في 2023. هذا التفاوت ليس مسألة إحساسٍ أخلاقي أو اختلاف تجارب فردية، بل اختلال بنيوي في تكوين الدولة وتوزيع العنف والحماية داخلها. وما لم يُعترف بأن ما جرى في الخرطوم هو القاعدة التاريخية للهامش لا استثناءها، فلن يكون هناك سلام مستدام، ولن يتكوّن "سودان واحد" بالمعنى السياسي الحقيقي. وتجربة جنوب السودان—بكل تعقيداتها ومآلاتها—تقدّم شاهدًا قاطعًا على أن إنكار جذور الإقصاء البنيوي لا يقود إلى تسوية عادلة، بل إلى انفصالٍ أو إلى حربٍ دائمة بأشكال جديدة، ومن المهم للشباب السوداني ان يواجه بهذا الواقع بأمانة ودون تجميل!
خامسا: لماذا فشلت أكتوبر وأبريل وديسمبر؟ — حين تُسرق الثورة ويُعاد إنتاج الدولة ليس إخفاق ثورات أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018 حصيلة نقصٍ في "الحنكة السياسية" أو ضعفٍ في القيادة—كما تميل الأدبيات الإصلاحية إلى اختزال المسألة—بل هو نتاج سببٍ أعمق وأشدّ بنيوية: نزع الطابع التأسيسي عن الثورة وتحويلها إلى تسوية إدارية تُدار من داخل الدولة القديمة. ففي كل مرة تُنجَز لحظة إسقاط النظام، ثم يُعاد تنظيم المشهد السياسي بالأدوات نفسها التي صُمِّمت لحمايته: الجيش بوصفه المرجعية العليا، والبيروقراطية بوصفها قدرًا لا يُمسّ، والقانون القديم بوصفه الإطار الناظم. وهكذا تنقلب الثورة من فعلٍ يعيد تعريف الدولة إلى عملية "إدارة انتقال" تحفظ جوهر الدولة التي ثار الناس عليها ابتداءً. وهذا المسار ليس خصوصية سودانية؛ إذ تُظهر تجارب الثورات عبر العالم أن الثورة تُهزَم حين تُستوعَب داخل أجهزة خصمها، وحين يُستبدَل مطلب العدالة بوعد الاستقرار، والتأسيس بخطاب الانتقال. والخلاصة، مهما بدت قاسية، واضحة: الثورة التي لا تُغيّر الدولة لا تُغيّر مسار التاريخ؛ إنها تبدّل الوجوه وتُبقي البنية، فتعود البنية—بقوانينها ومصالحها—لتبتلع الوجوه الجديدة. في أكتوبر 1964، سقط نظام الفريق عبود، لكن الدولة الاستعمارية المركزية بقيت على حالها؛ أُعيدت النخب الطائفية نفسها إلى الواجهة، وظلّ الجيش حَكَمًا أعلى في السياسة، وتُركت جذور حرب الجنوب بلا معالجة. لم يكن ذلك عجزًا تنظيميًا بقدر ما كان إقرارًا ضمنيًا بشرعية الدولة القديمة، فكانت النتيجة انقلاب 1969. وفي أبريل 1985، تكرّر المشهد: انتفاضة شعبية واسعة أطاحت بنظام نميري، أعقبها ترتيبٌ إصلاحي أعاد السلطة إلى نخب المركز، وأبقى القوانين والهياكل ذاتها، وواصل الحرب باعتبارها "ملفًا أمنيًا". لم يتأخر الردّ طويلًا؛ إذ مهّد هذا الإبقاء البنيوي لانقلاب 1989 أما ديسمبر 2018، فكانت ثورةً أخلاقية وشعبية بامتياز، لكنها أُفرغت من محتواها التأسيسي حين حُوِّلت—بفعل النخب الإصلاحية—إلى انتقالٍ تفاوضي داخل الدولة نفسها، قائم على شراكة غير متكافئة مع الجيش، ودون حسم القضايا المفصلية: العلمانية، اللامركزية الجذرية، العدالة التاريخية، وبناء جيش وطني جديد. هكذا لم يكن انقلاب 2021 ولا حرب 2023 حدثين طارئين، بل النتيجة المنطقية لإبقاء بنية الدولة التي ثار الناس ضدها. الخلاصة، أن الثورات السودانية لم تفشل لأنها ضعيفة أو ساذجة، بل لأنها سُرقت في لحظة التحول، وأُعيدت صياغتها كإصلاحات إدارية تحمي النظام القائم. وهذا هو الدرس الذي تؤكده تجارب الثورات عالميًا: حين تُختزل الثورة في إدارة انتقال، تتحوّل من فعل تحرّر إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة بأسماء جديدة... ولاشنو؟
سادسًا: النخب الإصلاحية — لماذا ليست ثورية؟ النخب التي تتصدّى لقيادة الحراك المطلبي والثوري في كل مرة لا تتحرك بوصفها قوة تغيير ثوري جذري، بل بوصفها إدارة أزمة. هي نخبٌ إدارية الطبع، إصلاحية الأفق، تخشى القطيعة مع الدولة القديمة، وتتعامل مع الأسئلة المؤسسة—العدالة التاريخية، والعلمانية، وحق تقرير المصير، وإعادة بناء الجيش—بوصفها "قنابل مؤجلة" يجب دفنها تحت لغة التوافق، لا مواجهتها كشرطٍ لبقاء الدولة نفسها. وفي السودان، هذا ليس مجرد خطأٍ نظري؛ إنه نمطٌ تاريخيٌّ كرّرت به النخب (براعتها) في التفاوض حتى تحوّلت هذه (البراعة) إلى فنٍّ لتأجيل الحقيقة، ثم دهشةٍ مصطنعة حين ينفجر المؤجَّل في شكل انقلابٍ أو حرب! لكن الثورة—بالمعنى التاريخي—ليست تحسينًا للإدارة ولا تجميلاً للدولة؛ إنها تقويض للنظام القانوني والسياسي القائم، وتنصيب نظام جديد يعبر عن القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير—وهي الأغلبية الساحقة من مهمشي السودان وقواه الحية. هنا تتضح الفجوة بين "إصلاح" يطلب السلامة من الصدام، و"ثورة" تعرف أن السلامة نفسها قد تكون اسمًا آخر للاستسلام. وكما قال فرانز فانون ماقد يعني: "إن النخبة التي ترث المستعمِر دون تغيير البنية، لا تفعل سوى إدارة الخراب باسمه." هذه الجملة ليست إدانة أخلاقية للنخب بقدر ما هي تشخيصٌ سياسي: من يرث الدولة القديمة دون تفكيكها يرث معها منطق الامتياز والعنف، حتى لو غيّر الشعارات والوجوه. وهنا تحضر القاعدة المادية التي تتجاهلها الأدبيات الإصلاحية غالبًا: الدولة القديمة ليست فكرة في الهواء، بل جهاز ماديٌّ كامل—ميزانيات أمنية، أجهزة قمع، اقتصاد حرب، شبكات مصالح، وطبقة مستفيدة—وكل تسوية تُبقي هذا الجهاز على حاله تعني أن الثورة لم تُمسِّك بمصدر القوة الحقيقي، بل اكتفت بالتفاوض على هامشه...ولاشنو؟
إن توصيف الثورات السودانية بوصفها "ثورات مركز" انتهت إلى إسقاط أنظمة دون أن تحمي ما يُسمّى "الديمقراطية الناشئة" يفتح سؤالًا أكثر جذرية يجب عدم الهروب منه: أي ثورة، وديمقراطية من؟ ولمصلحة من؟ فالمشكلة ليست أن الثورة لم تحمِ ديمقراطية وليدة، بل أن ما طُرح بعد كل انتفاضة من قبل النخب التي تربعت على القيادة لم يكن ديمقراطية بالمعنى العلمي، التاريخي والأخلاقي للكلمة، بل صيغة حكم مُفصَّلة على مقاس نخبة بعينها، تُبقي جوهر الدولة الإقصائية قائمًا، وتطلب من المهمّشين "الانتظار" أو "التدرّج" لنيل حقوقهم في المواطنة! وهنا يصبح إسقاط النظام غير الثوري—الذي لا يعترف بالمواطنة المتساوية—ليس مغامرة، بل ضرورة؛ إذ لماذا ثار الناس أصلًا إن لم يكن لأن النظام القائم، حتى حين يتجمّل بخطاب انتخابي، يرفض الاعتراف بإنسانيتهم كاملة؟ هذا السؤال ليس سودانيًا خاصًا؛ فقد واجهته حركة الحقوق James Baldwinالمدنية في الولايات المتحدة بوضوح حاسم. كتب أن المشكلة ليست في "صبر السود" بل في نظام يطالبهم بالصبر إلى ما لا نهاية، فيما تُدار الديمقراطية كامتياز أبيض. Angela Davisوذهبت أبعد من ذلك حين ربطت بين الديمقراطية الشكلية واستدامة العنف البنيوي، مؤكدة أن الحقوق التي تُمنَح بالتقسيط ليست حقوقًا بل أدوات ضبط. أما المفكرة بيل هووك ففككت وهم "الإصلاح التوافقي" بوصفه خطابًا يُطالب المضطهَدين بتهذيب غضبهم Martin Luther King Jr. بدل تفكيك بنية القهر. وحتى الذي يُستدعى كثيرًا لتبرير التدرّج من قبل المشوشين—حذّر صراحة من "الاعتدال الأبيض" الذي يقدّس النظام أكثر من العدالة، ويخشى التوتر أكثر من الظلم. بهذه المقاييس، فإن ما يُسمّى "الديمقراطية الناشئة" في السودان لم يكن سوى ترتيب انتقالي يحمي الامتيازات التاريخية ويؤجّل القضايا المؤسسة: شكل الدولة، العدالة التاريخية، علاقة الدين بالدولة، وتوزيع السلطة والثروة. لذلك فإن الثورة، في معناها العميق، لا تهدف إلى حماية هذه الصيغة أو ترميمها، بل إلى تحطيمها بوصفها عائقًا أمام المواطنة الكاملة. هذا الفهم لم يعد رأيًا هامشيًا؛ إنه وعيٌ تاريخيٌّ جديد، يرى أن الديمقراطية التي تُطالِب بعض الناس بالانتظار كي يصبحوا مواطنين ليست ديمقراطية تستحق البقاء، بل نظامًا يجب تجاوزه جذريًا- تحطيمه.
لذلك فإن التحذير بعد الحرب يجب أن يكون صارمًا: إذا عادت النخب—بالمنطق ذاته—إلى "ترتيبات انتقال" تحفظ الأجهزة، وتؤجّل قضايا التأسيس، وتعيد تدوير الشراكة مع قوي السودان القديم نخب المدنيين وعسكرهم، فإنها تكون قد أثبتت أنها لم تتعلم شيئًا؛ لأن النتيجة ستكون هي نفسها التي أعقبت كل انتفاضة: انتقالٌ يُدار داخل الدولة القديمة، ثم ارتدادٌ للدولة القديمة على الانتقال، ثم ثمنٌ أعلى يدفعه الناس. هكذا يعمل التاريخ في السودان: ليس لأنه قاسٍ بطبيعته، بل لأن البنية التي لم تُفكَّك ستعيد إنتاج قسوتها—بالقاعدة المادية نفسها—مهما تبدلت الكلمات.
الشباب السوداني أمام مفترق طرق تاريخي: من وعي الصدمة إلى تأسيس العدالة: ١/ ما عاشه الناس—وخاصة الشباب—في الخرطوم ومدن الوسط منذ 2023 من قتلٍ وتشريدٍ وتجويعٍ وانهيارٍ للأمان، ليس حدثًا استثنائيًا في تاريخ السودان، بل هو القاعدة التاريخية التي عاشها الهامش لعقود منذ الاستقلال. إن انتقال العنف إلى المركز لم يخلق مأساة جديدة بقدر ما كشف مأساة قديمة جرى إنكارها طويلًا. هنا تتبدّى الحقيقة الأخلاقية والسياسية التي عبّر عنها مارتن لوثر كينغ في رسالة من سجن برمنغهام عام 1963 بوضوحٍ لا لبس فيه: "الظلم في أي مكان هو تهديد للعدل في كل مكان". في السودان، ظلّ هذا الظلم محصورًا جغرافيًا في الأطراف، فبدا للبعض قابلًا للإدارة أو التأجيل؛ وحين وصل إلى الخرطوم، تبيّن أنه غير قابل للتجزئة، وأن السلم لا يُبنى فوق مواطنة منقوصة. ٢/ من هذا الوعي تنفتح أمام لجان المقاومة، وغرف الطوارئ، والشباب عمومًا، لحظةُ اختيارٍ حاسمة لا تقبل المواربة. فإما تدوير إصلاحاتٍ تتقنها النخب وتُبقي امتيازاتها التاريخية، فتُعيد إنتاج الدولة ذاتها وتضمن عودة الحرب بأشكالٍ أخرى؛ وإما انحيازٌ لمشروع تغييري تأسيسي يُعيد تعريف الدولة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية. إن العدالة هنا ليست شعارًا أخلاقيًا، بل شرطًا ماديًا للسلام: حين يُستثنى الهامش تُعاد الحرب، وحين تُختزل المواطنة تُعاد الهيمنة، وحين تُدار الأزمات بدل تفكيك أسبابها يُعاد إنتاج العنف. ٣/ وعليه، فإن الدرس الذي يفرض نفسه في هذا الوقت هو أن المواطنة لا تُتجزَّأ، وأن ما ذاقته الخرطوم وبقية مدن المركز مؤخرًا هو ما ذاقه الهامش طويلًا، وأن هذا الهامش—بعد كل هذه التضحيات—لن يقبل بعد اليوم أن يُعاد إلى موقع المواطن من الدرجة الثانية. هنا فقط يتحدد معنى الثورة: ليست لحظة غضبٍ عابر، بل قرارًا تاريخيًا بقطعٍ جذري مع دولة الظلم وبناء دولةٍ منصفة، وإلا فإن ما يُسمّى ثورة لن يكون سوى هدنة قصيرة في حربٍ مؤجَّلة.
الكتلة التاريخية ومشروع السودان الجديد: بين التأسيس وإعادة تدوير الفشل المخرج من المأزق السوداني لا يكمن في "استعادة" لحظة ديسمبر، كما لو كان التاريخ زرّ إيقافٍ مؤقت يمكن العودة إليه لالتقاط الأنفاس؛ التاريخ لا ينتظر أحدًا، ولن يرجع للوراء، ومن يتأخر عن استحقاقاته يُعاد إنتاج هزيمته بصيغٍ أشد قسوة. المخرج الحقيقي هو بناء كتلة تاريخية بالمعنى الذي صاغه أنطونيو غرامشي: تحالف قوى اجتماعية جديدة، لا يجمعها الاحتجاج وحده، بل يوحّدها مشروع تأسيسي يعيد تعريف الدولة والسلطة والمواطنة. جوهر هذا المشروع هو مبادئ السودان الجديد: المواطنة المتساوية بلا تمييز، العلمانية المشروطة بحق تقرير المصير كضمانة لوحدة طوعية، اللامركزية الجذرية التي تفكك احتكار المركز، العدالة التاريخية باعتبارها شرط السلم الأهلي، وبناء جيش وطني جديد يحمي المجتمع لا الامتيازات. هذه ليست شعارات انتقالية، بل معايير تأسيسية لقطعٍ معرفي وسياسي مع دولة الفشل. وقد وجدت هذه المبادئ اليوم تعبيرها السياسي الأكثر تماسكًا في تحالف تأسيس ووثائقه، لا في إعادة تدوير خطابٍ انتقالي أثبت الواقع إفلاسه.
أخيرا: يعبّر مقال د. الشفيع خضر عن قلقٍ مفهوم إزاء مصير "الثورات السودانية"، غير أنّه—على عمق توصيفه—يبقى أسير أفقٍ تحليليٍّ تجاوزه الواقع الموضوعي. فليس السؤال اليوم: لماذا تتعثر الثورات؟ بل: أيُّ دولة نُبقي وأيُّ دولة نهدم؟ ذلك لأن التجربة السودانية، بكل كلفتها البشرية، أثبتت أن الإخفاق لا ينشأ عن نقص الشجاعة أو الخبرة، بل عن الإصرار على إدارة التحوّل داخل البنية نفسها التي صُمِّمت تاريخيًا لحماية الامتياز، لا لبناء المواطنة. وفي هذا السياق، فإن غمط مساهمات قوى الهامش—بما فيها حركات الكفاح المسلح—في الدفع الموضوعي نحو الانتفاضات انتقاصٌ غير مبرر، بل ومُضلِّل. فهذه القوى لم تكن هامشًا على الفعل التاريخي؛ لقد شكّلت، عبر استنزاف الدولة اقتصاديًا وعسكريًا، الشرطَ المادي الذي حرّك المدن الكبرى، وجعل الانفجار الاجتماعي ممكنًا. إن اختزال لحظة الانتفاض في شوارع المركز، مع تجاهل تراكم الحروب في الأطراف، يطمس العلاقة البنيوية بين الهامش والمركز، ويُعيد إنتاج سردية تُريح النخب الإصلاحية لأنها تُبقي مركز الفعل حيث اعتادت امتلاك الصوت والتمثيل. والواقع الذي لا يمكن إغفاله اليوم هو أن مركز التغيير نفسه قد تغيّر. لم يعد محصورًا في مطالب تُدار داخل حدود الدولة القديمة، ولا في أجندات إصلاحية تحافظ—عن قصد أو بدونه—على الامتيازات التاريخية. لقد انتقل مركز الثقل إلى قوى الهامش التي تجاوزت حصر أهدافها في تحسين شروط المشاركة داخل النظام، وطرحت سؤال التأسيس ذاته؛ وهو ما تجسّد سياسيًا في تحالف تأسيس بوصفه تعبيرًا عن مشروعٍ لا يكتفي بالمطالب، بل يستهدف البنية، مشروع السودان الجديد! من هنا، لم يعد الخيار مطروحًا بين نجاح ثورة أو إخفاقها، بل بين مسارين تاريخيين متناقضين:
إمّا تفكيك دولة الامتياز من جذورها—قانونًا، واقتصادًا، وجيشًا، ورمزًا—وبناء دولة جديدة على أساس العدالة التاريخية والمواطنة المتساوية؛
وإمّا إعادة إنتاج الدولة نفسها بصيغة "انتقال" مؤقت، وبثمنٍ مضاعف من الدم والخراب، كما دلّت كل الانتفاضات السابقة. في لحظات التأسيس، لا يمنح التاريخ فترات استراحة أخلاقية، ولا ينتظر من يريد الإمساك بالعصا من منتصفها. والتردّد—كما تُظهر تجارب الشعوب—ليس حيادًا، بل انحيازٌ صامت للبنية القائمة. لذلك فإن تجاوز مأزق الثورات في السودان لا يمرّ عبر استعادة الماضي أو تحسين شروطه، بل عبر قطيعة واعية معه، وبناء أفق جديد يليق بتضحيات الناس؛ أفقٍ يدرك أن الزمن لا يُفرمل، وأن من لا يلتحق بحركته يُسحق تحت عجلاته.
النضال مستمر والنصر أكيد
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|