Post: #1
Title: من البوت إلى السيستم- سيرة اللاجئ الذي لم يتطهر تمامًا #
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 01-27-2026, 11:09 PM
11:09 PM January, 27 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
كتالوج «اللاجئ المثالي» -كيف تنجو من بوت العساكر… وتقع في كمين السيستم؟ يا رفيق «الدرادر»، مبروك! لقد فعلتها أخيرًا, مرقت من «البلد» بجلدك، عبرت الحدود، أفلتّ من نقاط التفتيش، ومن نظرات العساكر الفظة، ومن عبث الرصاص الذي لا يفرّق بين أحد. الآن أنت في «الأمان»: ماليزيا، الخليج، أو هناك في بلاد «الخواجات» الباردة لكن—وقبل أن تسترخي تمامًا وتظن أنك «فلتّ»—دعني أفسد عليك هذا الوهم قليلًا، وأسلمك كتالوج المقام الجديد الحقيقة التي لا يقولها لك أحد -أنت لم تخرج من دائرة السلطة أنت فقط غيّرت زنزانتك المنفى ليس فراغًا، بل نظام: ناعم، بارد، مهذّب، لا يصرخ ولا يضرب، لكنه لا يقل قسوة عن «تاتشرات» الخرطوم. سقفه سماء غريبة، وجدرانه قوانين صامتة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُحسّ في العظم من «البوت» إلى «السيستم» (الدرس الأول مع ميشيل فوكو) في السودان، كانت السلطة «دغري» بندقية، عسكري، وأمر مباشر. سلطة تضرب الجسد وتترك أثرها كدمةً واضحة هنا، في المنفى، السلطة أذكى. كما يقول ميشيل فوكو، السلطة الحديثة لا تحتاج للرصاص؛ تحتاج فقط إلى نظام رؤية العين التي كانت تراقبك في شوارع الخرطوم، تحوّلت إلى سيستم رقمي بارد - ملف إقامة، موعد مقابلة، ختم صامت، تقرير أمني لا تعرف من كتبه ولا متى الخوف لا يختفي… هو فقط يغيّر شكله يصير خوف ريموت كنترول بوست واحد في فيسبوك قد يجعلك تلتفت خلفك وأنت في قلب كوالالمبور أو الرياض سفارة لا تسكن مبنى، بل رأسك والسيستم، بهدوئه، يحاول تحويلك إلى كائن قَلِق يراقب نفسه بنفسه عسكري داخلي بلا زيّ رسمي p'hdm ;]h
خرم الروح في زحمة الوجوه
(تشارلز تايلور يحاول مواساتك)
في السودان، ورغم القهر، كان هناك «إطار» يمنحك معنى: ونسة الجيران، بركة الشيخ، حق الملح والملاح، والحكاية المشتركة التي تشبهنا. ثم يرميك المنفى فجأة في قلب ما يسميه تشارلز تايلور «عالم الحداثة العلمانية»: عالم محايد ظاهريًا، لكنه بارد، فقير روحيًا.
هنا، أنت لست «فلان ود فلان». أنت رقم ملف. أنت Case.
السلطة هنا لا تريد إفراغ جيبك، بل إفراغ روحك. الضغط وجودي: أنا منو في الزحمة دي؟
السيستم لا يمنحك معنى جديدًا، بل يكتفي بتفريغك من معناك القديم والذات الخاوية—كما يعرف جيدًا—أسهل في الترويض والكسر من زول شايل معاه مسيده وناسه وقيمه فخ «اللاجئ المثالي» (طلال أسد يفكّك اللعبة) وهنا الزيت الحقيقي السيستم العالمي دايرك تكون لاجئًا مثاليًا واللاجئ المثالي في قاموسهم هو - ضحية صامتة، تبكي بقدر محسوب، تشكر النظام الذي أنقذها، ولا تملك رأيًا سياسيًا مزعجًا لكن جرّب فقط أن تكون -صحفيًا يكشف المستور، أو ناشطًا يفكك خيوط اللعبة أو إنسانًا متمسكًا بدينه وقيمه كأدوات مقاومة، لا كفلكلور للعرض
وهنا تبدأ الأسئلة هل أنت مندمج؟ هل دينك عائق؟ طلال أسد يعلّمك أن المسألة ليست حقوقًا بقدر ما هي ضبط للمعنى هم لا يريدون وعيك يريدون قصتك المؤلمة لتملأ تقارير التمويل يريدونك مواطنًا عالميًا مدجّنًا، بلا أنياب، وبلا ذاكرة الوصية: كيف تثبت ولا تتآكل؟ يا رفيق المنافي،السلطة في كل مكان لها هدف واحد هو ان تمسح وجودك من الدنيا لان وجودك مزعج للكل ولكي لا تضيع في هذا «الدرير»، قاوم بالذاكرة اكتب. وثّق. احكِي الوجع الذي رأيته ليس ندبة… إنه شهادة احمِ «سودانك الصغير» اللي جواك ولغتك، قيمك، روحانياتك هذه ليست حنينًا رومانسيًا، بل بوصلة تحميك من الغرق في فراغ الحداثة المنفى يا صحبي ليس فقط سؤال- وين مشيت؟ بل السؤال الأخطر هو شنو الحافظت عليهو وإنت ماشي؟ السيستم قد يملك جوازك، ويتحكم في إقامتك،لكنه—إن كنت واعيًا—لن يبتلع يقينك القلم، والذاكرة، والمعنى… هذه أشياء لا تمر عبر أي نافذة هجرة أنا منو و وين من دا كلو (أو الضحية التي ترفض الدور) سوداني… خريج مدرسة «نحن شعب طيب لكن الظروف ما لطيفة»، وحائز على درجة الأستاذية في «فقه الصبر» أمام شبابيك الإقامات ومكاتب المفوض اللاجئئين صحفي وحقوقي، يطارد السلطة بقلمه، بينما تطارده السلطة بالسيستم قضى نصف عمره يدافع عن حقوق الإنسان، والنصف الآخر يقنع موظفي الهجرة بأنه إنسان أصلًا اقتصادي من باب المعاناة؛ يحسب فرق العملات أسرع من سوبر كمبيوتر ليعرف هل يكفي الراتب للقهوة أم للناس القاعدين في الوطن رحّالة بالاضطرار، يحمل سودانه في حقيبة ظهر، وجواز سفر يحتاج إلى كتالوج شرح في كل مطار عضو دائم في رومات «الحاصل شنو؟»، ومؤمن يقينًا أن السودان بلد لا يموت لكني زي باصات الميناء البري مواعيده دائمًا متأخرة شوية سوف اظل صابر وامكن خيرا من عوالم كيزان بورتسودان.
|
|