Post: #1
Title: السودان بين دروس كولومبيا وأفريقيا واستحقاق العدالة الانتقالية كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد
Author: عاطِف عبدالله قسم السيد
Date: 01-26-2026, 05:11 PM
05:11 PM January, 26 2026 سودانيز اون لاين عاطِف عبدالله قسم السيد-UAE مكتبتى رابط مختصر
بقلم: عاطف عبدالله
تكتسب هذه الورقة أهميتها من كونها تنطلق من قراءتين تحليليتين معمّقتين قدّمهما د. حامد بشرى في مجلة قضايا فكرية لتجارب العدالة الانتقالية في كولومبيا وعدد من الدول الأفريقية، مقدّماً من خلالهما إضاءة نقدية معمقة على ما بعد الحروب، وعلى الإشكاليات البنيوية التي تواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات حين تحاول الموازنة بين مطلب العدالة وهاجس الاستقرار. وتكشف هذه الدراسات، بما لا يدع مجالاً للبس، أن العدالة الانتقالية ليست وصفة جاهزة تُنقل من بلد إلى آخر، بل هي عملية سياسية وأخلاقية واجتماعية معقّدة، شديدة الارتباط بسياق كل مجتمع، وبميزان قواه، وبعمق جراحه، وبما يمتلكه من موارد ثقافية وروحية لمعالجة ماضيه العنيف.
ولا تكتسب تجربة العدالة الانتقالية في كولومبيا أهميتها من كونها واحدة من أطول عمليات إنهاء نزاع مسلح في العصر الحديث فحسب، بل لأنها تُقدِّم نموذجاً مركباً لإدارة التوتر الدائم بين مطلب العدالة وضرورات إنهاء الحرب. فقد نشأت هذه التجربة في سياق صراع ممتد لعقود، تداخلت فيه الدولة مع الفاعلين المسلحين غير النظاميين، وتشابكت فيه الجرائم السياسية مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، على نحو جعل مسألة المحاسبة الكاملة أقرب إلى معضلة وجودية تهدد عملية السلام نفسها. من هنا، جاءت العدالة الانتقالية الكولومبية بوصفها تسوية تاريخية لا تبحث عن "عدالة مثالية"، بل عن عدالة ممكنة، تُوازن بين حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف، وبين الحاجة الملحّة لتفكيك منطق الحرب ومنع تجددها. وهو ما يجعل من التجربة الكولومبية مرجعاً بالغ الأهمية للسودان، لا باعتبارها نموذجاً يُحتذى حرفياً، بل باعتبارها مختبراً سياسياً وأخلاقياً يكشف حدود العدالة، ومخاطر الإفلات من العقاب، وتعقيدات الانتقال من العنف إلى السلام في مجتمعات مثخنة بالجراح.
وتُظهر تجارب جنوب أفريقيا ورواندا وموزمبيق وسيراليون، كما حلّلها د. حامد بشرى، أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو الإقرار بأن تجاهل إرث العنف، أو القفز فوقه باسم الاستقرار، لا يصنع سلاماً مستداماً. فالعدالة الانتقالية، مهما اختلفت أدواتها بين كشف الحقيقة، أو المحاسبة، أو العفو، أو ما يُسمّى أحياناً “النسيان الاجتماعي”، تظل ضرورة لا مهرب منها للخروج من دوائر الحرب والانتقام. غير أن هذه التجارب تؤكد في الوقت ذاته أن كل مسار يحمل تناقضاته وحدوده، وأن أي اختلال في التوازن بين العدالة والسلام قد يُبقي العنف كامناً تحت السطح، حتى وإن بدا الاستقرار متحققاً شكلياً. فليست كل عدالة كافية، كما أن ليس كل سلام عادلاً، والتاريخ الحديث حافل بأمثلة لسلام هشّ انهار عند أول اختبار حقيقي.
وفي الحالة السودانية، تبدو هذه الإشكاليات أكثر حدّة وتعقيداً. فالحرب الدائرة اليوم ليست حدثاً معزولاً أو طارئاً، بل هي نتاج تراكم تاريخي طويل من الإفلات من العقاب، وغياب المساءلة عن جرائم الدولة والمليشيات منذ الاستقلال. فمن الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق، ظل العنف يُدار بوصفه أداة من أدوات الحكم، وتُطوى صفحاته بلا كشف حقيقة ولا جبر ضرر، ما راكم مظالم عميقة لم تجد طريقها إلى الاعتراف أو المعالجة، حتى انفجرت في حرب شاملة تمزّق ما تبقى من النسيج الوطني.
وهنا يطرح الواقع السوداني أسئلة إشكالية لا يمكن القفز فوقها: هل يمكن الحديث عن عدالة انتقالية في ظل تفكك الدولة وتعدد مراكز العنف وغياب احتكار مشروع للقوة؟ وهل من الممكن الشروع في مسار عدالة انتقالية حقيقية في سياق لم تبدأ فيه بعد عملية انتقال سياسي واضحة المعالم؟ أم أن الخطر يكمن في تحويل العدالة الانتقالية إلى شعار مؤجل، أو ملف تفاوضي يُستخدم للمساومة السياسية، لا كعملية وطنية لمعالجة الجرح التاريخي؟
تعلّمنا تجربة جنوب أفريقيا أن كشف الحقيقة، مهما كان مؤلماً، يمكن أن يشكّل أساساً لسلام نسبي إذا اقترن باعتراف علني بالجرم، وبسعي جاد لترميم الذاكرة الجمعية لا لطمسها. وتبيّن لنا رواندا أن البراغماتية السياسية قد تفرض حلولاً هجينة وسريعة لتفادي الانهيار الشامل، لكنها تحمل في طياتها مخاطر كامنة إذا لم تُستكمل بمسار ديمقراطي يضمن عدالة غير انتقائية. أما موزمبيق وسيراليون، فتذكراننا بأن مجتمعات ما بعد الحرب قد تختار، بدافع الخوف أو الإرهاق، مسارات “الصفح والنسيان”، وأن هذه الخيارات قد تنجح مؤقتاً في وقف العنف، لكنها تظل هشّة إذا لم تُدعّم بإصلاحات بنيوية تعالج جذور الصراع، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وبالنسبة للسودان، لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية ذات معنى من دون ربطها بإنهاء الحرب أولاً، وبإعادة تأسيس الدولة على أسس مدنية ديمقراطية تقطع مع منطق العنف بوصفه أداة للحكم. فالعدالة الانتقالية السودانية، إن كُتب لها أن ترى النور، لا بد أن تكون متعددة المستويات: مساءلة واضحة ومحددة لكبار المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، ولا سيما جرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ وفي الوقت نفسه، مقاربات تصالحية ومجتمعية لمعالجة أفعال مئات الآلاف ممن جُرّوا إلى العنف في سياقات انهيار الدولة وتفكك المجتمع، من دون مساواة أخلاقية بين الضحية والجلاد.
كما أن نجاح هذا المسار مرهون بقدرته على الاستفادة من الموروث السوداني الغني في التسويات الأهلية، والإدارة الأهلية، والقيم الدينية والاجتماعية التي تُعلي من شأن الصلح وجبر الضرر، من دون تحويلها إلى غطاء جديد للإفلات من العقاب. فالعدالة الانتقالية التي تُدار بمنطق الصفقات أو تُفرض من أعلى، أو تُختزل في دوائر النخب السياسية والقانونية، تُخاطر بفقدان بعدها الأخلاقي والاجتماعي، وتُقصي الضحايا من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي، وهو ما أثبتت تجارب عديدة أنه يُفرغ العملية من مضمونها الحقيقي.
إن التحدي الحقيقي، كما تبيّنه دروس أفريقيا وكولومبيا، ليس في الاختيار الثنائي بين العدالة أو السلام، بل في بناء معادلة دقيقة تضمن عدم التضحية بحقوق الضحايا باسم الاستقرار، ولا التضحية بمستقبل البلاد باسم عدالة انتقامية لا طاقة للمجتمع على تحمّل تبعاتها. فسلام بلا عدالة يحمل في داخله بذور حرب جديدة، وعدالة بلا انتقال سياسي حقيقي قد تتحول إلى أداة إقصاء أو تصفية حسابات.
إن أفق العدالة الانتقالية في السودان سيظل مفتوحاً على احتمالات متعددة: إما أن تُدار كعملية وطنية شاملة وشفافة، تُشرك الضحايا والمجتمعات المحلية، وتضع نصب أعينها تفكيك بنية العنف التاريخي وإعادة بناء الثقة في الدولة؛ أو أن تُختزل في شعارات ومساومات سياسية تعيد إنتاج الأزمة في شكل جديد. وما بين هذين الخيارين، تقف مسؤولية النخب السياسية والفكرية والمدنية في الدفع نحو مسار يعترف بالألم، ويكشف الحقيقة، ويؤسس لمصالحة لا تقوم على النسيان القسري، بل على ذاكرة واعية تمنع تكرار المأساة.
وبهذا المعنى، فإن العدالة الانتقالية في السودان ليست ترفاً فكرياً ولا بنداً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، بل شرطاً من شروط الخروج من الجحيم الراهن، والعبور نحو وطن يتصالح مع نفسه، ويكسر، أخيراً، الحلقة الجهنمية للعنف والانقلابات والحروب الأهلية.
_______________________________________________ عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd
|
|