الكهنوت: مساءلة فكرية أم محطة قدرية كتبه د. الوليد آدم مادبو

الكهنوت: مساءلة فكرية أم محطة قدرية كتبه د. الوليد آدم مادبو


01-25-2026, 10:12 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1769335974&rn=0


Post: #1
Title: الكهنوت: مساءلة فكرية أم محطة قدرية كتبه د. الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 01-25-2026, 10:12 AM

10:12 AM January, 25 2026

سودانيز اون لاين
الوليد ادم مادبو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر




ليس من قبيل المبالغة القول إن جذر المأزق السوداني ليس سياسيًا خالصًا، ولا اقتصاديًا محضًا، بل هو – في أحد أعماقه الأكثر إهمالًا – مأزق ديني كما جرى تمثّله اجتماعيًا وتوظيفه سلطويًا. فالدين، في السودان كما في غيره من مجتمعات العالم الإسلامي، لم يكن يومًا عنصرًا هامشيًا في تشكيل الوعي العام، ولا يمكن تجاوزه كليًا دون كلفة اجتماعية وأخلاقية فادحة. غير أن *الإشكال لا يكمن في حضور الدين، بل في نوع هذا الحضور*: هل هو أفق أخلاقي محرِّر، أم لاهوت طغيان يُعاد تدويره كلما تغيّرت النخب وبقيت البنية؟

لقد دخل الوعي الإنساني، بفعل التقدّم التقني، وثورة الاتصال، وصعود العقلانية المؤسسية، طورًا جديدًا لم يعد يقبل الوصاية بوصفها نظامًا طبيعيًا للمعنى. *لم يعد الإنسان يتلقّى الحقيقة من الأعلى*، بل يصوغها عبر التجربة، والنقاش، والمساءلة. وهذا التحوّل لم يكن إعلان حرب على الدين، بل نهاية دوره القديم كأداة ضبط اجتماعي. فالمجتمعات الحديثة لم تطرد الروحانية من المجال العام، لكنها أزاحت الإله الذي يحكم باسم الخوف، وأبقت على الإله الذي يلهم باسم الكرامة.

في هذا السياق، تجد *القيادات الطائفية والدينية في السودان نفسها أمام امتحان تاريخي عسير*. إذ لا تزال قطاعات واسعة منها تتعامل مع التحوّل بوصفه تهديدًا، لا بوصفه واقعًا. فتلوذ بالقداسة الموروثة، وتستدعي شرعية النسب والرمز، وتفترض – بوعي أو بدونه – أن المجتمع ما زال قابلًا للإدارة عبر الهالة الرمزية، لا عبر الإقناع الأخلاقي. غير أن هذا الافتراض لم يعد سوى رهان على تخلّف المجتمع، لا على قيادته.

وهنا ينبغي توجيه خطاب واضح، لا عدائي، إلى هذه القيادات: إن *البشرية قد انعتقت، في وعيها العام، من الخرافة*، ولم تعد القداسة رأس مال سياسيًا صالحًا للاستثمار كما كان في الأزمنة السابقة. ليس في هذا انتقاص من الدين، بل توصيف لمرحلة تاريخية جديدة. ومن الحكمة أن تتصالح القيادات الدينية مع هذا الواقع، لا أن تقاومه باسم حماية الإيمان. فالإصرار على إعادة إنتاج الوصاية لن يؤدي إلا إلى نتيجتين متلازمتين: دفع المجتمعات إلى نبذ هذه القيادات، وإعاقة انتقالها نحو الحداثة. ومع ذلك، فإن هذا الانتقال سيحدث على أي حال؛ لا بفضلهم، بل بالرغم عنهم، إن هم أصرّوا على الوقوف في وجه الزمن بدل مرافقة مجتمعاتهم في عبوره الصعب.

إن ما سمّاه نيتشه “*نهاية الميتافيزيقا الأخلاقية*” لا يمكن فهمه بوصفه دعوة إلى الإلحاد، بل بوصفه تشخيصًا لتحوّل في بنية الوعي. *الإله الذي “مات” في هذا التصوّر هو إله الطاعة القسرية، لا إله المعنى*. وهذه الفكرة، على حدّتها الظاهرية، تلتقي مع تقاليد روحية إسلامية عميقة، أبرزها رؤية محيي الدين بن عربي، الذي جعل إنسانية الإنسان معيار الدين، لا العكس. فالدين، حين يهدر الكرامة، يتحوّل إلى صنم؛ وحين يصونها، يصبح أفقًا أخلاقيًا رحبًا يتجاوز الانتماءات الضيقة.

لقد أثبت التاريخ أن الدين، حين يُفهم بهذه السعة، لا يتناقض مع الحداثة، بل يسهم في تشكيلها. التجربة الأوروبية بعد الإصلاح الديني، وتجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، ليستا شاهدين على “علمنة معادية للإيمان”، بل على *إعادة تموضع للدين داخل مشروع العدالة الاجتماعية*. هناك، لم يُلغَ الدين، بل جرى تحريره من التحالف مع السلطة، وإعادته إلى صفّ المظلومين.

أما في سياقنا الإسلامي، فقد ظهرت محاولات مماثلة، لكنها قوبلت بالقمع والتكفير. لا لأن أصحابها خرجوا على الدين، بل لأنهم هددوا التوازن القائم بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية. *الحلاج لم يُقتل لأنه قال قولًا صوفيًا صادمًا، بل لأنه كسر احتكار الوساطة*. ومحمود محمد طه لم يُعدم لأنه أنكر النص، بل لأنه طالب بقراءته قراءة تحرّر الإنسان من الخوف. الزندقة، في هذه الحالات، لم تكن توصيفًا عقديًا، بل أداة سياسية لإسكات المعنى.

وهنا يتكثّف السؤال السوداني: نحن مجتمع لا يستطيع التقدّم بتجاوز الدين، ولا يمكنه النهوض بالاستمرار في استخدامه كلاهوت للطغيان. *الدين سيبقى عنصرًا فاعلًا في المجال العام بحكم تجذّره الثقافي والوجداني*، لكن مصيره – ومصير المجتمع معه – يتوقف على الكيفية التي يُعاد بها تعريف دوره. إما أن يكون دينًا يصمت على القهر، أو دينًا يجعل العدالة شرط الإيمان؛ إما أن يكون أداة تبرير، أو أفق مساءلة.

نحن، إذن، لسنا في حاجة إلى علمنة متعجلة تستفز المجتمع، ولا إلى ارتداد تقليدي يعيد إنتاج الأزمة، بل إلى عبور تاريخي صعب: *تجاوز الدين بوصفه جهاز وصاية، دون تجاوزه بوصفه موردًا أخلاقيًا*. هذا العبور هو ما تخشاه القيادات الطائفية والدينية، لأنه يسحب منها الامتياز، ويعيدها إلى موقع المسؤولية الأخلاقية بدل السلطة الرمزية.

وفي هذا المعنى، فإن مساءلة هذه القيادات ليست فعل خصومة، بل شرط إنقاذ. فمن لا يجرؤ على تحرير الدين من الطغيان، سيظل يستخدمه لتجميل القهر. ومن لا يملك شجاعة مساءلة المقدّس حين يتحالف مع الظلم، لن يصنع حداثة، ولن يحفظ إيمانًا. وبين هذين الحدّين، يقف السودان اليوم أمام خيار تاريخي حاسم: *دين يُنقذ الإنسان، أو دين يُستعمل لإدامة عبوديته*.

والتاريخ، كما علّمنا مرارًا، لا يقف طويلًا عند من اختاروا القداسة بدل العدالة، ولا يرحم من راهنوا على الطغيان باسم الله.