د.محمد مراد حين تصير المعرفة فعلًا تاريخيًا كتبه الشامي محمد

د.محمد مراد حين تصير المعرفة فعلًا تاريخيًا كتبه الشامي محمد


01-27-2026, 06:53 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769540008&rn=0


Post: #1
Title: د.محمد مراد حين تصير المعرفة فعلًا تاريخيًا كتبه الشامي محمد
Author: مقالات سودانيزاونلاين
Date: 01-27-2026, 06:53 PM

06:53 PM January, 27 2026

سودانيز اون لاين
مقالات سودانيزاونلاين-USA
مكتبتى
رابط مختصر






بعد أشهر قليلة تأتي الذكرى الأولى لوفاة الفقيد العزيز الاستاذ الفكر د. محمد مراد، الذي تعرفت عليه فقط من خلال مقالاته بصحيفة (الراكوبة) الالكترونية، فهو من الجيل الذي آمن بأن المعرفة هي الطريق الأقرب إلى التحول من الواقع المزري إلى رحابة العيش بكرامة، لذلك أقول أن المثقف دائما لا يُقاس أثرُه بعدد كتبه ولا بحجم الضجيج الذي يرافق اسمه، بل بقدر ما يتركه من تحوّلٍ في وعي الناس، وبقدر ما يزرعه من أسئلةٍ صحيحةٍ في زمنٍ يكثر فيه الجواب الجاهز. في هذا المعنى، لا يبدو الدكتور محمد مراد الحاج صفحةً أُغلقت برحيله، بل مسارًا مفتوحًا ما زال يعمل في العقول والضمائر، ويُذكّرنا بأن المعرفة ليست زينة للخطاب، بل قوة تغيير حين تُحمل بوصفها مسؤولية.

كان مراد من ذلك الجيل النادر الذي فهم أن المثقف لا يُختزل في دور الواعظ ولا في وظيفة الخبير، بل هو فاعل تاريخي؛ يربط النظرية بالواقع، ويُعيد ترتيب الأسئلة بدل الاكتفاء بترديد الشعارات. منذ تكوينه الأول، مرورًا بتجربته في ألمانيا الديمقراطية، ثم الجامعة والسجن والمنفى، وصولًا إلى براغ ومنابر الحوار الأممي، ظلّ وفيًّا لفكرة بسيطة وعميقة: لا سياسة بلا معرفة، ولا معرفة بلا أخلاق. لم يتعامل مع الماركسية كعقيدة مغلقة، بل كمنهجٍ حيّ يُختبر بخصوصية السودان وتعقيد مجتمعه، ويُراجع باستمرار حتى لا يتحول إلى قيدٍ على التفكير.

في قاعات الدرس، كان التعليم عنده تمرينًا على الحرية. لم يُلقِ المحاضرة بوصفها سردًا، بل حوّلها إلى ورشة أسئلة، يدرّب فيها الطلبة على الشك البنّاء، وعلى قراءة التاريخ من موقع الشعوب لا من شرفات السلاطين. وحين ضاقت القاعات واتسعت الزنازين، لم تتوقف رسالته؛ صار السجن جامعةً مصغّرة، تُدرَّس فيها الفلسفة والمنطق والتاريخ واللغات، وتُنتزع فيها المعرفة من قبضة القهر. هنا تتجلى فكرته الجوهرية: المعرفة لا تُسجن، لأنها في أصلها فعلُ مقاومة.

أما المقالة، فكانت عنده جبهةً فكرية. كتب لا ليُرضي حزبًا ولا ليحصد تصفيقًا، بل ليُعيد بناء الفهم. انتقد السلطة بوصفها بنية، لا أفرادًا؛ وقرأ الانقلابات كأعراض لأزمة الدولة؛ وحاور اليسار من داخل انتمائه، رافضًا تحويل التنظيم إلى جهاز إداري بلا عقل نقدي. لم تكن كتابته موعظة ولا تهويلًا، بل تحليلًا يُقدّم أدوات للفهم بدل تكرار خطاب العجز. ولهذا، ظلّت مقالاته تُستعاد في اللحظات التي يبحث فيها الناس عن بوصلة عقلانية وسط الضجيج.

وفي براغ، حيث التقت تجارب اليسار العالمي، لم يذب مراد في أمميةٍ مجردة، ولم يتحول إلى ناقل مواقف. كان صوت السودان في منبر دولي، يربط ما يجري في الخرطوم بما يجري في بغداد ووارسو وهافانا، دون أن يفقد حسّه الوطني أو إنسانيته. دافع عن الحرية بوصفها قلب الاشتراكية، وعن الإنسان بوصفه غاية كل مشروع تحرري، وحذّر من أن تتحول الأيديولوجيا إلى قيدٍ جديد على التفكير.

لكن ما يجعل محمد مراد أكثر من سيرة فكرية هو أخلاقه الشخصية: صرامة الموقف مع رفق الإنسان، هدوء النقاش مع قوة الحجة، تواضع العارف مع شجاعة الناقد. لم يطلب منصبًا، ولم يسعَ إلى الضوء، وعاش في الظلال ليترك أثرًا لا يُنسى. كان بيته مع خديجة الرفاعي نموذجًا لعلاقةٍ تُزاوج بين الحب والمعرفة والنضال، وتُحوّل الحياة الخاصة إلى امتدادٍ للرسالة العامة.

من هنا، فإن الحديث عن محمد مراد ليس حنينًا إلى ماضٍ جميل، بل استدعاء لمعيار نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم: معيار المثقف الذي يخلق وعيًا جماهيريًا، ويُصرّ على أن التنمية ليست أرقامًا بلا معنى، بل تحرير للعقل قبل أن تكون مشاريع على الورق. لقد علّمنا أن الأوطان لا تتقدم بالشعارات، بل بالقدرة على التفكير النقدي، وبشجاعة مراجعة الذات، وبإيمانٍ لا يساوم بأن الكلمة موقف، وأن المعرفة مسؤولية.

هذا هو الغد الذي رواه محمد مراد بعلمه وفكره: غدٌ تُدار فيه السياسة بعقل، وتُبنى فيه الدولة على مواطنة، ويُستعاد فيه معنى المثقف بوصفه حارس المعنى لا موظف الخطاب. وما دام فينا من يقرأ ويُعلّم ويكتب بهذه الروح، فإن هذا الغد ليس حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا ممكنًا.

في الختام نترحم على الفقيد العزيز راجيا من الله ان يغفر له وان يسكنه الجنة من أوسع الأبواب..