Post: #1
Title: حين يغلب "الوجع" منطق "الفكرة"- قراءة في خطاب بركة ساكن.. الدم حين يصبح مقصلة للوعي- زهير عثمان
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 01-26-2026, 04:55 AM
04:55 AM January, 25 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
لا يمكن لأي سوداني بقلبه "ذرة من ضمير" أن يختلف مع عبد العزيز بركة ساكن في أن الدم المراق في فجاج السودان، وفي دارفور على وجه الخصوص، هو "الجرح الذي لا يندمل" إن تسمية القاتل باسمه، وفضح "الجنجويد" ومن شايعهم، هو فرض عين أخلاقي لا يسقط بـ "فهلوة السياسة" أو تجميل المفردات. لكن السؤال "المحرق" الذي يواجهنا كقوى مدنية ومثقفين هل نحول هذا الغضب المشروع إلى "مشعل نور" يفضح بنية العنف، أم نحوله إلى "سوط عذاب" نجلد به كل من اختلف معنا في تقدير الموقف السياسي؟
نص بركة ساكن الأخير، رغم صدقه المفجع وانحيازه للضحايا، يضعنا أمام مأزق "تحويل الأخلاق إلى محكمة تفتيش". إنه ينزلق – بوعي أو دون وعي – من فضاء "الأديب الشاهد" إلى فضاء "القاضي الذي يملك المقصلة"، محولاً "الدم" من حجة أخلاقية إلى أداة لإسكات أي صوت لا يغني في "كورال الإدانة الشاملة".
الأديب السوداني هو حارس الذاكرة لا "ترزي" أحكام تاريخ الأدب في بلادنا، من الفيتوري لـ "طيب الصالح" وصولاً لبركة ساكن نفسه، علمنا أن دور المثقف هو "تفكيك الكارثة" لا إعادة إنتاجها بلغة أخرى. الأديب الحقيقي لا يمنح "صكوك غفران" ولا "قرارات إعدام" معنوية، بل يسلط الضوء على "المناطق الرمادية" التي يختبئ فيها الشيطان. حين تصبح لغة الأديب رصاصاً إضافياً في "تاتشر" الحرب، يفقد الأدب أعظم ميزاته: أن يكون مساحة للعقل حين يجنُّ الرصاص.
"الدم ما بيبقى موية".. لكنه أيضاً لا يغسل "السياسة" يقول ساكن: "الدم عدو البلاغة". وهي جملة "تكهرب" الوجدان، لكنها في ميزان العقل السياسي مضللة. الدم في السودان هو الذي صنع "بلاغة الصمود"، وهو الذي حرك ثورة ديسمبر. المشكلة ليست في "البلاغة"، بل في "الابتزاز العاطفي" الذي يجعل من دماء الضحايا متراساً لمنع أي نقاش سياسي. الخطورة هنا أن نصل لمرحلة "الفاشية الأخلاقية": (إما أن تقول قولي، أو أنت شريك في الجريمة). هذا المنطق هو الذي هدم بيوتنا، فلا ينبغي أن يهدم "عقولنا" أيضاً.
خلط "الكيمان"- الفرق بين "الزلة السياسية" و"الخيانة الجنائية" نص بركة ساكن يخلط "الكيمان" بضراوة؛ فهو يحاكم "الضمائر" لا "المواقف" هناك فرق شاسع في التحليل السياسي بين التقدير السياسي الخاطئ (وهو ما يمكن وصم "تقدم" أو رشا عوض به في بعض المحطات) التواطؤ الجنائي المباشر مع القاتل. حين نمسح الخط الفاصل بينهما، نحن لا نخدم الضحايا، بل نخدم "نظام الحرب" الذي يريد تصفية الفضاء المدني تماماً، ليخلو الجو "للمليشيا" و"الجيش" وحدهما
الضحية ليست "عُهدة" لأحد أقسى ما في خطاب "الغبينة" هو محاولة احتكار صوت الضحايا. الضحية في "زمزم" أو "الجنينة" أو "الخرطوم" ليست مادة للدعاية السياسية، ولا ينبغي أن تُستدعى فقط لضرب الخصوم المدنيين. الأدب الإنساني ينحاز للإنسان "لأنه إنسان" لا لأنه "ذخيرة" في معركة السردياتو حين نستخدم وجع الناس لإسكات "رشا عوض" أو غيرها، نحن نقتل الضحية مرتين , مرة برصاص الجنجويد، ومرة بتحويل مأساتها إلى "كارت إرهاب فكري"
اللغة حين تفقد "حشمتها" الأخلاقية بركة ساكن، "ود الهامش" وصوت المهمشين، عرفناه كاتبًا يحرس "التفاصيل الإنسانية" , و لكن في هذا النص، تراجعت "حساسية المبدع" لصالح "يقينية القنّاص" الأدب السوداني الذي نحتاجه الآن هو الذي "يتواضع" أمام تعقيد المشهد، الذي يعرف أن الحقيقة في السودان "موزعة بين القبائل"، وأن بناء دولة العدالة لا يتم بعقلية "محاكم التفتيش
لا تغتالوا "المعنى" باسم "الدم" وهنا أقول لنفسي في البداية ، الضحايا في بلادنا لا يحتاجون لـ "صراخنا" بقدر ما يحتاجون لـ "عدالتنا" إدانة الجنجويد وفاشيتهم هي "ألف باء" الأخلاق، لكن تحويل الاختلاف السياسي إلى "خيانة" هو هزيمة لمنطق الثورة والمدنية التاريخ لا يرحم القاتل، لكنه أيضاً لا يغفر للمثقف الذي يحول "قلمه" إلى "سكين"، والدم مهما كان فادحاً، يجب أن يظل دافعاً لنا لنبني "دولة المؤسسات"، لا أن نؤسس لـ "غابة" من الشتائم والتخوين.
|
|