Post: #1
Title: الحرب العبثية ومحاولات تجريم المدنيين الساعين لوقفها كتبه أحمد الملك
Author: أحمد الملك
Date: 01-28-2026, 00:25 AM
00:25 AM January, 27 2026 سودانيز اون لاين أحمد الملك-هولندا مكتبتى رابط مختصر
كسب المعسكر الرافض للحرب تأييدًا واسعًا، رغم الخطاب الإعلامي الكثيف الذي تقوده الجهات المناهضة لوقفها. فالحرب السودانية أشعلتها الحركة الإسلامية ضد قوات كانت قد أسهمت هي نفسها في تكوينها وتسليحها لإرهاب الشعب السوداني. وقد خططت الحركة الإسلامية لفض اعتصام القيادة العامة، ونُفِّذت الجريمة بتواطؤ من الجيش وقوات الدعم السريع، في ما شكّل الانقلاب الأول على الثورة. عقب ذلك، سارع عبد الفتاح البرهان إلى وقف التفاوض مع المدنيين، سعيًا للحكم مع حلفائه بينما كانت الثورة لا تزال حاضرة بقوة في الشارع السوداني. هبّت الجماهير دفاعًا عن الثورة عقب فض الاعتصام، ما أجبر المجلس العسكري وحلفاءه من الإسلاميين على التراجع خطوة إلى الوراء، انتظارًا للحظة مواتية للانقضاض مجددًا. وبعد الوساطة الإثيوبية، تشكّلت حكومة مدنية بموجب الوثيقة الدستورية المتوافق عليها، رغم التحفظات التي أبدتها قوى عديدة على بعض بنودها. شرعت الحكومة المدنية، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، في معالجة قضايا الاقتصاد والسلام وغيرها من الملفات الملحّة، ونجحت في إحداث اختراقات محدودة، رغم الحرب الخفية التي شنتها الحركة الإسلامية عبر سيطرتها على مفاصل الدولة العميقة. وكان من أبرز مظاهر ذلك المضاربة المتعمدة في سعر الدولار لإفشال الإصلاحات الاقتصادية، وإخفاء السلع، ومحاولات زعزعة الأمن العام بواسطة عصابات مدرّبة داخل أجهزة أمن تابعة للحركة الإسلامية. ورغم هذه العراقيل، تمكنت الحكومة من رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وحصلت على وعود بإعفاء الديون من بعض الدول والمؤسسات الدولية. كما كشفت لجنة تفكيك نظام الحركة الإسلامية جانبًا من فساد غير مسبوق في تاريخ البلاد، وربما في تاريخ العالم، ارتكبه نظام كان يدّعي الانتماء إلى الإسلام. ويبدو أن عمل لجنة التفكيك كان العامل الحاسم الذي عجّل بانقلاب أكتوبر 2021، والذي أعاد الإسلاميين إلى مواقع النفوذ، وردّ إليهم ممتلكاتهم المصادرة. وبفعل صمود الشارع، فشل الانقلاب، واضطر العسكريون إلى العودة للتفاوض مع المدنيين وتوقيع الاتفاق الاطاري بصورة مبدئية. غير أن خشية الحركة الإسلامية من العزلة والمحاسبة في حال عودة الحكم المدني دفعتها إلى إشعال الحرب عبر خلاياها داخل الجيش، مستخدمة الصراع مع قوات الدعم السريع ذريعة لذلك. سعت قوى الحرية والتغيير، التي تحولت لاحقًا إلى “صمود”، حتى الساعات الأخيرة قبل اندلاع الحرب إلى نزع فتيل الأزمة. وبعد نشوبها، واصلت جهودها لحشد دعم محلي ودولي لوقف الحرب، وكشف انتهاكات أطرافها. وقد تعرّض المدنيون لانتهاكات جسيمة شملت القتل، والتصفية العرقية، والاغتصاب، وتدمير المنشآت العامة والخاصة. وتتحمل مسؤولية هذه الجرائم أطراف النزاع كافة، إلى جانب الحركة الإسلامية التي تحرص على استمرار الحرب وإفشال كل محاولات إيقافها. إن تحميل الحركة الإسلامية مسؤولية إشعال الحرب، وجرائمها السابقة بحق ثوار ديسمبر، ودورها في فض الاعتصام وقتل المتظاهرين السلميين بعد الانقلاب، أو تحميل الجيش والقوات المتحالفة معه، وكذلك قوات الدعم السريع، مسؤولية هذه الانتهاكات، أمر مفهوم ومشروع. ويجب أن تخضع جميع هذه الأطراف للمحاسبة ضمن عملية سياسية شاملة، تعقبها مصالحة وطنية، تعالج آثار الحرب المجتمعية وتكفل جبر الضرر.
كما أنه من المفهوم أن تحاول الحركة الإسلامية إلصاق تهمة إشعال الحرب أو دعم أحد أطرافها بالقوى المدنية، إذ إن استهدافها الحقيقي موجّه ضد ثورة ديسمبر ورموزها، لا ضد قوات الدعم السريع. وليس أدلّ على ذلك من استمرار مطاردة كل من يحاول احياء ذكرى الثورة، مثل الثائر منيب عبد العزيز الذي لا يزال معتقلا منذ ديسمبر المنصرم، وغيره من ناشطي الثورة الذين يتعرض الكثير منهم لانتهاكات واعتقالات. غير أن غير المفهوم هو انخراط بعض غير المنتمين للحركة الإسلامية في محاولة تجريم القوى المدنية، ولا سيما أحزاب قوى الحرية والتغيير (صمود)، التي تبذل جهودًا حثيثة لوقف الحرب والعودة إلى المسار المدني. إن استمرار هذه الحرب لا يعني سوى إطالة أمد معاناة المتضررين، وتصاعد الانتهاكات بحق المدنيين الأبرياء، وضياع مستقبل أطفالهم. كما أن استمرارها يقود حتمًا إلى مزيد من التشظي، ويفتح الباب أمام انفصال أجزاء أخرى من بلادنا. لن تحقق الحرب العدالة للضحايا، بل ستنتج مزيدًا من الضحايا، وتفاقم الانتهاكات، وتعميق المعاناة الإنسانية. فالعدالة لا تُبنى على فوهات البنادق، ولا تتحقق عبر استمرار القتل والدمار. إن العدالة الحقيقية تتحقق بوقف الحرب، وبدء عملية محاسبة شاملة لا تستثني أحدًا، تُنصف الضحايا وتُعاقب كل من ارتكب الجرائم. كما تقوم على مصالحة مجتمعية تعالج آثار الحرب على النسيج الاجتماعي، وتؤسس لنظام مدني ديمقراطي يعالج جذور الأزمات التي قادت إلى هذه الحرب، ويكافح التهميش، ويعمل من أجل تنمية متوازنة تشمل جميع أنحاء البلاد. #لا_للحرب
|
|