ذكرى تحرير الخرطوم كتبه إسماعيل عبد الله

ذكرى تحرير الخرطوم كتبه إسماعيل عبد الله


01-26-2026, 10:38 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769423894&rn=0


Post: #1
Title: ذكرى تحرير الخرطوم كتبه إسماعيل عبد الله
Author: اسماعيل عبد الله
Date: 01-26-2026, 10:38 AM

10:38 AM January, 26 2026

سودانيز اون لاين
اسماعيل عبد الله-الامارات
مكتبتى
رابط مختصر




اليوم 26 يناير ذكرى تحرير الخرطوم، التاريخ الفاصل والمؤرخ لوصول الثوار وقائدهم الإمام محمد أحمد المهدي، الى قصر الجنرال غردون، وإنهاء حقبة سوداء من البطش والجبروت الأجنبي في بلادنا، فثورة السودانيين على الغزاة الترك، ومعاونيهم من الضباط البريطانيين الذين على رأسهم غردون، تعتبر أول حراك وطني شامل مدني ومسلح، رسم الخارطة الجيوسياسية الحالية، حين التقى الإمام بخليفته عند جبل قدير جنوب كردفان، في كنف وضيافة المك آدم أم دبالو، وهنا نقف لنلاحظ، دور كردفان المحوري في وجود كيان الدولة السودانية الواحدة الموحدة واستمرارها، فكردفان بإنسانها الحكيم منذ آدم أم دبالو إلى قادتها اليوم، تمثل العمود الفقري لهذه الوحدة، لذلك نشهد المعارك الضارية تدور فيها الآن بين الثوار وجيش البازنجر، لأهميتها الاستراتيجية في السيطرة على السودان، ولو كررنا البصر مرة واحدة، وقرأنا حيثيات سير معارك الدفتردار صهر محمد علي باشا غازي السودان، تجد أن الحاكم التركي لم يوطد أركان سلطانه إلّا بعد إسقاطه لمدينة الأبيض "أب قبة فحل الديوم"، حاضرة كردفان، بعد أن قتل حاكمها المقدوم مسلم، لذا يرى الاستراتيجيون العسكريون أن من يبسط سيطرته على هذا الإقليم، يكون قد حمى ظهره وارتكز بعزم وثبات لقذف سهمه باتجاه الخرطوم، كما فعل محمد أحمد المهدي وأنصاره، فالشاهد في هذه السردية أن تحرير الخرطوم يبدأ من كردفان.
العبرة من ذهاب المهدي غرباً هو مدرسته الصوفية الثورية، غير المنسجمة مع الطوائف الدينية بشمال ووسط السودان، والتشكيك الذي لاقاه في مشروعه الثوري الساعي لتحرير السودانيين من ربقة الاستعمار التركي، زد عل ذلك انعدام روح الجندية لدى تلك المجتمعات، فوجد المناصرة والمؤازرة من خليفته القادم من "أم دافوق"، القائد المسنود بآلاف الفرسان الراجلين والراكبين على صهوات الخيول، فالفكرة الثورية كانت تنقصها قوة دفع رباعية – المهدي – الخليفة – أم دبالو – دقنه، فجاءت القوة المدججة بالسلاح والمتحلية بروح الفروسية الممسكة بمنهاج الدين الحنيف، وقد كان الزحف المقدس من شيكان والأبيض ثم الجزيرة أبا، وأخيراً الخرطوم ملحمة الإجهاز على الضابط الإنجليزي داخل قصره، والتأريخ لبزوغ فجر الدولة الوطنية، فحكم السودانيون أنفسهم بأنفسهم، وطردوا الغزاة، وثأروا لإهانة المك نمر ومقتل المقدوم مسلم، بضرب عنق غردون، الذي فعل الأفاعيل بشعوب شرق آسيا، والذي كان يمتطي ظهورها كامتطاء البغال، فلو كان للسودانيين ماض يفاخرون به، فهو هذا السبق الزماني والمكاني الذي حققوه، في وقت كانت شعوب آسيا وإفريقيا ترزح تحت الحذاء الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي والتركي والإيطالي، والحقيقة التي لا يعلمها الكثيرون، أن الدولة المهدية كانت الكيان السيادي المستقل بين بلدان القارة عدا اثيوبيا الحرة التي لم يستعبدها أحد.
اليوم وبعد قرن ونصف القرن ثار السودان مجدداً، ثورته هذه المرة ليست ضد مستعمر أجنبي، ثار السودانيون لتحرير بلادهم من وكلاء المستعمر القديم، من الخونة والجواسيس والمرتزقة، الذين رهنوا أرض وشعب السودان للروس مرة وللأمريكان مرات أخر، فحمل الثوار السلاح لاستئصال شأفة الاستعمار الداخلي الممتد منذ سبعين عاماً، فاليوم قد أعاد التاريخ نفسه، بتعاضد المد الكردفاني مع الحشد القادم من بقاع خليفة المهدي، لإحداث الطوفان المقدس المحرر للخرطوم من "الغردونيين" الجدد، الذين يشبهوننا شكلاً لكنهم يحملون عقولاً لا تفكر إلا بالطريقة الاستعمارية، وعيون لا ترى إلّا من منظار الغزاة الأجانب، لقد سالت دماء غزيرة روت أرض النيلين كرامة وقرباناً للتحرير القادم، هذه المفردة المتسببة في قلق وتوتر وضيق حكام الخرطوم الموالين للأجندة الاستعمارية، نعم إنها كلمة (التحرير) التي أزعجت المتخاذلين، الذين يسألونك في لؤم (تحرير ممن؟)، قل لهم التحرير من أمثالكم يا من انبطحتم لأحفاد "الغرادنة" و"الباشاوات"، وأديتم التحية العسكرية أمام بلاطهم السلطاني، مريقين ماء وجوهكم في سلوك باطل ومشهود ومنظور، عبر كاميرات إعلام القنوات الفضائية، إنّ ذكرى تحرير الخرطوم تجيء مع حزم أحفاد الثوار الأوائل لعتادهم العسكري، لخوض معركة التحرير الثانية بعزم أكيد يفل الحديد، لصناعة العهد الجديد وإرغام أنف المستعمر الداخلي العنيد.

إسماعيل عبد الله
[email protected]